الجمعة 14 أغسطس 2020 م - ٢٤ ذي الحجة ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / في العمق : عمان واقتصاد التسامح

في العمق : عمان واقتصاد التسامح

د. رجب بن علي العويسي

يطرح نهج التسامح العماني اليوم في ظل عالم مضطرب يعيش مرحلة عصيبة من الاختلالات الفكرية، والازدواجية في الممارسات القيمية، والنفوق المخجل في المبادئ والموجهات الأخلاقية التي تدير نظامه السياسي والإعلامي بشكل أخص، مشروعا حضاريا استراتيجيا لصناعة الأمل للبشرية وتوفير مساحات الأمان للإنسانية، وتأسيس مرحلة متقدمة من إدراك قيمة التسامح كمنهج حياة وممارسة أصيلة سياسية واقتصادية واجتماعية مؤطرة، وفق قواعد واضحة ومسارات محددة وأجندة مقننة وأدوات مجربة تنشد التوازن، في سبيل بناء الوعي وترسيخ الأمان ونشر قيم التعاون والتكامل وتعميق روح الأخوة الإنسانية والتعايش البشري وقيمة الاختلاف والتعددية الفكرية والمذهبية والأيديولوجية والثقافية وغيرها، عبر تأكيد أهمية المؤتلف الإنساني والمشترك القيمي في نهضة الشعوب، وتحديد موقع التسامح كخيار استراتيجي لإعادة إنتاج التوازنات وهيكلة الواقع العالمي لتعيش البشرية حياة الأمن والاستقرار والسلام مستفيدة مما أنتجه الفكر الإنساني في مجالات العلم والتقنية والثقافة والاقتصاد والأمن وعلوم الاجتماع والتكنولوجيا الحيوية وغيرها، وبالتالي أهمية قراءة نهج التسامح في كونه مسارا لبناء الحياة والأمل في مسيرة الشعوب ونهضتها والطريق المناسب لمراجعة الإخفاقات والسلبيات وما أنتجته من تنمر بشري ترجمتها حالة الإرهاب والعدوان والجرائم التي باتت تلقي بظلالها على واقع المجتمعات إن لم تجد في النظام السياسي والاستراتيجي الدولي ما يضمن مساحات الأمان والاستقرار ونمو ثقافة السلام ومبدأ التسامح والتعددية.
من هنا لم يكن نهج التسامح في الحياة السياسية والاجتماعية العمانية المعاصرة وليد اللحظة ولا هو بفعل قرار آني أو ظرفي أو نتيجة التحولات الإقليمية والدولية التي يشهدها العالم وما ولدته سياسات الكيل بمكيالين والازدواجية والترهل في القرار الدولي من أحداث انعكست سلبا على أمن العالم واستقراره، بل هو خيار استراتيجي وطني يتسع للعالم أجمع ويدخل في إطاره مشتركات متعددة يتقاسمها العالم المتعدد في بلدانه وسيكولوجية إنسانه على اختلاف ألوانهم ووظائفهم وجنسياتهم وأصقاعهم، ورابطة إنسانية خالدة تضمن حضور مفهوم الإنسانية الراقي في اعتداله ورقيه واندماجه كمسار إنساني ناضج واعٍ لبناء أرضية نجاح مستدام تنعكس إيجابا على الإنسان والتنمية والتطور وتوجيه كل المبتكرات الإنسانية والتجارب البشرية لصالح بناء الإنسان الواعي بنفسه، المدرك لمحيطه والمتفاعل مع عالمه، الواثق بما تؤديه إنسانيته والتزامه مناهجها من موجهات الصلاح والإصلاح والتوجيه والإرشاد والصبر والتعاون على البر والتقوى وزيادة مساحات بناء الثقة ومقويات أرضيات النجاح وممكنات الالتقاء والاندماج والتكامل، ومهيئات الفرص.
ولقد أدرك العمانيون هذه المعاني العميقة للتسامح، فالتمسوها في كل منصات حياتهم اليومية الاجتماعية منها والسياسية والفكرية، حتى أصبحت ممارسة تمشي على الأرض، ومسارا التزم مبادئ واضحة وأطرا مقننة وأدوات محددة وأساليب منتجة للبناء والوئام والتقدم، وأسلوبا للممارسة السياسية الأصيلة في وجه سياسة الغوغائية ولغة الحرب والحصار والعدوان التي ما زالت تحسم القضايا العالقة بين قيادات العالم، وأثبت سلاطين عمان وأئمتها في الداخل وفي مناطق النفوذ العماني هذه المبادئ والمسارات الموجهة لروح التسامح والتي جسدت قيمه ومبادئه وأخلاقياته في مواقفهم النبيلة وقراراتهم الشجاعة ودبلوماسيتهم الحيادية التي عززت من مسار التفرد والنوعية التي أكسبت عمان ثقة العالم واعترافه بما يحمله هذا النهج من فرص لإعادة تصحيح المسار العالمي في التعامل مع الحقوق والواجبات والهويات وسيادة الأوطان وحقوق الإنسان وغيرها، وهي في الوقت نفسه معان ارتبطت بالشخصية العمانية واندمجت مع كل المحطات التي عايشها العمانيون لتعبر عن التميز الذي أطبع على أخلاقيات الإنسان العماني إطباعا أكثر نضجا ووعيا وإدراكا، مجسدة التزامهم برسالة الإسلام واحتواءهم لها وقبولهم الفطري بها شرعة منهاجا، بل إن ما يشار إليه من سيرة مالك بن فهم وهجرة العرب الأوائل إلى عمان ما يؤكد نهج التسامح الذي ساره العمانيون، وارتبط بهذه الأرض الطيبة ـ ولسنا هنا في محل الإشارة إلى نماذج بعينها أو التعريج على صور محددة، فإن الباحثين في التأريخ الإسلامي عامة والعماني خاصة يجدون أمثلة ذلك كثيرة، وأدلة ذلك متعددة.
ولقد جاء الثالث والعشرون من يوليو حاملا معه نهج التسامح في أدق تفاصيله وأعظم أشكاله وأسمى مناهجه وأنصنع اساليبه، مرافقا للنصر المجيد الذي حققته النهضة في انتصارها للإنسان والتنمية والتطوير متناغما مع أبجدياته، فالأمل الذي رسمه العمانيون والإرادة التي صنعت فيهم مرحلة تحول في إعادة إنتاج واقعهم في انتصار على قوى التمرد وكل أشكال التخلف والتشرذم والجمود وعدم الانفتاح للعالم في تلكم الحقبة، حتى أصبحت عمان بعدها غير الأمس، فقد تبدل وجهها الشاحب ورسمت ابتسامة أمل للعمانيين وإشراقة حياة لأجيال عمان القادمة، بل امتدت للعالم أجمع في ظل ما ارتبط بالسياسة العمانية الحكيمة من حكمة في القرار ونهج أصيل للتسامح، ومسار واضح لصناعة الوعي وثبات في السعي نحو كل ما يحقق للبشرية أمنها وأمانها ويبني لها استراتيجيات نجاح قادمة، لذلك بنيت السياسة العماني في الأساس على تعزيز قيم التسامح، وهي قيمة مضافة بما تحويه من دلالات وتسطره من نقاط التقاء تؤطر لكينونة هذه النهضة وإنسانيتها وتناغمها مع أبجديات الإنسان واولوياته واهتماماته، وتفاعلها مع مدركاته الحسية والمعنوية، بل رسمت ملامح الأمل وعززت فرص النجاح، فكان الخطاب التاريخي الأول لحضرة صاحب الحلالة السلطان قابوس بن عيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ لتسلمه مقاليد الحكم في البلاد إيذانا بحياة جديدة وأمل متجدد وفاء للإنسان وتقديرا لكرامته، حيث ورد في النطق السامي لجلالته: “سأعمل بأسرع ما يمكن لجعلكم تعيشون سعداء لمستقبل أفضل وعلى كل واحد منكم المساعدة في هذا الواجب”، مدخلا عزز من نقل نهج التسامح العماني باعتباره مبادئ واضحة ومحددة، ترتبط بشكل وثيق بالتاريخ والتقاليد العمانية في التعامل مع مختلف القوى والأطراف الدولية، ومعطيات الموقع الجغرافي والدور التاريخي لعمان في المحيط الهندي وبحر العرب من ناحية أو الرؤية العمانية لعالم يسوده السلام والأمن والاستقرار والتفاهم بين دوله وشعوبه من أجل بناء حياة أفضل لأجياله من ناحية ثانية.
إن منهج السلطنة في إدارة روح التسامح واستراتيجياته، يقوم على التزام مجموعة من المبادئ التي تؤكد على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير، واحترام خصوصيات وقيم الآخرين وثقافتهم، وتعزيز السلم والتفاهم الدوليين ونشر ثقافة الحوار والسلام والوئام بين الشعوب واحترام رأي الآخرين وتوجهاتهم، لذلك سارت النهضة في الناس سيرة حسنة، اكتسبت ثقة الإنسان العماني وتناغمت مسيرة الخير مع قراءة فاحصة دقيقة لكل مكونات الاهتمام بالبشر وأولوياتهم، وقد اعتمدت هذه الأطر على مسلمات أساسية انطلق منها نهج التسامح العماني، مثل: إيجابية الفكر، وبناء الوعي الإنساني، ومصداقية المواقف، والدبلوماسية الصريحة، والانتماء الإقليمي والعالمي، ووضوح المبادئ العامة للسياسة الخارجية والداخلية، وتأكيد التعاون الدولي، واستثمار الفرص نحو شراكة أفضل وأكثر استدامة، وتأكيد وحدة الصف العربي، وحكمة المواقف، ورصانة المبدأ وسياسة الحياد الإيجابي، والتزام ثقافة الحوار، ومنطق السلام العادل، وفق أسس ومبادئ راسخة تقوم على التعايش السلمي بين جميع الشعوب وحسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير والاحترام المتبادل لحقوق السيادة الوطنية ومد جسور التعاون والاتصال مع الآخرين وفتح آفاق الشراكة، والعلاقات الطيبة مع مختلف الدول الشقيقة والصديقة على امتداد العالم وفق أسس واضحة ومحددة ومعروفة للجميع، كما ارتبط بسياسة التسامح التي انتهجتها السلطنة مجموعة من التوجهات التي كان لها تأثيرها الإيجابي الملموس على مصداقية المواقف التي اتخذتها السلطنة في العديد من القضايا الدولية، تمثلت في حرص السلطنة وتأكيدها المستمر على نشر ثقافة التسامح والسلام والوئام بين الشعوب، وتأكيد السلطنة على ثقافة الحوار في حل المشكلات العالقة بين الدول، وتغليب منطق الحكمة والعدل والمساواة في حل المشكلات السياسية بعيدا عن استخدام منطق القوة والحرب، وتأكيدها على أهمية التفاعل الثقافي وحوار الحضارات، واستضافة والمشاركة في المهرجانات والأحداث الدولية المعنية بالتسامح والسلام والحوار والمشترك القيمي، والعمل مع المجتمع الدولي في حل القضايا الدولية والتفاعل مع السياسة الدولية التي تعزز من العدل والمساواة والموضوعية والحيادية، وحماية وصون التراث الثقافي المادي وغير المادي، بالإضافة إلى كراسي جلالة السلطان المعظم في الجامعات والمراكز العلمية والبحثية الدولية، وفاعلية دور السلطنة على مستوى المنظمات الدولية الرسمية( اليونسكو، والألكسو والأيسيسكو)، بالإضافة إلى تنفذ السلطنة برامج استراتيجية متكاملة لحماية البيئة مع دعم التعاون المشترك في المجالات الرامية إلي مكافحة التلوث وصون البيئة التي تؤكد هذا النهج الإنساني المتمثلة في جائزة جلالة السلطان قابوس لصون البيئة، والتي يتم تقديمها كل عامين لعلماء البيئة ولمراكز الأبحاث العالمية أو للمشروعات التي تحقق انجازات متميزة في المجالات البيئية، فكان أن نتج عن هذه السياسة الحكيمة إرساء دبلوماسية هادئة عريقة مستمرة ومتفاعلة يحترمها الجميع قائمة على الاحترام المتبادل، ترسيخا لنهج التسامح وتأكيدا لقيمه ومبادئه ومنطلقاته المعززة للأمن والاستقرار والتنمية وتقدير إنجازات الإنسانية واحترام خصوصية الشعوب وسيادتها الوطنية وإنتاجها الثقافي.
لذلك لم يكن منظور التسامح في الواقع العماني مجرد حالة عرضية بل هو ممارسة أصيلة، انعكست على كل جوانب حياة الإنسان العماني السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمعيشية وتعايشت مع الظروف التي يمر بها في كل مراحلة التاريخ وتعاقب الأيام، كما ارتبط بأسلوب الحياة والعيش المشترك والتعايش والعلاقات الاجتماعية والفنون المغناة، كما تناغمت مع منظومة القيم والأفكار والتوجهات والاستراتيجيات التي يؤمن بها الإنسان العماني نفسه، فاتسمت كل مراحل عمله بالاعتدالية والتوازن والوضوح والتكاملية والاعتراف بالآخر والتعددية، وبالتراث والفنون العمانية والهوية العمانية والثقافة التي حملها العمانيون للعالم وارتبطت بتفاصيل حياتهم اليومية ومنظومة العادات والتقاليد، والقيم والهوية، حتى في عمليات التنقل والسفر والأخلاق التي التزمها الإنسان العماني في كل مواقفه وتعاملاته واتصاله وتواصله في السلم والحرب والمنشط والمكره والشدة والرخاء، كان يحمل فقه التسامح كنهج حياتي، والطبيعة العمانية ذاتها في تنوعها بما تمنحه من بساطة وهدوء وأريحية وتثيره من مساحة السلام الداخلي مع النفس والآخر والعفوية ولين الجانب وغيرها من المعطيات الحياتية التي شكلت حياة الإنسان العماني، كالأفلاج وشق القنوات المائية وطريقة توزع المياه، وشكل البيوت في الحارات القديمة وطريقة بناءها، وبناء المجالس (السبل) وموقع المساجد في الحارات القديمة، وأماكن وجود الأسواق وتقسيماتها الداخلية يؤكد هذ البعد الاجتماعي لمنظور التسامح الذي رافق العمانيين وأوجد نسيجا وطنيا واحدا في مقارعة المعتدين البغاة على أرض عمان العصماء، وشكلت علاقات الانسجام والتعاون والتكاتف وروح المودة والأخوة ومساحات الود التي تربط بين أبناء المجتمع، انعكاسا لنهج التسامح العماني الذي ارتبط بتعزيز فرص أكبر للحوار والتعاون بين أبناء المجتمع، وشكل البعد السياسي مدخلا مهما في تعزيز مسار التسامح لما يتميز به من حيوية وديناميكية وإنتاجية للأفكار وتقديم الحلول لقضايا العالم، وتوفير فرص أكبر للمشاركة المجتمعية ومناخات متجددة لطرح القضايا الدولية والتعامل معها، بالإضافة إلى البعد الاستراتيجي الذي رسمته في السياسة الدولية عبر جملة التفاهمات والشراكات البينية والإقليمية والقطرية والدولية، كما التزم نهج التسامح الديني رؤية واضحة مستندة إلى مبادئ الشرع الحنيف في تأكيد الاعتدالية والتسامح ومنع التشدد الديني وتغليب فرص التسامح والتكامل بين مختلف الأديان والمذاهب والأيديولوجيات الدينية والفكرية بما يحفظ أمن الإنسان واستقرار الأوطان، وتجنيب الإنسان كل مسببات القلق وضعف الإنتاجية، وبما يسمح له الاستفادة من فرص التعايش الديني والمذهبي كمدخل لتعزيز الوعي وترسيخ الوحدة وتمكين النظام، وتعزيز دور العلم ومدارس التعليم وانتشار بيوت العلماء التي استثمرت في تعليم الناشئة، وتعزيز دور الوقف بمختلف أشكاله وأنواعه، ولقد انعكس هذا الثراء الفكري والتجارب التطبيقية للتسامح في واقع حياة الأمة العمانية على تأكيد إنسانية النظرة وترقية البعد الإنساني باعتباره المدخل الاستراتيجي لصناعة التوازنات في نظرتها للإنسان فهو أداة التنمية وهدفها وغايتها، لذلك اتجهت التنمية إليه وسعت له، وعملت على إدماجه في كل معطيات الواقع الاجتماعي وبناء الدولة وتحقيق الإنتاجية، فكان له حضوره أينما كان وحيثما استقر، في السهل والجبل والصحراء والفيافي، والمدن والقرى، والجزر ومنخفضات الأودية وغيرها، فإن المتتبع لكل مراحل تطور النهضة العمانية يجد أن البنية الأساسية من خدمات التعليم والصحة والأمن والخدمات الأساسية قد وصلت مع البدايات الأولى للنهضة إلى مختلف المناطق العمانية بدون استثناء.
وعليه فإن هذا الرصيد الثري والفرص والميزات والثراء الفكري العماني والتفرد الذي ارتبط بالتسامح كقيمة حياتية، ومسار لتحقيق الاستدامة في برامج التنمية ومنجزها، ومنظور حضاري لبناء الإنسان وإعادة إنتاج الفكر، تؤسس لدور أعمق للتسامح بما يصنع منه محطات إنتاج اقتصادية واستثمارية ونمو نوعي في القطاعات اللوجستية والسياحية والسفر والنقل، بما ينعكس أثرها على الوطن والمواطن، وبالتالي كيف يمكن الاستفادة من هذا الرصيد الوطني من التسامح واتجاه العالم اليوم إليه في سبيل بناء اقتصاد قوي ينعكس على مختلف جوانب العمل الوطني خصوصا في تعزيز أو تعظيم القيمة المضافة في الأنشطة الاقتصادية الناتجة عن السياحة والاستثمار والشركات العابرة للقارات واللوجستيات وتعزيز ثقة المستثمر وتوفير فرص الأمان له، بحيث تنقل التسامح من كونه مجرد حالة فطرية وممارسة إنسانية ومهنية، مع توافر الأدوات والآليات ومسارات القوة في عمليات الإنتاج إلى قراءة الدور الاستراتيجي غير المنظور للتسامح في واقع حياة المجتمع، وتصنع أجندة عمل قادمة تؤسس لشراكات اقتصادية وحضور واسع للشركات الدولية وبيئة وطنية جاذبة لحضور شركات عابرة للقارات، فيصبح التسامح بذلك استراتيجية أمن وطني عبر المدخلات التي يحملها، بما يخلقه من تكاملية في الأداء الوطني وواقعية في الأدوات، ويحدد الاستراتيجيات التي تتناسب مع المعطيات والمستجدات الحاصلة في الواقع الوطني، والاستفادة من هذه الأدوات في التعامل مع قضايا التشغيل والباحثين عن عمل ودور القطاع الخاص، وتعزيز مفاهيم المواطنة والاستدامة والمسؤولية الاجتماعية، وتوظيف الفرص.
ويبقى الإشارة إلى أن الحديث اليوم على نمو سريع في المسار الاقتصادي والتنويع فيه وتوفير سبل العيش الكريم للمواطن، ينطلق من الموقع الذي يشكله التسامح في حياة المجتمعات، نظرا لما يتسم به من شمولية واتساع وديناميكية وعمق ومعنية وما يدخل في عملية إنتاجه من أدوات وبرامج وخطط وتوجهات وقرارات، فإن قدرته على تعزيز وجود الاقتصاد الحر والحد من الاحتكار والمحافظة على سقف الإنتاجية في بيئات الأعمال والتشغيل والشركات والقطاع الحكومي والأهلي والخاص، يقوم على غرس الثقة وتأصيل اخلاقيات الاقتصاد، ونشر فرص التكامل والتعاون وتعزيز الشراكات الاستراتيجية ومعالجة الانحرافات الناتجة عن الإفلاس والاحتكار أو غيرها عبر فتح مساحات أكبر لنهضة الوعي بالقانون، ونمو العقل الاستراتيجي وتعزيز حضور الرقابة الذاتية؛ وتعزيز الأنشطة الاقتصادية والعلاقات التجارية وتوفير منصات أكبر للشراكات في مختلف المجالات العلمية التي يسهم التسامح فيها برصيد وافر من الحضور النوعي، بما يوسع الآفاق للتفكير في أنشطة أخرى تتناغم مع أبجديات العمل الوطني واستراتيجيات الأداء، وما ينبغي التأكيد عليه في الإطار نفسه أن التسامح العماني هو إنتاج للقوة وصناعة للفرص وبناء لمحطات أوسع من تقبل الذات والآخر، وتقوية عناصر البناء الاجتماعي عبر الاعتراف والشراكة والمسؤولية، وبالتالي لا يفهم منه أنه دليل ضعف فالتسامح قائم على معيارية ووضوح في محطات إنتاج القوة وفق سقف معين عبر فهم القانون والمحفظة على الحقوق أو يفقد فيها حقوقه أنه التزام مشترك، مسار قوة، ومدخل لصناعة البدائل والتفكير الجمعي في الحلول وضمان تقاسم مسؤوليات العمل لذلك نعتقد بأن على التعليم والإعلام ومؤسسات التدريب والتثقيف والمؤسسات المعنية بإعداد النشء وبناء الفكر وتعزيز ثقافة القانون والوعي أن يؤسس لرؤية أعمق في فكر الأجيال نحو التسامح، ويصحح المفاهيم التي باتت تقرأ فيه حالة التراجع الضعف في المواجهة، إذ هو ليس تنازلا عن الحقوق أو استلطافا للآخر أو خوفا من المستقبل؛ بل إطار عمل منهجي يحتكم إلى الموضوعية والمصداقية والأمانة، لينعكس على شخصية الإنسان العماني شامخا في فكره ومبادئه وقواعد العمل والتعامل مع ما يطرح من مستجدات ووقائع واعيا بما يساس حوله من قضايا.
وبالتالي ما يجب أن يقوم به المجتمع وعبر علمائه ومفكريه وصناع الكلمة ومنتجي الفكر والبحث العلمي والابتكار، في العمل على صناعة أنموذج عملي للتسامح لا يقتصر على الممارسة المجردة أو الممارسة لذاتها أو تعزيز السلوك لذاته؛ إلى التفكير في منصات خارج الصندوق لصناعة بدائل قادرة على إنتاج حلول الواقع العماني، بما يبنيه من قيم الإخلاص والوفاء والولاء والانتماء ويؤطره في استراتيجيات التنمية الاقتصادية رافد للتنويع الاقتصادي وعبر الاستثمار الأمثل في التسامح وإعادة انتاج الواقع العماني في ظل مدخلاته من خلال فتح آفاق أوسع أمام الاقتصاد العماني ودعم قدراته عبر تعزيز علاقات السلطنة التجارية والاقتصادية واللوجستية والثقافية والعلمية مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية. فهل ستتجه الجهود الوطنية خصوصا بعد الإعلان عن مشروع السلطان قابوس للمؤتلف الإنساني وبعد ما يتوقع أن تؤصله ندوة التجديد في الفقه الإسلامي من تحولات قادمة في قراءة المشهد الاقتصادي والسياسي والإعلامي العالمي لبناء عالم يسوده السلام؟

Rajab.2020@hotmail.com

إلى الأعلى