الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / حرية الإنسان ما بين الدولة والأيديولوجيا

حرية الإنسان ما بين الدولة والأيديولوجيا

” .. إن تاريخ الإنسان الطويل هو تاريخ نضاله من أجل حريته التي تحد منها قوى الطبيعة والمجتمع, فكثيراً ما حالت قوانين الطبيعة العمياء دون تحقيق ما يريد من استثمار أمثل لمواردها, من أجل تأمين حاجاته المادية, وكثيراً ما وقفت قوى اجتماعية طبقية محددة أمام رغباته في تحقيق عدالته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية,”
ــــــــــــــــــــــــــــــ
تستوقفني هنا مقولة “لجان جاك روسو” تقول: (مسكين هذا الإنسان عندما يولد يقيده أهله “بقماطه” مباشرة, وعندما يموت يبسمرون عليه نعشه).
إن قيود الإنسان بدلالاتها العديدة كما يراها “روسو” تبدأ مع ولادته وتنتهي بموته, والإنسان, مابين ولادته وموته يناضل كثيراً برأينا, إن لم نقل يقاتل طوال حياته من أجل فك قيوده المادية منها والمعنوية (الفكرية/الروحية), بأشكالها الموضوعية والذاتية, الموروثة والمكتسبة, في كل دلالاتها, من أجل عودته إلى مرجعيته الإنسانية المضاعة في غربته واستلابه وتشيئه عبر تاريخ عمليات إنتاجه لخيراته المادية والروحية معاً.
نعم هذا هو الإنسان منذ ولادته حتى مماته, هو مشروع حرية. يبدأ بشقاء معرفة إنتاج خيراته المادية والفكرية, ثم النضال المستمر من أجل كسبها وتحويلها إلى مهارات, وبالتالي تحويلها إلى وعي وسلوك اجتماعيين في الأسرة والمجتمع, ليتابع مشوار نضاله الطويل في قوننة علاقاته الاجتماعية والمعنوية في المجتمع والدولة, ثم ترويض نفسه لمعايشة هذه القوانين والتقيد بها.
بيد أن الإنسان في الوقت الذي يعرف فيه قيوده التي تحد من حريته بكل مستوياتها, وأثناء سعيه للتحرر من هذه القيود, غالباً ما يدفع الثمن غالياً من أجل الحصول عليها أو على بعضها… فكم ناضل الإنسان (الفرد والمجتمع) من أجل الخلاص من أمية الحرف, أو من أجل كسب لقمة عيشه, وتحقيق العدالة والمساواة في توزيع الدخل الاجتماعي, أو من أجل حقوقه الطبيعية التي يحاول الآخر من أبناء جلدته سلبه إياها, كـحرية (العيش والملكية والتعبير), وكم ناضل من أجل تحقيق المساواة بين الجنسين, أومن أجل الوصول إلى المواطنة, وكم ناضل من أجل حقوقه السياسية والمشاركة في قيادة شؤون بلده وتنميته ورقيه, وكم ناضل من أجل حقوقه الثقافية وما تتضمنه هذه الحقوق من قضايا كحرية التعبير والدين والموقف الفلسفي من الحياة والكون.
نعم إن تاريخ الإنسان الطويل هو تاريخ نضاله من أجل حريته التي تحد منها قوى الطبيعة والمجتمع, فكثيراً ما حالت قوانين الطبيعة العمياء دون تحقيق ما يريد من استثمار أمثل لمواردها, من أجل تأمين حاجاته المادية, وكثيراً ما وقفت قوى اجتماعية طبقية محددة أمام رغباته في تحقيق عدالته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية, وكثيراً ما حرمته هذه القوى ذاتها من تعليمه وتحرره من جهله, بل ساهمت هي ذاتها في تعميق هذا الجهل لديه عبر كل ما تمتلك من وسائل قوة وقهر وسيطرة, وفي مقدمتها الدولة والأيديولوجيا.
فإذا كانت الدولة عبر حواملها الاجتماعية المستبدة, تمنعه من المشاركة السياسية, وما يترتب على هذه المشاركة من سعي كل أفراد المجتمع ممثلين بقواهم الاجتماعية المختلفة طبقياً ودينياً وأثنياً بغية تحقيق العدالة والمساواة والسعادة والنمو والتطور وبالتالي تحقيق المواطنة, نرى في الايدولوجيا وبخاصة الظلامية منها, ممثلة بحواملها الاجتماعية كيف تساهم في تغريب الإنسان عن واقعه أو تصنيم عقله, أو مسح هذا العقل من كل ما هو عصري وعقلاني, لتعيد زرع تربته من جديد بأفكار ومفاهيم جامدة ومفوّته تاريخياً, بحيث يُوصل دعاةُ هذه الآيديولوجيا الإنسان إلى الاعتقاد بأنها هي خشبة الخلاص التي ستنقذ الإنسان من غربته وشقائه الذي هو فيه, والعودة به إلى فردوسه المفقود.
وإذا كانت الدولة بحواملها المستبدة قابلة دائماً للتنازل عن شيئ من امتيازات هذه الحوامل وعنجهيتها وفوقيتها لمصلحة الشعب, بعد أن تلمس استعداد الشعب للتضحية من أجل الحصول على حقوقه. إلا أن الآيديولوجيا المفوّته تاريخياً (الصماء) ممثلة بحواملها المستبدة والرجعية والمتخلفة, غالباً ما تدفع الفرد والمجتمع المتبني لها كي يتحول إلى عدو لنفسه, بحيث يقوم بتدمير ذاته بذاته من خلال تقييد عقله وروحه وإرادته بمفاهيم ورؤى وعقائد مفوّته تاريخياً من جهة, او هي غير قابلة للتحقق في وجوده المعيوش من جهة قانية, ثم تقييد حريته وإرادته ومنعه من النظر إلى حياته ومستقبله بما تحمل هذه الحياة من قوانين وأنظمة ونشاطات مادية وروحية, هي من يعطي الإنسان قيمته الإنسانية وليس تلك الأفكار الجامدة من جهة ثانية, ففي مثل هذه الحالة يعمل الإنسان على محاربة وتدمير حياته المعيشة كونها لا تنسجم مع أفكاره الأيديولوجية المفوته حضارياً, أو هي مخالفة لها, وهذا ما يجري اليوم مع القوى السلفية الداعشية التي ترفض الواقع بكل ما فيه من قيم حضارية وفرح إنساني, بناها الإنسان بذاته, بعرقه ودمه وكدحه التاريخي, معتبرة إياها قيماً ضالة وكافرة, ومن يمارسها زنديقاً وكافراً, يجب أن يقتل وتدمر حضارته المخالفة لما تتضمنه هذه الآيديولوجيا وما تطمح إليه من عودة إلى الفردوس المفقود. أو ما يجري مع (بعض) القوى السياسية المغامرة التي ركبت موجة ثورات الربيع العربي وهي تحمل شعارات ثورية في مضمونها, إلا أنها شعارات يغلب عليها الطابع العاطفي التسويقي أو البراغماتي الهادفة إلى تحقيق تحولات مرحلية, أو حتى الانتهازي الذي لبس ثوب الثورية في الشكل’ ممتطياً صهوة هذه الثورات لتحقيق مصالح شخصية أنانية حتى لو جاءت عبر التعامل مع أعداء الوطن والمواطن في الخارج.

د.عدنان عويّد
كاتب وباحث من سوريا
d.owaid50@gmail.com

إلى الأعلى