الجمعة 6 ديسمبر 2019 م - ٩ ربيع الثانيI ١٤٤١ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / القناعة عزّةُ للمؤمن

القناعة عزّةُ للمؤمن

حامد مرسي:
إنّ القناعة فيها عزة للمؤمن وراحة لضميره والقانع الراضي هو من ينظر إلى من دونه ولا ينظر إلى من هو أعلى منه فهو كالمسافر في هذه الدنيا يتحمل المشاقة حتى يصل إلى غايته، ولذلك يقول الرسول (صلى الله عليه وسلم):(طوبى لمن هدي للإسلام وكان عيشه كفافاً وقنع به والقناعة تكسب الإنسان الجنة في الآخرة)، قال ـ عليه الصلاة والسلام:(واعطوا الله الرضا من قلوبكم تظفروا بثواب فقركم وإلا فلا)، وإذا أراد الله بعبده خيراً ألزمه القناعة ووضع في قلبه الرضا فيكتفي بالعيش الكفاف ويكتسب العفاف ولن يلقى عبد ربه يوم القيامة بعمل هو أحب إلى الله عز وجل من القناعة لأنها ثمرة المحبة وأعلى درجات عباده المقربين إليه سبحانه، قال الله تعالى:(رضي الله عنهم ورضوا عنه) أي: قنعوا بما أعطاهم من ثوابه ففازوا بالجنة ونجوا من عذابه، وقال سيد المرسلين:(من سعادة بني آدم رضاه بما قضى الله ومن شقاوة ابن آدم سخطه بما قضى الله).
يقول الله سبحانه وتعالى:(ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى)، يخاطب الله نبيه محمد (صلى الله عليه وسلم) ويقول له: يا محمد لا تنظر إلى هؤلاء المترفون وأشباههم ونظراؤهم وما هم فيه من النعيم فإنما هو زهرة زائلة ونعمة حائلة لنجتزهم بذلك وقليل من عبادي الشكور، وفي الصحيح أن عمر بن الخطاب لما دخل على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ووجده مضجعاً على رمال حصير وليس في بيته سوى أنية معلقة فيها ماء فابتدرت عينا عمر بالبكاء فقال له رسول الله (صلى الله عليه وسلم): فيما ما يبكيك يا عمر؟ فقال: يا رسول الله إن كسرى وقيصر فيما هما فيه من النعيم وأنت صفوة خلق الله تكون هكذا فقال: أو في شك أنت يا ابن الخطاب؟ أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا فكان (صلى الله عليه وسلم) أزهد الناس في الدنيا مع القدرة عليها.
يا أخي المسلم .. لا تشغلك مسألة الرزق ما كان لك فسوف يأتيك لا تستعجل الرزق وهو أسرع من البرق، يقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(لو ركب ابن آدم الريح ليحصل على الرزق لركب الرزق البرق ليقع في جوف ابن آدم، وقال بنو إسرائيل لموسى ـ عليه السلام: سلنا ربك أمراً إذا نحن فعلناه يرضى به عنا، فقال موسى ـ عليه السلام: اللهم قد سمعت ما قالوا، فقال: يا موسى قل لهم يرضون عني حتى أرضى عنهم لقد جلب الآدمي على الطمع وقلة القناعة، قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى لهما ثالثاً ولا يملأ جون ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب، وسأل موسى ربه: فقال يا رب: أي عبادك أغنى؟ فأوحى إليه أقنعهم بما أعطيته، والذي يرضى بالقليل ويقنع بما رزقه الله يطير من قبره إلى الجنة، قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(إذا كان يوم القيامة أنبت الله لطائفة من أمتي أجنحة فيطيرون بها من قبورهم إلى الجنان يسرحون فيها وينعمون كيف شاءوا فتقول لهم الملائكة من أي أمة أنتم فيقولون من أمة محمد (صلى الله عليه وسلم)، فيقولون: أي الملائكة لهم وكيف بلغتم هذه المنزلة؟ بفضل الله وكنا إذا خلونا نستحي أن نعصيه ونرضى بالقليل مما قسم لنا، فتقول الملائكة: فحق لكم هذا، وقيل لبعض الحكماء ما الغني؟ قال قلة تمنيك ورضاك بما يكفيك، وكان محمد بن واسع يبل الخبز اليابس بالماء ويأكل ويقول من قنع بهذا لم يحتج إلى أحد، وقال بن مسعود ما من يوم إلا وملك ينادي يا ابن آدم قليل يكفيك خير من كثير يضغيك، وقال حكيم: وجدت أطول الناس غماً الحسود وأهنأهم عيشاً القنوع وعلاج الطمع أن يقتصد الإنسان في المعيشة يقنع بثوب واحد ويقنع بأي طعام كان، وفي الحديث: التدبر نصف المعيشة وينبغي أن يكون الإنسان واثقاً بوعد الله تعالى فيقول وما دابة إلا على الله رزقها، وذلك لأن الشيطان يعده الفقر ويقول له إن لم تحرص على الجمع والإدخار فربما تمرض وربما تعجز وتحتاج إلى الناس وتأمل في تنعيم اليهود والنصارى وأراذل الناس والحمقى ومن لا دين ولا عقل لهم ثم انظر إلى أحوال الأنبياء والأولياء والخلفاء الراشدين وسائر الصحابة والتابعين وتستمع إلى أحاديثهم وتتطلع إلى أحوالهم وخير عقلك بين أن يكون مشابهة لأراذل الناس أو الاقتداء بمن هو أعز أصناف الخلق عند الله وينظر الإنسان إلى من هو أقل منه ولا ينظر إلى من هو أعلى منه، قال أبو ذر: أوصاني خليلي ـ صلوات الله عليه وسلم ـ أن أنظر إلى من هو أدنى لا إلى من هو فوقي أي في الدنيا وليصبر فما الدنيا إلا أيام قلائل حتى يحصل على النعيم الأبدي فيكون كالمريض الذي يصبر على مرارة الدواء لشدة طعمه في انتظار الشفاء .. هذا والله أعلم.

* إمام مسجد بني تميم بعبري

إلى الأعلى