الجمعة 6 ديسمبر 2019 م - ٩ ربيع الثانيI ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / الدراما .. كقوة سياسية ناعمة

الدراما .. كقوة سياسية ناعمة

فوزي رمضان
صحفي مصري

حين تخوض الدول معاركها، أو تؤسس لأركان حضاراتها، فإنها في سبيل ذلك تستخدم كل قواها الناعمة وسيلة للجذب وأداة للإقناع دون الإكراه أو التعنيف؛ لذا وظفت الدراما لخدمة الأهداف السياسية غير المباشرة لدعم الانتشار الناعم إقليميا أو دوليا، ولعقد من الزمان كان ـ من المؤسف ـ أن يترك أمر الفكر الدرامي أو الفكر السينمائي العربي أسيرا لنزوات وترهلات نفر من البلهاء، تقدم للجماهير سيلا من الجهل والضحالة والركاكة، وما كان ينبغي أن يحدث ذلك في ظل تعثر المشروع العربي أمام أطماع القوى الإقليمية.
عندما قدمت السينما المصرية قبل ثورات الربيع نوعية أفلام مثل (هي فوضى) و(حين ميسرة)، كإرهاص لانفجار ثورة شعب تشجب تردي الأوضاع الأمنية، وغياب العدالة والظلم الاجتماعي، تناسى صانعو تلك الأفلام ـ خلال تجسيدهم الواقع ـ أنها أظهرت كل سوءات وقاذورات المجتمع للجميع، وأثرت سلبا على الصورة الذهنية للسائح الأجنبي. ومع الانشغال بالإيرادات والجماهيرية، انتشرت سينما العشوائيات والبلطجة والتسطيح، والتي أضحت تفسد وتضلل وتخرب المجتمع ذاته، وباتت الدراما فسادا لا إصلاحا، وهدما لا بناء، وقوة مخربة أكثر من كونها قوة ناعمة للتنوير.
في ذات الوقت كان المشاهد العربي يستلقي على قفاه من الاستمتاع بالأفلام الأميركية، والتي قد تبدو من الوهلة الأولى أنها وسيلة ترفيهية، دون أن يدري أن السينما هي إحدى أذرع القوى الناعمة الأميركية، تستخدم لتوجيه رسائل للعالم لنشر القيم الأميركية وتعزيزها لخدمة مصالحها.. تارة تظهر عناصر جيشها كأبطال أشداء لا يغلبهم غالب لإظهار التفوق، خصوصا أفلام الحرب في فيتنام.. وتارة يظهرون دموية اليابانيين لتبرير استخدام السلاح النووي ضدهم.. أيضا احتل الإعلام الأميركي العالم بأسره، ليس بفضائية (سي أن أن) أو بصحيفة واشنطن بوست، بل بفضائية ناشيونال جيوجرافيك، والتي تبث بكل لغات العالم، ضمن شبكة فوكس العالمية، وتذيع خلالها مواد أرشيفية ترفيهية ثقافية ذات أبعاد وزوايا موجهة.
بات استخدام موارد الدولة من ثقافة، وطبيعة وإرث تاريخي، وتحويلها إلى قوة ناعمة كي تجعل من نفوذها السياسي منجزا واقعيا. وفي عصرنا المعولم هذا، باتت قوة الدراما الناعمة تستخدم بشكل مذهل؛ لذا حرصت تركيا على استخدامها، في سبيل التفكير عبر ماضيها الامبراطوري، وحاضرها الإقليمي المميز؛ لذا فإنها تسعى للعب نفس الدور عبر الترويج لنموذج الإسلام الديمقراطي، بحشوة القومية التركية ومجد الخلافة العثمانية، من منطلق التعامل مع الشرق باعتباره الإرث الضائع لتركيا الجديدة.. فقد نجحت في تصدير أكثر من 15 عملا دراميا لمنطقة الشرق الأوسط وأميركا اللاتينية أشهرها (إكليل الورد) و(سنوات الضياع) و(حريم السلطان) و(قيامة أرطغرل) حصدت من خلالها أكثر من 400 مليون مشاهد، وأكثر من 600 مليون دولار.
ومن خلال تلك الدراما ـ التي تبرز الملامح التاريخية في فترات خنوع وخضوع، معظم الدول العربية لدولة الخلافة العثمانية ـ نجحت تركيا في رفع حجم صادراتها من الحلي حتى أثاث المنازل، ومن خلال استعراض طبيعتها الخلابة وجمال بيئتها، إلى ازدياد نسبة السياح بشكل كبير، وباتت أسماء مثل مهند ونور أكثر تسمية لمواليد العرب.
وفي إطار الصراع الإقليمي، والمشاريع التوسعية بالمنطقة، انتقل الصراع السياسي إلى حلبة الدراما، وجاء الاحتلال التركي لشمال شرق سوريا، والتدخل بالسلاح في الأزمة الليبية، والخلافات المتباينة للنظام التركي مع معظم دول الإقليم، كان الرد بالدراما. وكما أظهرت المسلسلات التركية أرطغرل أنه نصير المسلمين على الأرض، جاء مسلسل (ممالك النار) كعمل درامي مشترك، التأليف مصري والإخراج بريطاني، والتمثيل سوري باستثناء المصري خالد النبوي، التصوير نفذ على أرض تونس، التمويل إماراتي والبث كان سعوديا، بكلفة باهظة بلغت 40 مليون دولار، حيث يجسد العمل الدرامي الفترة من أواخر القرن السادس عشر، وسقوط دولة المماليك الغارقة في الجباية بقيادة المملوكي طومان باي، على يد الدولة العثمانية الغارقة في العنف بقيادة سليم الأول.
يمثل المسلسل مشهد قتل طومان باي، نصير المصريين وتعليق رأسه على باب ذويلة، كما يظهر مدى صراع الدولة العثمانية على ثروات مصر وبلاد الشام، وحالات النهب والسرقة عقب زوال دولة المماليك، فيما اعتبره البعض عملا سياسيا قد يحمل هجوما على الدولة العثمانية، وتشكيكا في خلافتها الإسلامية. وتعتبر ممالك النار نهجا جديدا في العمل الدرامي المشترك في مواجهة الدراما التركية التي سحبت البساط، من تحت أقدام الدراما المصرية والسورية، وأيضا لتحويل واجهة السياحة إلى الدول العربية، خصوصا تونس الخضراء التي تشبه طبيعة وجمال بيئتها البيئة التركية. وكما فعلت أفلام هاري بوتر ومملكة الخواتم في زيادة السياحة الأجنبية إلى نيوزيلندا وإنجلترا، تسعى الدول العربية لجذب السياحة إليها.. وأيا كانت ردود الأفعال على دراما المسلسل وأهدافه، لكنها الصحوة في استخدام قوى الدراما الناعمة، ربما في إحياء المشروع العربي مقابل المشروع التركي بإحياء الخلافة العثمانية، والمشروع الإيراني بإحياء الامبراطورية الفارسية، وإسرائيل وإحياء الدولة الصهيونية، ولم لا؟ بدل أن نكون دائما مسرحا لمشاهد التراجيديا والبكائيات، فلنعد لأمجادنا الاعتبار، أو على الأقل نصحح عنا روايات الإفك والتزييف (دراما دراما بس نتوحد).

إلى الأعلى