الجمعة 6 ديسمبر 2019 م - ٩ ربيع الثانيI ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / في “الغزو الثقافي” .. ثانية

في “الغزو الثقافي” .. ثانية

أ.د. محمد الدعمي

للمرء أن يؤشر عددا من الظواهر والملاحظات التاريخية لمناقشة موضوع “الغزو الثقافي” الذي استغرق أذكى العقول العربية والمسلمة طويلا من أجل الاستنارة وتوعية الشبيبة والنشء خاصة.
عملية “الغزو” بمعناها المتداول والعام، يعني لفظ “غزو” تطلقها مجموعة بشرية ضد مجموعة بشرية أخرى دون مبرر قانوني أو عرف شرعي، بقصد إذلال المجموعة الثانية وفرض السيطرة عليها أو انتزاع ممتلكاتها. هذا هو المعنى الشائع للفظ “غزو”. وحيث يتفق أبسط الأفراد على هذا الفهم، فإنهم غالبا ما يرتدون إلى ما كان يجري بين قبائل العرب قبل ظهور الإسلام عبر الصحاري العربية وربوعها الخالية. شكل الغزو حقبة ذاك آلية اجتماعية متعارفا عليها وفاعلة نظرا لغياب سلطة القانون المركزية والأجهزة أو المؤسسات البوليسية المتخصصة بالحفاظ على النظام، ومنع اعتداء القوي على الضعيف. لهذه الأسباب، يجد المرء أن الإنسان العربي القديم اعتاد أن يلجأ إلى العسكريتارية، كي يكون على أهبة الاستعداد لمثل هذه النائبات الطارئة، من أجل حماية أهله وأمواله وقطعانه. لذا، لا يترك عرب الصحراء، أدوات القتال عن أجسادهم قط، إذ إنها تلتصق بأجسادهم مذ أن يشبّوا حتى يشيبوا بل وتكون ضجيعتهم في قبورهم. وغالبا ما ينام العربي ملتفا بغطائه واضعا أخف أنواع أسلحته تحت وسادته. وقد اخترقت هذه التقاليد البدوية القديمة الذهن العربي (واعيا أو لا واعيا) عبر العصور بدرجة (حتى ظهور الدولة العربية الحديثة)، ذلك أن الكثير من سكان المدن العربية الحديثة لا ينامون إلا وقد وضعوا سكينا صغيرة أو خنجرا حادا تحت وسائدهم، برغم استقرار الوضع الاجتماعي واستتباب الأمن والاطمئنان الذي أضفته المؤسسات الحكومية المتطورة على الحياة المدنية عامة، وقد سألت المغفور له بإذن الله والدي مرة ـ بسذاجة الطفولة ـ عن معنى وضع تلك السكين الصغيرة تحت مخدته، فأجاب بأنها توحي بالتفاؤل، وعلامة تدعو للأحلام الوردية!
لقد تجاوز هذا النوع من الاستعداد النفسي للميدان لدى العرب الزمن واخترق حواجز الوعي عبر سلسلة طويلة من الأجيال المتداخلة والمتعاقبة وكأنه رسالة الأسلاف المشفرة، درجة أن حال الحذر غدت ظاهرة مزعجة للغاية لدى الغزاة الجدد الذين يمثلون امبراطوريات وثقافات أجنبية شتى. لقد رصد الغربيون هذه الظاهرة في الشخصية العربية، على سبيل مقارنة العرب بضحايا غزواتهم في جنوب المحيط الهادي وإفريقيا السوداء وأميركا اللاتينية. إذ تبين أن العربي مفرط في الحذر، يغار على ممتلكاته ويخشى على تقاليده وتراثه وأنماط تفكيره بدرجة لا تُسهّل للغربيين اختراقها بيُسر، نظرا لأن تواصل الوعي بالغزو والغزاة هي حال ليست أثرية مندرسة في خبايا اللاوعي العربي بقدر ما هي حال وراثية مستمرة متواصلة وفاعلة، قد تكون غائبة لدى الشعوب الأخرى.
إن المشكلة الغربية الثقافية معنا لا تتلخص في أن العرب دائما ما يميلون إلى الحيطة، بقدر تعلق الأمر بالمقتنيات المادية باهظة الثمن فقط، بل إن هذه الحيطة تشمل خشيتهم على إرثهم الثقافي وحبهم له وولعهم به وحرصهم على المحافظة عليه وتجنيبه كل ما يخرشه أو يشوهه. وهم لذلك قوم متمسكون بإفراط بالماضي والتشبث بخيوطه الممتدة نحو قرون سحيقة إلى الوراء زمنيا. تسبب هذه الحال الكثير من الإحراج للمخطط الغربي: فبينما يُبدي الإنسان الإفريقي أو الأميركي اللاتيني، على سبيل المثال، تسامحا واستعدادا سريعا على تقبل الجديد والطارئ من “معطيات المدنية الغربية الحديثة” بكل إفرازاتها الثقافية والاجتماعية والنفسية والأخلاقية بلا مقاومة، يعكس العقل العربي مقاومة عنيدة لكل هذه المستحدثات الوافدة برغم بهرجتها وتأطيرها بمنظومات دعائية ومنطقية مغرية. العرب متمسكون بجِمالهم وبخيولهم الأصيلة برغم اقتنائهم أفخر السيارات الحديثة وتنقلهم اليومي من مطار إلى آخر عبر عواصم العالم. إنها ظاهرة محيرة بالنسبة “للآخر” الغربي الذي يراقبنا بدقة وصبر وأناة. المشكلة، في نظرهم، هي أن العربي هو بدرجة من المقاومة لمعطيات التقنيات والتأنق الغربي، إنه منع اكتساح المنتجات الغربية لأغنى أسواق العالم. بل إنه، فرض على “كريستيان ديور” و”بيير كاردان” التوافق مع متطلباته الذوقية الضاربة بإعماق صحرائه من ناحية، والمتجذرة في تراثه العتيق من الناحية الثانية. لهذا يرفض العربي الأسمر أن يتخلى، ليس فقط عن موروثه وتواريخه وسيره القديمة فحسب، بل كذلك انه يرفض كذلك أن يبارح لباسه القومي الصحراوي الذي ابتكره ثم طوره عبر العصور لمواجهة العواصف الرملية والسموم الجافة التي فرضت عليه أن يلجأ إلى بيت من الشَّعر لسكناه، وآخر، من الغزول، لسكنى رأسه، بنفس المواصفات والتشكيل، برغم انتقاله إلى أحدث البنايات، بل وإلى ناطحات السحاب! ولكن على الرغم مما يبدو على السطح من ظواهر غير مقبولة، تعكس التمسك بصيغ أثرية لا مسوّغ لها اليوم، فإنها تشكل، في نظر العقل الغربي، تشبثا لا مسوغ له، تشبثا لا يرقى هو إلى محاكاته ولا ترقى بدائله إلى أن تحل محله. هذه ظاهرة تجعله ينزعج من الإنسان العربي، وربما تجعله يحسده في دخيلته، فينعته بنعوت عدائية قاسية تعبيرا عن نوع من الضغينة.
أما الغزو الثقافي بمعناه الذي نناقشه في هذا السياق، فيتجلى هنا، فهو يتجلى في محاولة الثقافة الغازية فك الارتباط بين الثقافة المعرّضة للغزو من ناحية، والأفراد الذين يحتضنونها، من الناحية الثانية. ولكن فك هذا الارتباط لا يتحقق بالبساطة التي تتبادر إلى الأذهان، ذلك أن فك ارتباط الجمهور بثقافته المتوارثة ذات الطابع المحلي والنكهة القومية والروحية ينبغي أن ترافقه عملية لا تقل تعقيدا عن عملية الدعوة إلى نسيان الأفراد قصص حياتهم وسيرتهم: فيتوجب على الثقافة الغازية (الغربية في هذه الحال) أن تضطلع بتوقيت الدعوة إلى انتزاع الثقافة المحلية مع عرض بديل ثقافي مبهرج وواعد بآفاق الجديد الشجاع.

إلى الأعلى