الجمعة 6 ديسمبر 2019 م - ٩ ربيع الثانيI ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / في العمق: واقع الخدمة المقدمة للسياحة الداخلية.. إلى أين؟

في العمق: واقع الخدمة المقدمة للسياحة الداخلية.. إلى أين؟

د. رجب بن علي العويسي

يطرح موضوعنا جملة من الموجهات التي ينبغي استحضارها في قراءة مشهد السياحة الداخلية، وواقع الخدمة السياحية المقدمة، ليس في توافر البيئات السياحية بقدر شعور السائح المواطن والمقيم بعدم حضور المؤسسات المعنية بالسياحة في الواقع السياحي الوطني، في ظل ما أفصحت عنه تغريدات وهاشتاقات المغردين في منصات التواصل الاجتماعي وما يتداول من صور وغيرها تعبر عن حالة الازدحام في المرافق السياحية وتدني الخدمة السياحية المقدمة فيها أو في توافر أبسط الخدمات التي يحتاجها السائح، وهو مشهد أصبح يتكرر مع مختلف الإجازات الوطنية أو الدينية أو الصيفية أو غيرها من الإجازات التي تزيد عن يومين، دون إيجاد إطار عمل وطني واضح تعمل المؤسسات المعنية عليه؛ فمع الاعتراف بالجهود النوعية التي قدمتها وزارة السياحة في التسويق الإعلامي الخارجي للسياحة الوطنية والفرص السياحية المتوافرة، باعتبارها المظلة الوطنية المعنية بالقطاع السياحي، والتحولات الإيجابية التي شهدها هذا القطاع في السنوات الأخيرة في ظل سعي الحكومة إلى تبني حزم تطويرية في تنويع مصادر الدخل وتعزيز دور القطاع السياحي كأحد الخيارات الاستراتيجية في رفد المنظومة الاقتصادية الوطنية، والحضور النوعي للسلطنة في جوائز السفر والسياحة العالمي وحصولها على استحقاقات تقدم نوعي في هذا الجانب كإحدى الوجهات السياحية العالمية الأكثر أمانا وتحقيقا للمعايير الدولية، وزيادة فرص التنوع الحاصل في مسار البيئات السياحية عبر إضافة أنشطة سياحية متجددة لرفد القطاع السياحي مثل: النزل الخضراء، والنزل التراثية والبيوت الأثرية وغيرها؛ إلا أن واقع الخدمة السياحية ومدى قدرتها على تحقيق احتياجات السياح والوصول إلى توقعاتهم ورغباتهم وطموحاتهم، ومستوى استيعاب البيئات السياحية عبر الخدمات السياحية المقدمة فيها نظرا للزيادة المستمرة في أعداد السياح، سواء من خلال السياحة الوافدة أو السياح المواطنين والمقيمين.
وبالتالي ما يستدعيه ذلك من تدخلات عاجلة تعيد النظر في مسار السياحية الداخلية وتقييم الظروف والمتغيرات التي تمر بها والإشكاليات والتحديات التي باتت تقف في وجه كل التوجهات الساعية لنمو السياحة الداخلية والتسويق لها في الداخل الوطني والقناعة بها من قبل المواطن نفسه، وطبيعة ونوعية الجهود المقدمة لها، ومستوى كفاءة الأدوات والآليات والبرامج وخطط التنسيق والرقابة والتنظيم الموجهة لهذا القطاع، وإعادة مراجعة المنظور السياحي الداخلي والأجندة التي تعمل عليها المؤسسات المعنية بالسياحة، والحاجة إلى حضور المرجعية الوطنية للسياحة في تعزيز الضبطية السياحية وتقنين الآليات وتصحيح الممارسات وتقييم البرامج والخطط والجهود وتبسيط الإجراءات ورسم ملامح التحول القادمة في السياحة الوطنية؛ فمع القناعة بأن اليد الواحدة لا تصفق، وأن المنظومة السياحية ليست معنية بها وزارة محددة أو مؤسسة بعينها، بل تبدأ من المواطن نفسه وتستمر مع استمرار جهود المؤسسات وفاعليتها، إلا أن وجود إطار وطني يحتكم إليه الجميع، بهدف تنظيم العمليات السياحية وإعادة إنتاجها بروح عصرية وهوية وطنية واستراتيجية أداء عالمية تستفيد من كل التوجهات العالمية والمسارات الوطنية في تطوير هذا القطاع ومن خلال تمكين السياحة الداخلية من القيام بدور أكبر في تعزيز كفاءة المنظومة الاقتصادية الوطنية، وتوجيه الجهود نحو ترقية المسار السياحي، وحسم الكثير من التحديات والاختلالات التي يواجهها هذا القطاع سوف يصنع فارقا في الأداء، ومسارا واضحا في العمل؛ وهو ما يضمن جدية أكبر في تقليل فاقد العمليات السياحية المتكررة، وتوجيه الجهد السياحي الوطني نحو تقديم خدمة سياحية عالية الجودة والتوسع فيها وتنوعها وتوفير قنوات إعلامية وتسويقية وترويجية مرنة تعزز من اقتصاد السياحة وترقى به، إذ إن من شأن وضوح التوجهات ووحدة المسار وتوجيه جل الاهتمام للقطاع السياحي والتفرغ له عبر وزارة السياحة، سوف يمنح الأداء قوة، ويسرع مسار العمل، ويضمن الاستجابة والجاهزية والتفعيل لما يطرح من أفكار أو وجهات نظر وتشخيص وتحليل ومراجعة، ويضمن في المقابل أن المشروعات والمبادرات السياحية المقدمة من قبل المستثمرين ورجال الأعمال والمال والمجتمع تتجاوز النظرة الضيقة للسياحة المتمثلة في الفنادق والمولات التجارية إلى الاقتراب من المواطن والتفاعل معه وخلق بيئات سياحية تتناسب والظروف المعيشية وتستقرئ طبيعة المجتمع العماني وأخلاقه وطريقة استغلاله للإجازات في التجمعات العائلية والرحلات الجماعية وغيرها، بالشكل الذي يصنع للمنجز السياحي حضورا في فقه المواطن، ويحقق الإنتاجية المطلوبة منه.
لقد حبا الله هذا البلد الطيب بيئات سياحية متنوعة صيفا وشتاء، أكسبها فرصة نمو هذا القطاع وتطوره واستدامته ـ إن أحسن الاستثمار فيه ـ وأتيح للمواطن فيه فرص أكبر للمشاركة الفعلية في صناعته ورسم معالمه عبر المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، خصوصا في ظل انتشار هذه البيئات في مختلف محافظات السلطنة وولاياتها، سواء كانت بيئات سياحية بحرية وشاطئية، ورملية وجبلية وتراثية وبيوت تاريخية، وعيون وبرك مائية وأودية تختزن الكثير من المياه الجارية وبيئات فطرية في السهل والجبل تعبر عن طبيعة خلابة، تبهج الشعور وتسر الناظر، وتسعد النفس التائقة للراحة والاستجمام والاسترخاء، هذا التنوع في البيئات تعززه رغبة الإنسان العماني وحرصه المستمر على تنشيط السياحة الداخلية الوطنية، واتجاه أغلب الأسر العمانية إلى قضاء أوقات الإجازات المحدودة داخل ربوع السلطنة والتنقل بين ولاياتها ومحافظاتها، لمزيد من اللقاء والتجمع العائلي أو الاستمتاع بالأجواء المعتدلة في هذه الفترة من العام، ولعل التفاعل الذي حصلت عليه الهاشتاقات التي تناولت الموضوع السياحي الوطني مع بداية إجازة الثامن عشر من نوفمبر المنصرم “إجازتي أقضيها في عمان” و”إجازتي في بلادي عمان”، مؤشرات إيجابية ينبغي أن تستثمرها وزارة السياحة والجهات الأخرى الداخلة في هذا القطاع بشكل أفضل لزيادة التوعية والترويج السياحي، خصوصا في ظل ما أفصحت عنه الإجازة من اهتمام المواطن بالسياحة في بلده، ظهر ذلك في الازدحام والكثافة في الكثير من المرافق السياحية، بما يعني في الوقت نفسه بأن المواطن العماني أصبح يمتلك مستوى مناسبا من الوعي السياحي في اختيار وجهته السياحية، ووجود تقدم نوعي في القناعة بالسياحة الداخلية والقيمة التي تحققها، وأن المسار السياحي لدى المواطن بدأ يعي الكثير من المفاهيم والمفردات التي تتطلبها السياحة الداخلية؛ ومن بينها أن السياحة الداخلية لا تعني المنشآت السياحية المغلقة كالفنادق أو المراكز التجارية والمولات والشاليهات السياحية فقط، بل هي أوسع من ذلك بكثير، فيمكن أن تكون تحت ظل شجرة سمر أو سدر أو غاف، وفي سهل واسع فسيح، وفي منطقة مرتفعة أو أودية منخفضة، أو متنزهات عامة وحدائق، أو شواطئ بحرية وكثبان رملية أو غيرها، وهي أرصدة ثرية تؤسس لمرحلة متقدمة من الوعي السياحي يجب أن تستفيد منها وزارة السياحة وغيرها في التفكير خارج الصندوق وتأكيد البساطة والهوية كقيمة حضارية منتجة وعامل لإنتاج القوة في السياحة الداخلية، وهو أمر يتطلب كمرحلة أولى تهيئة البيئات السياحية في مختلف محافظات عمان وولاياتها لاستقبال السياح وتوفير الخدمات الضرورية لهم، لما لذلك من أثر في زيادة ثقة المواطن بالجهود السياحية واعترافه بالقيمة المضافة المتحققة من السياحة الوطنية، والتي تستدعي اليوم جهدا من قبل المؤسسات المعنية بالسياحة والشركاء الداخليين، في توفير الممكنات والفرص والخدمات السياحية التي يمكنه خلالها أن يقضي إجازته في عمان.
وعليه، يبقى تعزيز كفاءة السياحة الداخلية مرهونا بالممكنات التي تتفاعل معها أطر العمل الوطنية في توظيف البيئات السياحية الطبيعية وغيرها في صناعة تحول إيجابي ينعكس على قناعة المواطن والسائح في الخدمة المقدمة وثقته فيها وتوافرها بكل سهولة ويسر حتى مع فرض الرسوم الرمزية عليه ما دام يحصل في المقابل على خدمة سياحية مناسبة، وبالتالي إعادة تصحيح المسار السياحي الحالي عبر حضور أقوى للاستثمار السياحي النشط والفاعل، ومشاركة القطاع الخاص والعائلي في رسم معالم السياحة، وتعزيز وجود قواعد بيانات بالمرافق السياحية المنتشرة وتوفير الإحداثيات لها، ووضعها ضمن الأولويات الوطنية بتوفير الخدمة السياحية المناسبة التي تحتاجها هذه المناطق، والاستفادة من كل ما يطرح عبر المنصات التفاعلية في تصنيف هذه المناطق والبيئات بحسب المواسم السياحية والخدمات المتوافرة فيها وتسليط الضوء عليها بالشكل الذي يضمن استيعابها لأكبر عدد من السياح وتحقيقها لطموحات السائح، وما يؤسسه ذلك من أهمية البحث عن أطر استراتيجية وآليات عمل استباقية تقوم بها وزارة السياحية مع المؤسسات المعنية في مختلف المحافظات، باعتبارها محطات سياحية تتجه إليها أفواج السياح: المواطنين والمقيمين، وفق قراءة فاحصة لاحتياجات السائح وأولوياته، ومؤشرات تقدم تثبت فاعلية هذه الجهود وكفاءتها في توظيف الفرص واستثمارها بطريقة أكثر اقتصادية ومهنية، والتي نعتقد بأنها لا تكلف الكثير من الموارد التي تكلفها عملية إنشاء فندق أو مدينة سياحية متكاملة، فما تحتاجه هذه البيئات السياحية لا يتجاوز: (دورات مياه عامة مناسبة في التنظيم والعدد والاستيعاب، مزودة بما يكفي من المياه لاستخدامها مع توفير عامل أو عاملة لسرعة عملية التنظيف، وحث المراكز التجارية والاستهلاكية عبر التزود بالمستلزمات التي يحتاجها السائح، وتشجيع إقامة الفعاليات والأسواق الاستهلاكية التي توفر فرص التسوق للسياح، بالإضافة إلى التأهيل المناسب للطرق المتجهة إلى هذه البيئات السياحية) بحيث يجد فيها السائح خصوصية متحققة ودورات مياه نظيفة، ليستأنس فيها وأسرته، هذا الأمر بما يتطلبه من قلة التكاليف المالية يستدعي اليوم خروجا عن المألوف وتكاتفا وطنيا يعيد السياحة إلى مسارها الصحيح، تحدد فيه مرجعية وطنية واحدة للسياحة لتقوم بمسؤوليتها على أكمل وجه، في سبيل ردم الفجوة الحاصلة والمساحات الواسعة من الازدواجية والتقاطعات في المهام والصلاحيات، فرغم وجود وزارة السياحة المعنية بهذا الشأن، إلا أن التداخل في الاختصاصات والازدواجية في العمل مع المؤسسات الأخرى وضعف مستوى التنسيق والتكامل والتناغم بين هذه المؤسسات أفضى إلى تكرار الممارسات السياحية، ورغم ما يقال من ملاحظات أو يطرح من أفكار على مستوى منصات التواصل الاجتماعي أو عبر القنوات الإعلامية الصحفية وغيرها؛ إلا أن المسالة ظلت على حالها، بما يشير إلى أن مشكلتنا السياحية لا تكمن في تعدد البيئات السياحية وتنوعها أو توافرها واستدامتها، بل في الحاجة إلى ضبط الممارسة الموجهة للسياحية، وإعادة هندستها بطريقة تضمن المزيد من التفعيل والتكامل والتناغم في الجهود التي ما زالت تتسم بالفردانية والأحادية والتبعثر والتشتت، واحتكار المؤسسات لها دون وجود مسار واضح يضع هذه المنشآت السياحية ضمن دائرة الضوء ومسار الاهتمام، ما أسهم في تشتت الجهود، وشعور المواطن بتدني الخدمة السياحية في الواقع، فإن ما ينبغي المعرفة به، هو أن المواطن لا يحتاج إلى المؤسسات الفندقية السياحية بقدر حاجته إلى تأهيل الطريق له لوصوله إلى الوادي الذي تتوافر به البرك المائية والعيون، أو توفير العدد الكافي من دورات المياه، وخلق نشاط تنافسي للقطاع الخاص والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة في إدارة هذا القطاع عبر توفير بيئات سياحية على الشواطئ الممتدة من محافظة ظفار مرورا بمحافظة الوسطى إلى جنوب الشرقية على مساحة قريبة من الشاطئ، لتشكل بمثابة أماكن للاستجمام تبرز فيها مساحة مناسبة من الخصوصية، مبنية من المواد غير الثابتة كالخيام وسعف النخيل، ما يعني أهمية الإسراع أهمية الإسراع في طرح هذه الأنشطة على القطاع الخاص، ونعتقد بأن الاتجاه اليوم نحو التوسع في البيوت السياحية المبنية من المواد غير الثابتة كالخيام سعف النخيل وغيرها توجه عملي مناسب يجب أن يحظى بالاهتمام والتنظيم والتوسع فيه تجنبا لمبرر الموازنات الكبيرة التي يحتاجها القطاع السياحي، والقناعات السلبية التي أصبح البعص يتحجج بها في عدم تطوير هذا القطاع داخليا.
ومع التأكيد على أن صناعة السياحة الداخلية اليوم بحاجة إلى المزيد من الوضوح في استراتيجيات العمل وأدوات الإنتاج وخلق تكامل وطني في تنشيطها، فإنها بحاجة إلى أهم إلى التبسيط في الإجراءات، والحد من العراقيل التي تضعها بعض المؤسسات في هذا الشأن، والتيسير على المواطنين في استثمار هذه البيئات السياحية، وفتح المجال لأنشطة سياحية أخرى أو أنشطة ذات علاقة بخدمة السياحة، وتعزيز حضور النزل السياحية الخضراء والتراثية والبيوت الأثرية وغيرها بشكل أكبر مما عليه اليوم، بالشكل الذي يوفر خيارات سياحية أوسع وبدائل تعزز من الحضور السياحي للمواطن لاستكشاف الطبيعة الجميلة في وطنه، وبالتالي بناء شراكات مؤسسية فعلية تضمن التكامل بين المؤسسات في إحداث تحول في هذا القطاع، وتوفير التشريعات التي تؤسس لمفهوم أعمق للشراكة السياحية بشكل يحافظ على سقف التوقعات السياحية عاليا، ويقلل من حالة الهدر والمصروفات المالية وفاقد العمليات المتكررة الناتجة عن الإجراءات المعقدة والاشتراطات التي تفرضها بعض المؤسسات في إقامة أو تنفيذ نشاط سياحي؛ وكلما اقتربت المنظومة السياحة من البساطة وارتبطت باهتمامات ورغبات المواطن والمقيم، وأدركت احتياجات الأسرة العمانية للتجمع واللقاء العائلي، وراعت الظروف الأسرية المالية، استطاعت الأنشطة السياحية المقدمة للمواطن أن ترسم ملامح التحول في الناتج السياحي وحققت السياحة اهدافها، ليصبح معيار تحققها مرتبطا بشعور المواطن الإيجابي نحو الخدمة السياحية المقدمة، وأنها تتناسب مع طبيعة الجهد المبذول، وأن المبالغ التي يدفعها في سبيل تقديم هذه الخدمة مناسبة ومستحقة، وكان لذلك أكبر الأثر في استشعار المواطن بجهود الحكومة والجهات المختصة بشأن إحداث تحول نوعي في السياحة الداخلية ومستوى التفاعل الذي تبديه المؤسسات في رصد هذه البيئات وتوفير الخدمات الأساسية فيها، وفق رؤية استباقية تستهدف جاهزية الجهات المختلفة بالدولة في توفير هذه الخدمات كل في مجال اختصاصه، سواء في المناطق السياحية ذاتها أو في المراكز التجارية والأسواق ومحطات تعبئة الوقود وغيرها من خطوط التأثير السياحي.

إلى الأعلى