الجمعة 6 ديسمبر 2019 م - ٩ ربيع الثانيI ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / بنات آوى والملثمون .. مقاربات الخديعة

بنات آوى والملثمون .. مقاربات الخديعة

عادل سعد

تتكرر الآن صورة الثعلب الذي شوهد في يوم من الأيام وهو يتوجه إلى أحد المعابد وقد سأله ثعلب آخر: لماذا المعبد؟ فقال الأول: لكي أصلي من أجل تحسين صورتي والحصول على هوبة مقبولة. فرد عليه الثاني: فكرة جيدة (خذني معك). وهكذا تواظب الثعالب على الصلاة بشرط أن تكون أمام الآخرين، بل وصارت لها فضائيات تنقل هذه الطقوس بشهود إثبات وطرحات بيضاء!!
الحال تزدحم الحياة السياسية العراقية الآن بمزدوجي الانتماء وربما بأكثر من هويتين اثنتين، ولا أقول بمزدوجي الجنسية لأن هذا شأن آخر لا يستحق الشك في الأغلب، من جانب، ولأني لا أملك إحصاءات عن عدد الذين يمارسون طقوس الصلاة غشا، فلي فقط أن أكون دقيقا برصد الحالة وحسب، وعلى القارئ الكريم الحكم والفرز.
هناك سياسيون على درجة من الخبرة في تلبس أكثر من شخصية واحدة، بعضهم يجاهر بذلك بدون أي حياء على أساس أن مهارة الفهلوة تقتضي ذلك. وبعضهم الآخر يعتمد لسانين، الأول للغرف المغلقة، والثاني للواجهات حيث يتطلب العرض سماحة الوجه والابتسامات وادعاء الحصافة، وهكذا تتناوب المواقف وتسود انفلاتات الزئبق، وامتدادا لذلك، هناك من وضع قدما له مع متظاهري ساحة التحرير وسط بغداد، وبالمقابل ما زالت له قدم ثانية راسخة في صالونات المنطقة الخضراء، حيث تقيم السلطات الثلاث، وليس في ذلك أية مثلبة إذا كان الحال ليس بوجهين لكنه الشراء والبيع ـ الإصرار هنا أن يتم الشراء قبل البيع ـ بالجملة والمفرد من دون أن تكون هناك فرص للصدق بل لقبض الأرباح الخالية من أية مقاصة؛ أي بدون أي تراجع عن الحضور المشوه والصلاة بغير أوقاتها.
لم يحسم البعض أمره، وهم كثرة مع الأسف ويكون جريئا ويعلن أن البلاد منكوبة بالخسائر اليومية لروح العمل المنتج، وبالقطيعة والتفرج للتسلية على ما يحدث، لماذا يهددون هيئات تعليمية إذا لم تصطحب أطفال المدارس الابتدائية إلى التظاهر؟ ولماذا يصر البعض على الحصول على ربحية ما حتى من قيمة الصفر؟ ولماذا تحرق دكاكين ومقرات حكومية؟ المتظاهرون في الجزائر بلد المليون شهيد لم يشعلوا عود ثقاب واحدا، السلمية في التظاهر زخم حضاري ينم عن أخلاقية عالية.
لقد توافرت لي فرص الحوار خلال الأيام القليلة الماضية مع متظاهرين، وكذلك مع مسؤولين حكوميين، ونخب من (زعماء) الوعي العراقي العام وكانت أسئلتي الأكثر حضورا، ما العمل من أجل إلغاء الطرق المفترقة وصياغة مقاربات لتدوير الزوايا؟ لماذا هذا الإصرار الممعن على الإزاحة الشاملة بدون أن تكون هناك حرمة للتعاطي المعقول في احترام حقوق الضحايا والمتهمين؟ وأية وسيلة ممكنة في وضع برنامج للبدء في إجراءات العزل الجماعي للسلطات القائمة؟ وأين مكانة سلطة القضاء في إجراءات التغيير الشامل المنشود؟ ثم أليس نسفا لكل شيء يتيح المجال للكسب السياسي غير المشروع؛ أي الدخول في عصف الفوضى، وعندها قد لا يجد الذهب الخالص فرصته في منافسة النحاس المصقول، مع تكاثر بنات آوى ومواعيد تسويق؟ وإذا كان لا بد من الوقوع في الاختلاطات، تقول الحكمة (غشني بالثمن ولا تغشني بالبضاعة).
إن قليلا من الحياء والمناشدة المؤلمة قد تضع البلاد أمام استحقاقات منصفة، وهنا يكمن الخلاص، لذلك لا بد من طاولات حوار مستديرة، وليس طاولات ولائم، على أن يتخلى الملثمون عن أقنعتهم مع أن أخطر الأقنعة تلك التي تغلف المداولات وادعاء الحرص.
المحرمات معروفة، لا حلول بشروط الصفقة، بل بشروط العدل والإنصاف وأسبقيات الحاجة للتغيير على أساس قيم التضامن والأثرة والتكافل، وكذلك التسلح بالحقيقة المشرفة (أن ما تهبه لا تفقده) فهو لا بد أن ينتظرك في الضفة الأخرى من العبور، ثم أليس إعطاء الفرص هو خط الشروع المناسب لمواجهة هذه المعضلة الوطنية؟

إلى الأعلى