الجمعة 6 ديسمبر 2019 م - ٩ ربيع الثانيI ١٤٤١ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / اختيار الحرف ودوره في المعنى القرآني (قراءة في بعض آيِ الذكر الحكيم) (1)

اختيار الحرف ودوره في المعنى القرآني (قراءة في بعض آيِ الذكر الحكيم) (1)

د.جمال عبدالعزيز أحمد:
لا حَدَّ لإعجاز القرآن الكريم، فهو معجز في حركاته، ومعجز في حروفه، ومعجز في ألفاظه، ومعجز في تراكيبه، ومعجز في أساليبه، ومعجز في صُوَره، وأخيلته، حتى إنه معجز في وقفاته، وسكتاته، ناهيك عن إعجازه العلمي، والطبي، والتاريخي، والفكري، وغيره من ألوان، وأوجه الإعجاز على كثرتها، وتنوعها، وتعددها، وتفردها، واستدامة إعجازها على مر الدهور، وتعاقب العصور.
ونختار اليوم أحدَ أوجه ذلك الإعجاز في القرآن الكريم، وهو الإعجاز في اختيار الحرف، ولا بد ـ حتى تقف على هذا اللون من الإعجاز ـ أن تكون على ذكْر من صفات الحروف، وأوصافها، ومواضع استعمالها؛ لتدرك شيئًا من عظمة القرآن الكريم، فمثلاً اللام تخرج من جوانب الفم، حيث يملأ الهواءُ الفمَ، وتخرج هي من كلِّ جوانبه، فاسم الجلالة:(الله) يخرج من كل جوانب الفم ليملأ الدنيا اعترافاً وإقراراً، والألف فيه جوفية، تعني أن الناطق به ينطق به من حناياه وكله، وجوانبه، وروحه، وذاته، والشين حرف انتشار، وتَفَشٍّ، أي ينتشر المعنى كانتشار الحرف من بين الثنايا في كل مكان، والراء حرف تكرار، حيث يضرب اللسان في سقف الحنك مرات، ومرات، صعودا وهبوطا ليبين تكرار الحدث والدلالة، وحروف العلة جوفية، تخرج من حنايا الذات، وجنبات الفؤاد، وجوف الجسد، وأن الفاء شفوية تخرج من بين الشفاه مع الهواء الساخن، والميم شفوية تغلق فيها، ومعها الشفتان، أما السين فحرفُ همس، لا يكاد يسمع، ولا يشعر به إلا من اقترب كثيرًا من ناطقه، وهكذا لابد من وقوف على صفات الحروف، ومعرفة خصائصها؛ لنقف على وجه الجلال، ومنحى الكمال، ونأخذ اليوم حرف الشين، لنرى كيف أثَّر استعماله في الكلمة ووجوده في اللفظ في جلال المعنى، وكيف أحدث مع السياق دلالة سامية، ومعانيَ راقيةً عاليةً، يقول الله تعالى في سورة الأنفال:(فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون) أيْ: إمَّا تتواجه معهم على أرض الميدان وفي ساحات الوغى فأرهم بأسَ المؤمن، وقوة إيمانه، وجسارة المقاتل المسلم، وحسن بلائهالشديد، (فشردْ بهم من خلفهم) أي: اجعلهم عبرة لمن يعتبر، واقسُ عليهم بشكل لا يسمح لغيرهم بإعادة التجربة ثانية، وخوض أيِّ معركة أخرى قادمة، وقوله تعالى:(من خلفهم) كناية عن المقاتلين الذين يستعدون لخوض المعارك مع المسلمين من المشركين والكافرين، أي من يأتون بعدهم، والعبرة في تلك القسوة، وهاتيك الشدة في الحرب:(لعلهم يذكرون) أيْ ما حدث لأسلافهم من الهلاك، والدمار، والتشتيت والتشريد، والبوار، فالإسلام لا يريده أصلا، ولا يريد دماء، ولا قتلا مستمرا، ومُسْتًحِرًّا، ولا يحبذ رؤية أشلاء مبعثرة في كل مكان، وفي كل حين، إنما يجعل المعركة، وشدتها عبرةً لكل من سوَّلت له نفسه، أو تسوِّل له نفسه أن يشارك ثانيةًفي حرب مع أيِّ مسلم.

* كلية دار العلوم بجامعة القاهرة بجمهورية مصر العربية
Drgamal2020@hotmail.com

إلى الأعلى