الجمعة 6 ديسمبر 2019 م - ٩ ربيع الثانيI ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / “التوك توك” وإشكاليات العمل والتشغيل في مصر

“التوك توك” وإشكاليات العمل والتشغيل في مصر

محمد عبد الصادق

دراسة حديثة للمركز المصري للدراسات الاقتصادية، رصدت الإشكاليات التي تواجه قطاع الصناعة والتشغيل في مصر، وأظهرت أن 74% من المنشآت الصناعية تواجه مشاكل متعلقة بالأيدي العاملة، وجاء في الدراسة أن توافر فرص عمل بديلة أكثر ربحية وفي مقدمتها “التوك توك”؛ تعتبر من أهم الأسباب شيوعا لأزمة التشغيل في مصر، فالمصانع تعاني من عدم قدرتها على جذب العمال للاستقرار والاستمرار في العمل، بسبب ضعف الأجور وطول فترات العمل مقارنة بما يحصل عليه العامل من أجر إذا اتجه لسياقة “التوك توك” ويأتي بعد ذلك في الترتيب، ضعف المهارة وقلة الإنتاجية وندرة الأيدي العاملة المتخصصة.
واضطر كثير من أصحاب المصانع والمنشآت السياحية، في مواجهة هذه الأزمة للجوء للأيدي العاملة الوافدة من إفريقيا وآسيا، بعدما فشلت مسكنات زيادة الأجور أو توفير خدمات النقل والتغذية والتأمينات الاجتماعية في جذب العامل المصري، في بلد يبلغ عدد سكانه أكثر من مئة مليون، ويوجد به 41 مليونا في سن العمل، قرابة عشرة ملايين منهم سافر للعمل في الخارج، و28مليونا يعملون في الداخل في الحكومة والقطاعين العام والخاص والقطاع غير الرسمي، وحوالي ثلاثة ملايين من حالة بحث عن عمل، وهناك 35% من سكانه تحت خط الفقر.
والحقيقة هذه الأزمة متفشية في معظم الدول العربية، سواء كانت فقيرة أو غنية وهي افتقاد ثقافة الاحترافية والالتزام في العمل في الأجيال الحديثة واستعجالهم الوصول للقمة والطموح الجامح، الذي لا يتناسب مع الجهد أو الخبرة أو الكفاءة والمؤهلات العلمية، فهو يريد أن يعين مديرا، قبل أن تطأ قدماه مقر العمل، ويرفض القبول بالأجر المحدد للوظيفة المتاحة، والصبر على الوظيفة حتى تؤتي أكلها ويثبت جدارته ويترقى حسب الأصول المرعية.
ربما يكون العامل العربي أكثر ذكاء و”نباهة” وإبداعا من العامل الآسيوي، ولكن الآسيوي يتفوق عليه في الالتزام، والانضباط في المواعيد وتنفيذ التعليمات، وطاعة الرؤساء، والرضا بالأجر المتفق عليه، وعدم افتعال المشكلات، وهي العوامل اللازمة لدوران عجلة الإنتاج في أي منشأة، في ظل تطور الميكنة واعتماد عملية الإنتاج على الآلات الحديثة التي تصل في بعض الصناعات إلى “الروبوتات” التي لا تحتاج عبقرية، ولا ذكاء من العامل.
المفارقة أن العامل المصري، يثبت جدارته عندما يسافر للخارج، والدليل هو الإقبال الكبير عليه في كثير من دول العالم، بل وصول عدد لا بأس به من العلماء والأطباء والمهندسين والإداريين المصريين لمناصب رفيعة في أوروبا وأميركا الشمالية، واعتماد بعض الدول العربية على الفني والعامل المصري في كثير من المهن والأعمال.
وتفسيري لهذا التناقض الصارخ، هو البيئة الاجتماعية المحيطة بالعامل في مصر، وهي بيئة لا تساعد على العمل ولا الإنتاج، فالأعباء العائلية تحاصره من كل جانب، وحالة الصخب وقلة الراحة المستمرة في الشوارع والمقاهي المنتشرة في الأحياء السكنية وتُرك لها “الحبل على الغارب” لتستقبل الزبائن حتى صباح اليوم التالي، والمناسبات الاجتماعية التي لا تنتهي؛ من زواج وطلاق وعزاء وعيادة مرضى وحل نزاعات، هذه البيئة الاجتماعية تجعل من الاستحالة تفرغ العامل لأداء عمله، أو قدرته على الاستيقاظ مبكرا بكامل لياقته الذهنية والجسدية، ليتوجه إلى عمله بهمة ونشاط، ناهيك عن صعوبة التنقل وازدحام المواصلات الذي يستنزف طاقة العامل، ويجعله يصل لمقر عمله منهكا غير قادر على الإنتاج، كما لا نغفل ضعف الأجر الذي يصيب بالإحباط ويقلل من الحماس، فشئنا أو أبينا .. الوظيفة تستمد أهميتها ومناعتها من الدخل الذي تدره على صاحبها.
بينما نفس هذا العامل عندما يترك هذا المحيط الاجتماعي المحبط، ويسافر للخارج ينجح، نتيجة تفرغه للعمل والإنتاج، بعدما يبتعد عن المشاكل والأعباء الاجتماعية التي تكبله في مسقط رأسه، بجانب الدخل المادي المجزي الذي يشجع على الإنتاج والإقبال على العمل.

إلى الأعلى