الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / قراءة في ضرورات تطوير أبحاث ونظريات النظم السياسية

قراءة في ضرورات تطوير أبحاث ونظريات النظم السياسية

محمد بن سعيد الفطيسي

” .. عدت النظم السياسية حتى وقت قريب ( مرادفة للأشكال التي تمارس بها السلطة أشكال الحكومات، ومن ثم كانت موضوعات النظم السياسية تنحصر أساسا في الجانب الشكلي للسلطة، أي في تحديد شكل الدولة والحكومة ووسائل إسنادها ووظائفها, أما النظم السياسية الحديثة فقد أطلقت فيها السلطة لكي تتدخل في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والفكرية,”
ــــــــــــــــــــــــــــــ

لاشك ان التغيير المتسارع والجذري في البنية المتغيرة للسياسات العالمية والبيئة الدولية بمختلف اتجاهاتها ومجالاتها وتفرعاتها السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية وغير ذلك خلال القرنين 20و21 قد احدث اثر جذري وملموس في العديد من حقول وفروع العلوم الإنسانية, وخصوصا تلك التي تدخل وتتداخل مع اثر التغيير والمتغيرات الدولية العابرة للقارات, سواء كانت المباشرة منها او غير المباشرة للتأثير سالف الذكر, ونخص منها حقل العلوم السياسية والقانونية والعلاقات الدولية وما يتعلق بتلك العلوم من مناهج وتفرعات علمية وأكاديمية.
الأمر الذي بات معه ضرورة مواكبة تلك المتغيرات والتحولات في هياكل وأنظمة البيئة الدولية والسياسات العالمية بمختلف اتجاهاتها الإنسانية بتغيير منهجي ونقدي أكاديمي استشرافي قادر على إحداث بعض التطوير اللازم والضروري على مناهج التفكير والتدريس ونظريات مختلف العلوم ذات الصلة بالتأثير والتغيير الذي حدث ولازال يحدث على رقعة الشطرنج الدولية, وخصوصا على نظريات الحركة والثبات وتطور المؤسسات والنظم السياسية, ما يمكننا من خلاله العمل على تحديث وتطوير تلك المناهج والعلوم ذات الصلة والتي تدرس للطلبة في المؤسسات الأكاديمية والبحثية في مختلف المستويات العلمية لتلاءم وتواكب تلك المتغيرات والتحولات الجديدة والمعاصرة في هياكل النظام العالمي الجديد.
وقد ركزنا في هذه الدراسة على حقل غاية في الأهمية, ونؤكد على انه واحد من أهم تلك الحقول الأكاديمية التي لحق بها وأصابها التأثير السريع والجذري سالف الذكر في البنية المتغيرة للسياسات العالمية والبيئة الدولية بمختلف اتجاهاتها الإنسانية النظرية منها والتطبيقية سواء كان ذلك التأثير تأثير مباشر او غير مباشر, وهذا الحقل هو منهج او مادة النظم السياسية الذي يدرس في الجامعات والكليات ذات الصلة, والذي نال أهمية متزايدة في الوقت الحاضر للعديد من الأسباب, على رأسها تزايد أعداد الدول المستقلة والتي أقامت في كل منها نظاما سياسيا ودستوريا خاصا بها، على سبيل التجربة في بادئ الأمر وصولا الى تحقيق استقرارها على نموذج نظام سياسي معين يناسبها وينسجم مع ظروفها ويكون قادرا على تلبية حاجاتها الأمنية والتنموية المختلفة, وكذلك انعكاسات ما سمي في كثير من الأدبيات العربية الحديثة بأحداث ثورات الربيع العربي على الأنظمة السياسية القائمة والقادمة, وكذلك بسبب تزايد النزاعات والتدخلات الدولية الإنسانية في الدول ذات السيادة في الشرق الأوسط, وغيرها العديد من الأسباب التي يمكن ان نقول بأنها كانت الدافع للسعي نحو الرغبة في التجديد في العديد من المفاهيم والنظريات والاتجاهات ذات الشأن في مادة النظم السياسية.
والمتتبع لهذا الحقل يجد انه شهد( تطورات ملحوظة خلال الربع الأخير من القرن الماضي – القرن 20- ، تجلت هذه التطورات في ظهور وتبلور مجموعة من الاتجاهات الحديثة في دارسة النظم المعنية، تمحورت حول عدد من المفاهيم والأطر النظرية والمنهاجية الرئيسية منها: التعددية السياسية والتحول الديمقراطي والمجتمع المدني وعلاقته بالدولة والاقتصاد السياسي، والعلاقة بين الإسلام والسياسة والسياسات العامة، والنظام الدولي والتحولات العالمية).
وقد عدت النظم السياسية حتى وقت قريب ( مرادفة للأشكال التي تمارس بها السلطة أشكال الحكومات، ومن ثم كانت موضوعات النظم السياسية تنحصر أساسا في الجانب الشكلي للسلطة، أي في تحديد شكل الدولة والحكومة ووسائل إسنادها ووظائفها, أما النظم السياسية الحديثة فقد أطلقت فيها السلطة لكي تتدخل في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والفكرية, وبذلك يكون من المهم دراسة شكل الحكم ، وكذلك تحليل النظام الاجتماعي الحالي للدولة وأبعاده المستقبلية , كذلك وتطورت عناصر النظام السياسي كافة ، وأصبح يمثل الدولة- التي أصبحت تتمتع بالشخصية القانونية- في علاقاتها إزاء مواطنيها وسكانها في جميع المجالات ، كما يمثلها في علاقاتها الدولية).
لذا فإن دراسة النظم السياسية في عالم اليوم لم يعد مقتصر على بيان أنواعها وأشكالها التقليدية, بل تعداه مراحل وأشواط بعيدة الى ضرورة تطوير ملامحها الأكاديمية وتحديث نظرياتها السياسية والقانونية والعمل على مواكبة وملائمة مادتها العلمية للتحولات الجديدة والمتسارعة في البنية المتغيرة للسياسات العالمية والبيئة الدولية الجيوسياسية, كذلك فقد برزت الحاجة للاهتمام بعمليات النظم والمؤثرات التي تقع عليها وما الى ذلك، لذا نرى كما ( يقول الاستاذ الدكتور حسين علوان وهو أستاذ العلوم السياسية بكلية العلوم السياسية بجامعة بغداد ضرورة الاهتمام بدراسة بيئة النظام السياسي وعناصرها المتعددة، والتفصيل في دراسة المؤسسات والوظائف الحكومية والمؤسسات والوظائف غير الحكومية، وكذلك دراسة أداء النظم السياسية بمعنى تحليل السياسة العامة من ناحية أعدادها وأنماطها وتنفيذها وآثارها، فضلاً عن دراسة علاقة النظام السياسي بالمواطنين من ناحية عملية التنشئة السياسية والمشاركة السياسية, ودراسة نظم الدول النامية التي تعني دراستها المعرفة العلمية بالمشكلات السياسية لها والأزمات التي تنتابها وأنماط الحلول المقدمة لها , وآلية عمل هذه الأنظمة على صعيد الحياة العملية).
وكذلك ضرورة دراسة أزمات النمو السياسي التي تواجه الأنظمة السياسية للدول النامية, والتعمق في دراسة الأنظمة الدكتاتورية ولاسيما النظام الشمولي من اجل التعرف على آلياته ومبادئه وقواعد عمله التي تعتبر ضارة للمجتمعات حتى ان البعض من طلاب الدراسات العليا ما زال يجهل معنى التوتاليتارية والنظام الذي يبنى عليها , وكذلك الأهمية البالغة لدراسة القيادة السياسية وانعكاساتها وأثارها على النظم السياسية , ودراسة أزمة الحكم التي تهيمن على الحياة السياسية لدول عديدة, وتأثير الصراعات والحروب فيما يطلق عليه بالشكل المتغير للحروب على أشكال الحكم ونظريات السيادة, وغير ذلك الكثير من التحولات والتغيرات التي طرأت على البيئة الدولية والبنية المتغيرة للسياسات الدولية ومدى اثر ذلك على أنظمة الحكم وأشكال الدول والحكومات في مختلف دول العالم.
عليه فإننا وخلال مقالاتنا القادمة بإذن الله وبين الحين والآخر سنتناول بعض ملامح ضرورات التطوير والتجديد في البناء الأكاديمي والعلمي لمادة مدخل الى النظم السياسية ومن ثم سنحاول جاهدين ملائمة ومواكبة تلك المادة مع التطورات المتسارعة في البنية المتغيرة للسياسات العالمية والبيئة الدولية من حيث النظريات والأفكار والإبعاد الدولية الجديدة في مختلف المجالات وخصوصا السياسية منها, والتي أثرت على نظم الحكم السياسية التقليدية , ما يدفع هذه الأخيرة الى ضرورة التطوير من بناءها ونفسها بشكل يواكب تسارع الأحداث ونظريات الحركة والثبات في المؤسسات السياسية.

إلى الأعلى