الجمعة 6 ديسمبر 2019 م - ٩ ربيع الثانيI ١٤٤١ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / بين مخافتين

بين مخافتين

محمود عدلي الشريف:
مخطئ من يظن أن الله تعالى سيصلح له حاله، أن يحسن له مآله، إذا كان مفسداً غير صالح، وعلى النقيض فإن الله يصلح له الحال، ويبارك له في الولد والمال ،ويحسن له المآل، من هذا؟ لاشك إنه الذي هو لربه مطيعاً، ولحقوق الناس مؤدياً، ولوطنه مخلصاً، ولدربه بعمله الصالح منوراً.
أيها القراء الكرام .. إن الإنسان في هذه الحياة، لو تأملنا سوياً وتدبرنا، لوجدناه مع اختلاف جنسه وحاله، كل بني آدم بنسائه ورجاله، الكل في هذا التأمل متساوٍ، لا فرق بين منتبه وساهٍ، فقيراً أم غنياً، شباباً أم شيبا، فما هذا التأمل؟ إنه الفارق بين الماضي والحاضر، الحالية التي بين الماضية والمستقبلية، تمر على الجميع، من كان ـ كما ذكرت ـ غافل لاه، أو منتبه يقظان، ففي كلا الأمرين قد قضى الله تعالى على الجميع أن تمر بهم الأيام والساعات، وتؤثر فيهم الأعوام والسنوات، سواء استغلوها واستفادوا منها، أم ضيعوها فلم يستفيدوا منها، فالغافل تمر عليه أيامه، وربما لا يدري أنها تنقضي من عمره، وأنها شاهدة عليه فيما كان من أمره ، وهو مسئول عما صنع، في أيامه تلك حفظ أم ضيع، وأما المنتبه الذي يحسب لكل شيء حسابه، فيستغل عمره وشبابه، نعم يحاسب على كل شيء نفسه، ويدرك ويستغل وقته، فلا يضيع منه هباء منثوراً، ويعلم أنه سيأخذ كتاباً مسطوراً، فهو يؤمن أنه لم يخلق سدّاً، وأنه محاسب عن عمله لا محالة غداً، يعلم أن عمره يمر وينقضي بما فيه، وأنه كادح إلى ربه كدحا فملاقيه، لذا .. فهو يحمِّل زمانه بمثاقيل التجارة الرابحة ، مدججة بالحسنات والأعمال الصالحة، المهم .. أن الأول وهذا الأخير، الجميع سيلقى نفس المصير، من حيث مرور الأيام بلا عودة، وتنقيصها من الآجال بلا رجعة، فالغافل منا أو المنتبه إذا تفكر فيما مضى من عمره وما بقي منه، فإنه في الحقيقة بين مخافتين، المخافة الأولى: ما مضى من عمره، سواء أكان قصيراً أم طويلاً، يا ترى؟! هل كان فيه طائعا لربه مستغلا للوقت؟ أم أنه فعل ما المعاصي ما يستحق عليه من ربه الغضب والمقت؟، يا ترى؟! هل كان قد أحسن فيما هو منه مطلوب؟ أم أنه كان بعيداً عن طريق علام الغيوب؟، ففي (أدب الدنيا والدين، ص: 121)، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللَّهِ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا – عَنْ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قَالَ فِي بَعْضِ خُطَبِهِ: يَا أَيهَا النَّاس إِن لكم علما فَانْتَهوا إِلَى علمكُم وَإِن لكم نِهَايَة فَانْتَهوا إِلَى نهايتكم وَإِن الْمُؤمن بَين مخافتين بَين أجل قد مضى لَايدْرِي كَيفَ يصنع الله فِيهِ وَبَين أجل قد بَقِي لَايدْرِي كَيفَ الله صانع فِيهِ فليتزود الْمَرْء من نَفسه لنَفسِهِ وَمن دُنْيَاهُ لآخرته وَمن الشَّبَاب قبل الْهَرم وَمن الصِّحَّة قبل السقم فَإِنَّكُم للأخرة خلقْتُمْ وَالدُّنْيَا خلقتلكم وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ مَا بعد الْمَوْت مستعتب وَمَا بعد الدُّنْيَا دَار إِلَّا الْجنَّة أَو النَّار وَأَسْتَغْفِر الله عزوَجل لي وَلكم)، وفي (كنز العمال، 3/ 150،5920 بترقيم الشاملة) يقول الله عزوجل: (وعزتي وجلالي لا أجمع على عبدي خوفين، وأجمع له أمنين، إذا أمنني في الدنيا أخفته يوم القيامة، وإذا خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة)، (فيه ابن المبارك والحكيم عن الحسن، مرسلاً)، عن أبي سلمة وعن أبي هريرة، وذكر صاحب (ىسبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد 8/ 223) وقال: جاء عن أحمد، ومسلم، وابن ماجه، عن ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما:(أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلّم ـ خطب يوماً فقال: إن الحمد لله نستعينه ونستغفره ونستهديه ونستنصره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصي الله ورسوله فقد غوى حتى يفيء إلى أمرالله)، وروى ابن أبي الدنيا، والبيهقي في (الشعب)، عن الحسن البصري قال: طلبت خطبة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الجمعة فأعيتني، فلزمت رجلاً من أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلّم ـ فسألته عن ذلك فقال: كان يقول في خطبته يوم الجمعة :(يا أيها الناس إنّ لكم علماً فانتهوا إلى علمكم، وإنّ لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم، فإنّ المؤمن بين مخافتين، بين أجل قد مضى لايدري كيف صنع الله فيه، وبين أجل قد بقي لايدري كيف الله بصانع فيه، فليتزود المؤمن لنفسه بنفسه، ومن دنياه لآخرته، الدنيا خلقتلكم، والذي نفس محمد بيده ما بعد الموت مستعتب وما بعد الدنيا دار إلا الجنة أو النار، واستغفروا الله لي ولكم)، وروى البيهقي في (الأسماء والصفات) عن ابن شهاب قال: بلغنا عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه كان يقول إذا خطب: (كلما هو آتٍ قريب لا بعد لما هو آت، لايعجل الله بعجلة أحد ولا يخف لأمر الناس، ما شاء الله كان ولو كره الناس، لا مبعد لما قرّب الله، ولا مقرب لما بعّد الله، ولايكون شيء إلا بإذن الله بحق)، وذكر صاحب كتاب (سير السلف الصالحين) إسماعيل بن محمد الأصبهاني ص: 732) رُوِيَ عَنْ خَالِدِ بْنِ صَفْوَانَ، قَالَ: (لَقِيتُ مَسْلَمَةَ بْنَ عَبْدِالْمَلِكِ بِالْحِيرَةِ بَعْدَ هَلَاكِ ابْنِ الْمُهَلَّبِ، فَقَالَ: يَا خَالِدُ أَخْبِرْنِي عَنْ حَسَنِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، قَالَ: قُلْتُ: أَنَا جَارُهُ إِلَى جَنْبِهِ وَجَلِيسُهُ فِي حَلَقَتِهِ، كَانَ أَشْبَهَ النَّاسِ سَرِيرَةً بِعَلَانِيَةٍ وَأَشْبَهَ قَوْلًا بِفِعْلٍ إِنْ قَعَدَ عَلَى أَمْرٍ قَامَ بِهِ، وَإِنْ قَامَ بِأَمْرٍ قَعَدَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَمَرَ بِأَمْرٍ كَانَ أَعْمَلَ النَّاسِ بِهِ، وَإِنْ نَهَى عَنْ شَيْءٍ كَانَ أَتْرَكَ النَّاسِ لَهُ، وَوَجَدْتُهُ مُسْتَغْنِيًا عَنِ النَّاسِ، وَوَجَدْتُ النَّاسَ مُحْتَاجِينَ إِلَيْهِ قَالَ: حَسْبُكَ حَسْبُكَ، كَيْفَ ضَلَّ قَوْمٌ كَانَ هَذَا فِيهِمْ) (الكامل في اللغة والأدب 1/ 168)، وقال علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه: (من سره الغنى بلا مال، والعز بلا سلطان، والكثرة بلاعشيرة، فليخرج من ذل معصية الله إلى عز طاعته، فإنه واجد ذلك كله)، وفي (مجلة البحوث الإسلامية 17/ 186): (وأن المؤمن هو الذي يتعظ ويرتبط بالله، أما غيره فتمر عليه الأحداث كما تمر على الجمادات، بل إن من الجمادات ما يحس ويخاف، وفرق بين المؤمن وغيره، بأن المؤمن يتحمل ما ينزل به في نفسه أو ماله أو ولده، أو ما يحيط به بصبر وطمأنينة ورضا، فيؤجر على ذلك، أما غيره فيتسخط ويجزع فلا يدفع عنه ذلك شيئاً، ولذا قيل: المؤمن مبتلى، ليكون في ذلك محك لإيمانه، وميزان لدرجة صبره واطمئنان قلبه، ومكر الله وعقابه، وغيرته سبحانه على نعمه، تكون دائماً نصب عيني المؤمن، فهو يخشى ويخاف على نفسه أولا، وهل هو من المقبولين أم لا؟ فهو يخشى من عقابه، ويخاف من مكره سبحانه ونقمته .. أسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن خافه فرحمه، أن لا يجعلنا ممن غفل عن ذكره.

*ma.alsharif78@gmail.com

إلى الأعلى