الجمعة 6 ديسمبر 2019 م - ٩ ربيع الثانيI ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / تساؤلات عربية على هوامش الأزمات القُطرية

تساؤلات عربية على هوامش الأزمات القُطرية

علي عقلة عرسان

أن تنهار مجتمعات ببناها المادية والروحية.. أن تُدَمَّر أجيال وتُخرَّب بُناها الجسدية والعقلية والروحية، بالجهل والفقر والجوع والرعب والتشرد، بالمخدرات والانحلال والقهر والاستغلال، وأن تُدفع دفعا في دروب التخلف و”التأزْلُم” والجريمة.. أن تعجز دول عن ضبط الأمن العام للناس فيها وتنشغل بضبط أمن سلطاتها على حساب أمن مواطنيها، وباستمرار حكمها وتحكمها، وانغماسها في القتل والاقتتال والتبعية، وفي أشكال التآمر والأزمات والتبعيات والتنازلات.. أن يتم ذلك لتتسلط فئات يعميها التعصب والتطرف والنزوع المقيت إلى القمع والحقد والفحش والنهب والتعذيب والقتل، وليشبِع أشخاص تورّماتهم المَرَضية السلطوية ونزواتهم ورغباتهم الجامحة للتحكم والإثراء غير المشروع والبقاء كوابيس فوق رؤوس الناس.. أن تتحول الشعوب إلى جوقات مصفقين للظلم والطغيان والقوة والجبروت.. أن تنهار قيم وبُنى ودول..؟! تلك أمورٌ لا يمكن تصورها أو قَبولها أو استمرارها، إذ في ذلك إبادة أمة معنويا وإراديا ومعرفيا على الأقل، وفيه تدمير أوطان وفتح أبوابها للطامعين والنهابين، وفيه تعطيل للحرية والإبداع والتقدم وطاقات الأفراد الخلاقة.
في هذا الواقع المأساوي الزاحف على بلداننا وفيها يرتفع السؤال الأساس: كيف يمكن العودة إلى شيء من الضبط السياسي والإداري والاجتماعي والأخلاقي والقانوني، والتوجه نحو إقامة العدل وتحقيق الأمن وتأمين الضروريات لحياة الناس، وكيف يمكن الإصلاح والسير في طريق الحرية والتحرير والفلاح مع تفاقم التخبط والتهافت والتآكل، ومع سيطرة المتطرفين والفاسدين والانتهازيين والفوضويين والهدامين وغير الأكفاء على القرار ومفاصل الدولة، على المال والأعمال والشؤون العامة للناس.. مع ترك الأبواب مفتوحة على مصاريعها أمام التدخل الخارجي، وأمام أعداء الأمة والدين المتدخلين في شؤونها العامة والخاصة، المستثمرين في الإرهاب والناشرين والقاتلين المحتلين بادعاء مكافحته، وجعلهم يحققون أهدافهم بأيديهم وأيدينا..
تلك عقدة من عقد البؤس المفضي إلى اليأس.. فهل إذا ضلَّ الفرد يجب أن تضل الجماعة؟ وهل إذا ضَلَّت الجماعة أو ضُلِّلت يجب ألا يرتفع صوت ينادي بالإنقاذ، وألا ترتفع في الأفق شعلة هداية بسبب الطغيان والبطش والخوف من القهر والبطش؟! وهل من مستلزمات الحكم والأمن أنه إذا ارتفع صوت أن يُخْذَل ويُذَلّ، وإذا أوقِدَت شعلة وأنار شهيد ومستشهدٌ طريقا يكون حظ ذينك وأمثالهم الطمس والقمع والتعتيم والإطفاء وما هو أبعد من ذلك وأسوأ؟! تلك حال تدخل الأممَ في محن، وتندرج في باب مِحن الأمم وامتحاناتها، وربما كانت من أشد مِحن العقل والوجدان واللسان والإنسان.
إن دائرة الحصار حول المنتمين بإخلاص ووعي لوطن وهوية وعقيدة وأمة تضيق وتزداد خنْقا، والجبهات التي على الإنسان الحر الواعي أن يحارب فيها تتعدد وتتسع حيث لا يستطيع الوقوف فيها كلها، ولا سد ثغراتها وفجواتها وخوض المواجهات المجدية في مجالاتها كافة.. وهو إن لم يقم بما يمكن أن يَحمي وينقِذ، وإن لم يتصدَّ للظلم وللخطر الداهم بصورة ما من صور التصدي، ازداد الخطر واستفحل وعم الخطب وطمّ، وحينذاك سيفقد احترامه لنفسه ويشك بقدرته على التغيير.. فهو لا يقوم بواجبه حيال ما/ ومن يجب أن يقوم بواجبه حيالهم.. وفي هذه الأحوال جميعا لن يَرضَى ولن يُرضي، وسيلقى عَنتا أمام غيره وفي حياته، ويدفع الثمن بصور شتى أمام العالم وأمام نفسه على الأقل، وسيتحمل مسؤولية أمام الوطن والناس.. نعم أمام الناس الذين يشعر بهم وقد لا يشعرون به.. الناس الذين يفتك بهم الظلم ويئنون ويحتاجون إلى من يقفهم معهم ويشد أزرهم، ويقودهم ليتصدوا جماعيا للخطر الذي يستهدف الشعب والأمة، ولمواجهة أعداء الداخل وأعداء الخارج، ووضع حد للظلم والضيم والقهر والفقر، والسعي نحو العدل والحرية..
لكن المؤسف أن كثرة كاثرة من الذين يعانون، ومن المنادين بعلو صوت.. يذوبون كما يذوب الملح في الماء حين تحتدم المواجهات، ويبقى من يرفع رايتي الدم والوطن بشجاعة وحده في الساحة..فالانتهازيون والمتآمرون والفاسدون والطغاة وتجار الأرواح والدماء وغيرهم وغيرهم قبيلة.. قبيلة تسخر من شرف القبائل وهي تكبر كلما ضَحُلَت.. أولئك لا يعنيهم أن ينتموا لجبهة الوطن والعدالة والحرية، ولا أن يدافعوا عما يشكل كيان الأمة وهويتها وكينونتها وخصوصيتها وعقيدتها، ولا عن أرضها ومصالحها ومقدساتها.. إن ما يعنيهم هو انتهاز الفرص والكسب والبقاء خارج حدود المساءلة بأي أسلوب وبأي ثمن.. وتراهم يداهنون ويصرخون مع الصارخين، وعند الجد والشدة يروغون ويتزأبَقون أو يُشهرون سيوفهم على الأمة وعلى شرفائها المقاتلين من أجلها ولرفع الظلم والقهر عن مظلوميها، ويقفون مع أعدائها حين يرون المَخلب والمكسب.. ولا تعوز الذرائع فيعومون على كل سطح، ويعودون إلى دوْر العَلَق ومواقعه، يمتصون دماء الشعب ويبصقون في دمه، وينهكون الوطن ويحلبون ضروعه، ويضعون أموالهم في مأمن يرونه خارج دائرة شعبهم ووطنهم وأمتهم.. إنهم لا يهمهم الصدق ولا العدل ولا الشرف ولا تهمهم كلمة الحق، ولا الدفاع عن الوطن والشرف وعن الأرض والعرض والدين والإنسان.. الانتهازيون قبيلة، والمستثمرون فيها كُثُر في الداخل والخارج.. والأمثلة على ذلك كثيرة في واقعنا العربي وتكاد تجدها بأشكال وصور شتى في أقطار عدة، وهي فاقعة في الأقطار التي حلت بها كوارث بأيدي أبنائها وزْدائها وأصبحت ساحات حرب عليها وفيها وعلى الأمة وعليها..
فمن الذي استهدف العراق والعراقيين، سوريا والسوريين، ليبيا والليبيين، اليمن واليمنيين.. إلخ، ومن الذي أسس للكوارث في هذه الأقطار وفي غيرها وزاد من محنتها ومحنة الأمة وتشققها وضعفها بسبب ما جرى ويجري فيها وفيها غيرها؟!
في سوريا، على سبيل المثال لا الحصر، مثال يكاد ينسحب الوضع فيها على الوضع في غيرها من أقطار عربية هي ساحات معارك ومظالم وكوارث.. في سوريا من الذي أسس للكارثة التي حلت بالبلد والشعب وتنامت منذ آذار/مارس ٢٠١١/ حتى أوصلتهما إلى ما هما عليه وفيه الآن من خسارات فادحة في الأرواح، وإهراق للدماء، وسقوط لمئآت آلاف الجرحى والمعوَّقين، وانتشار الدمار، وإحكام الحصار على البلاد والعباد، إضافة إلى معاناة من نزح وتشرد في بلدان ومخيمات لجوء، وما استشرى من فساد وإفساد وفوضى وغلاء أسعار، وتراجع في قيمة النقد السوري.. وما ألحقه كل ذلك بمعظم أبناء الشعب في سوريا من شقاء وجعلهم في أزمات متتاليات؟!.. أهم السوريون أنفسهم بفتكهم بأنفسهم وببلدهم، وعجزهم عن حل أزمة تطورت إلى فتنة، وفتك القوى التي استظلوا بها واستدعوها للتدخل المباشر وغير المباشر في شؤونهم.. فتمركزت في مواقع وقواعد، وأدارت حروبا بالأصالة وبالوكالة دفع ثمنها السوريون إذ كتنوا نارها وحطبها؟!.. أم هي تلك الدول والقوى التي تآمرت عليهم وسخرتهم في صراعاتها لخدمة مشاريعها ومصالحها، فاحتلت مناطق من البلاد وأعلنت فيها وجودا استعماريا وقتلت ودمرت ونهبت واستنفدت الطاقة والثروة، ودفعت كرة النار في أنحاء البلاد وما زالت تدفعها لتحرق ما تبقى منها، وتنجز مشروع الصهاينة والأميركيين وأدواتهم وعملائهم من السوريين، بتمزيق الشعب، وإعاف الدولة، وتقسيم البلاد، وإقامة كيان على أساس عنصري يتماهى مع كيان الإرهاب والعنصرية الصهيوني، ويشكل مخلبا للصهاينة والأميركيين والأوروبيين في سوريا والمنطقة كلها.. مَن الذي فعل ذلك؟! ألم يفعله السوريون وعرب آخرون بالدرجة الأولى، سواء أكان ذلك بنشر الفوضى والرد عليها بما يوازيها من قسوة، أم بالاقتتال البيني ثم إقامة التحالفات مع غير السوريين “دولا وتنظيمات وميليشيات طائفية ـ مذهبية”، والارتماء في أحضان الأعداء والقوى الأجنبية “الصديقة وغير صديقة” بهدف تطلع كل فريق من “الإخوة السوريين المتعادين” إلى “حليف؟!” ينصره على أخيه فيقتله ويدمره أو يقهره، فينجز ذلك نصرا ما مثله من نصر، هو النصر القهر، قهر السوريّ للسوري وتدميره جسدا وإرادة وقيمة، وقهره لبلد بإضعاف البلد واحتلال الأجانب له.. فتحقق بذلك فتك الكلِّ بالكلِّ، وإباحة البلاد والعباد، وإعادة سوريا والسوريين عقودا من الزمن إلى الخَلْف، وإعادة الاستعمار إليها/إليهم بأشكال وألوان وصفات، وتحت ذرائع ومسميات؟!.. وتوجيه طعنة نجلاء لكل سوري عقائدي ولكل قومي عربي “آملٍ أو حالمٍ أو مؤمنٍ بدور فريد لسوريا في العمل العربي كونها القلب من الأمة، ومركز الثقل المبدئي، وقيمة عليا في التطلع إلى تحرير الأرض العربية والعمل على وحدة الأمة”..
ها قد دمَّر الكلُّ الكلَّ “إلا بقايا”، ولم يكتف الفاعلون بالمنجزات التي ما زال حبلها على الجرار.. وها هم السوريون بعد التي واللُتيّا، لا يتخلصون من تبعية مهلكة، ويتقاسمهم المتقسمون والطامعون، وتتآكلهم الأحقاد بعضهم على بعض، ولا يفلحون حتى في إجراء حوار مسؤول في لقاء يسفر عن بصيص أمل أو يبعث ضوءا في ظلام النفق الطويل.. ومن ذا الذي منهم وحتى من المخلصين لسوريا الوطن والأمل، يستطيع أن يُخمِّن فداحة الثمن الذي سيدفعه السوريون ومدى الزمن الذي سيمر عبر التضحيات والغصات والأزمات و.. ليتخلصوا من هذا الوضع وعقابيله، بعد الذي دفعوه ويدفعونه منذ نشأت الأزمة/الكارثة وحتى الآن وما بعد الآن؟! ومَن هو الذي دفع ويدفعُ وسيدفع في نهاية المطاف؟! أليس الشعب الكادح المنهك المنتهَك؟ أليس البسطاء والفقراء والمنتمون بصدق وشرف وخُلُق للوطن والأمة والهوية، للأرض والعقيدة والتاريخ والحضارة؟! واليوم.. مَن الذي تاجر ويتاجر بذلك وبأولئك فأثرى واستعلى واستقوى واستشرى وفسد وأفسد؟!.. ألم يفعل ذلك ويفعلُه نفرٌ من السوريين تاجروا بالدم والإنسان والوطن والقيم وبحياة الناس وعرضوا الاستقلال ووحدة الشعب والأرض إلى ما يتعرض له كل ذلك من تهديد؟! ألا يزداد أولئك النفر أمنا وثراء وقوة وفتكا بالناس الضعفاء؟ ولمَ يستمر ذلك وكيف؟!.. كل منا عليه أن يسأل نفسه أسئلة ويواجه الواقع ويواجه نفسه، وينظر في المرآة ليرى ذاته بمنظار واقعي موضوعي وطني وأخلاقي مسؤول.. وكلٌّ منا مطالب بمواجهة ما يتوصل إليه من نتائج النظر إلى الذات ومحاكمتها، لكي يبدأ العمل بوعي وضمير وفق نظر ورأي ورؤية ونهج وخيار مختلف عن كل ما أسس للكارثة، وما فاقم ويفاقم المخاطر، ويوسع دوائر المآسي ويزيدها شدة وحدة.
إن علينا نحن العرب في كل أقطارنا، لا سيما المصابة بداء الحرب والفتنة والتدخل الخارجي منها، أن نصارح أنفسنا في مقاربة السؤال: هل بعد هذا الخراب الذي يعرفه القاصي والداني من حاجة وضرورة وجدوى لمزيد من الخراب؟!.. وهل هناك مَن يكتفي بما حقق من غايات وأشبع من نزوات وكدَّس من أموال وجنى مِن أرباح”؟! هل هناك مَن راجع نفسه أو يمكن أن يراجعها، فوقف أو يمكن أن يقف بشجاعة أمام مرآة ضميره، ويحاكم ذاته وتصرفاته بعقل وحكمة وعدل، ويؤول إلى مواقع الصدق والرفق والكفاية والكف عن الظلم والتحكم بلقمة عيش الفقير وموالاة الفاسدين والظالمين والأتباع؟!.. هل هناك مَن ندم أو توقف عن التآمر والمقامرة بالأرواح، وعن الذبح والتجارة بالذبائح البشرية وآلام المعذبين والأشقياء المعذبين؟! وهل هناك مَن يكتفي بما دمَّر وقتل وفرَّط وأباح واستباح، وارتكب من جرائم وشتت من شمل وتحمل من آثام وأوزار، من دون أن تقف بوجهه قوة حازمة، قانونية وإدارية وأمنية وشعبية واعية وقادرة على إعلاء شأن الحق والعدل، ووقف النهب والظلم والفتك، وفرض الأمن والأمان والعدل بقوة القانون ووعي الشعب.. هل هناك من يصحو ويوقظ النيام ليستيقظوا وينظروا ويفكروا ويتدبروا ويقرروا ويفكروا من منطق وطني وقومي وإنساني.. ويرفعون أصواتهم بالانتماء للأمة بوجه مَن ينالون منها، ويتهجمون عليها، ويشوهون صورتها، ويؤسسون للعداء بين أقطارها، ويخدمون أعداءها ويضعفون مكانتها؟! إننا بحاجة لأن نفعل ذلك في جبهة تتسع لتشمل الكثيرين في أقطارنا لكي نقف عند عتبة تغيير يبدأ بالذات ومن ثم ينتقل للشأن العام، وللآخر الشريك في الوطن والمصير وفي الشرط الإنساني والمصير الإنساني؟! وهل يوقف المأساة السورية خاصة إلَّا السوريون المخلصون للوطن الآخذون بالعقل والعدل والحق والحرية والهوية والكرامة، والآيبون إلى الصواب، وحضن الوطن بوفاء وإخلاص ومسؤولية.. وهل يوقف مأساة الأمة العربية إلا المنتمون إليها بوعي وشجاعة ومعرفة وإخلاص؟!
ولا بأس من حكِّ الجرح بسؤال: أين هم أولئك وكم هم وكيف أصبحوا وكيف يفعلون فعلا منقذا في خضم هذه ” الزّفَّة الدموية ـ الانتهازية ـ الفسادوية ـ التشويهية” في وطننا العربي الكبير؟!.. هل هم هنا؟! هل هم قادرون على التحرك؟! هل لهم دور؟! هل لهم رأيٌ ودورٌ ولسان؟! هل يتاح لهم أن يقولوا كلمة وأن يمارسوا فعلا حرا محرِّرا على طريق غير تدميري ولا دموي ولا انتهازي ولا تخريبي ولا تبَعي ولا فوضوي؟! هل أبقى الزاحفون والزاعقون والمتآمرون والمتاجرون بالوطنية والإرهابيون والقَتَلَة والمحتلون وعملاؤهم وأدواتهم و.. و.. هل أبقوا لأولئك المنتمين لأمتهم نصيبا في قطر أو أمة، وهل أبقوا لهم رأيا وقولا أو هامش حضور فاعل في هذا الشأن؟! مِن أسف شديد وحزن بالغ نقول: إن الدلائل لا تشير إلى ذلك.. وأن المؤشرات ما زالت تخطُّ كما يخطُّ الخطَّاطُ الحربي في أرض المعركة ملامحَ مستقبل يرسمه مَن صنعوا المأساة ومن استثمروا ويستثمرون فيها، ومن لهم مصلحة في استمرارها وتفاقمها، ومن يتربعون على جثث الشهداء، ويقمعون الأحرار المنتمين، ويرفعون الوطن والأمة العربية وقضاياها المصيرية شعارات.

إلى الأعلى