الثلاثاء 21 يناير 2020 م - ٢٥ جمادي الأولى١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / أوراق الخريف : قمة الرياض .. خليجنا خير وسلام

أوراق الخريف : قمة الرياض .. خليجنا خير وسلام

احمد باتميرة

حققت مسيرة مجلس التعاون لدول الخليج العربية خلال ما يقارب من أربعة عقود الكثير من الإنجازات، وما كان لهذه الإنجازات أن تتحقق لولا التوجيهات السديدة والمتابعة من لدن أصحاب الجلالة والسمو قادة دول المجلس ـ حفظهم الله ـ وحكمتهم في قيادة هذه المنظومة المباركة نحو أهدافها السامية النبيلة. ولكن التطلعات والأماني لتحقيق المزيد لشعوب دول المجلس ما زالت مستمرة، وهناك تفاؤل كبير بما هو قادم، مع التمسك بهذا التجمع الذي أثبت قدرته على البقاء والاستمرار والتزام بأهدافه ونظامه الأساسي.
فالأزمة الخليجية الحالية لا يمكن نكرانها أو التقليل منها، فهي حقيقة هزت كيان المجلس، وأثرت أحيانا على انعقاد بعض اجتماعاته بالصورة المعتادة، إلا أن السلطنة ولكونها رئيسة الدورة الحالية للمجلس، والتي تربطها علاقات طيبة مع كل الأطراف سعت من خلال رئاستها استضافة كل الاجتماعات الوزارية والهيئات والمؤسسات الخليجية المشتركة على أراضيها، والحفاظ على الصف والبيت الخليجي واستعادة اللحمة الخليجية لمكانتها على مبدأ لا ضرر ولا ضرار.
فالتجربة الخليجية ولدت لتبقى، ولن تتأثر بما يحدث لها أو يحاك ضدها أو يقال عنها، والخلافات بين الأشقاء ستزول وسيتم تجاوزها في نهاية الأمر، فالجمع بين الإخوة على طاولة واحدة، هو مؤشر إيجابي لفتح الأبواب المغلقة، وتبادل الأحاديث في كل ما من شأنه تقريب وجهات النظر، ولتسير السفينة كعادتها رغم الأمواج العاتية والوصول إلى بر الأمان، ولعل إقرار رؤية الملك سلمان بن عبدالعزيز من قبل إخوانه أصحاب الجلالة والسمو قادة دول المجلس في قمة الرياض 2016م، لتكون خطة عمل لتعميق التكامل بين دول المجلس تؤكد على أهمية هذا المجلس وتكامله في كافة المجالات.
واليوم، وبعد كل هذه الحفاوة واللقاءات المستمرة، والنتائج التي توصلت إليها اللجان الوزارية من توصيات وقرارات خلال اجتماعاتها الأخيرة، واكتمال الشمل الخليجي في مسقط بتكريم عدد من الشخصيات الخليجية البارزة في عدد من المجالات الرياضية والثقافية والكفاءات الإدارية وغيرهم، نظير مساهماتها الفاعلة الناجحة على مستوى المجلس، واحتضان السلطنة لأيام مجلس التعاون الخليجي أيضا، سعيا منها لترسيخ هذه العلاقات الطيبة، مع التأكيد على التاريخ الممتد من الأخوة والتعاون، هي رسالة مهمة وعميقة للأجيال الحالية والقادمة بأن مجلس التعاون الخليجي ولد ليبقى كما أراد له القادة المؤسسون. لذا علينا أن نتفاءل بالغد، ونكون مدعوين أيضا إلى التفكير الجدي للبحث في آليات جديدة تحقق أهدافنا الخليجية في التكامل والتعاون حتى نتمكن من تحقيق المزيد من التماسك والترابط في كافة المجالات الحيوية التي تهم شعوبنا الخليجية.
فمجلس التعاون الخليجي، الذي ولد قويا في أبوظبي في القمة التاريخية عام 1981م، لن تؤثر عليه عاصفة ثلجية ستذوب إن طال الزمن أو قصر، فاللحمة الخليجية متماسكة، والقادة العظماء المؤسسون لهذا التجمع الكبير زرعوا فينا قوة التلاحم والتكاتف والتكامل والتعاون والتسامح ليبقى خليجنا واحدا، وعدم المساس به مهما واجهته التحديات والأزمات.
وكلنا يعلم ويتابع منذ اندلاع الأزمة الخليجية الأخيرة كيف ظل الدور الكويتي قائما بدوره كوسيط لوقف الفتنة بين الدول للتمهيد للمصالحة والحفاظ على هذا الكيان الكبير، والعهد الذي قطعه القادة باستمرار المجلس، والعمل بروح الفريق الواحد لتؤكد الكويت أنها ستبقى دائما وأبدا ضد أي انقسام أو تعطيل لاجتماعات المجلس معتمدة على ما لدى أميرها سمو الشيخ صباح الأحمد من خبرة في حل القضايا بالطرق السلمية وهذا ما دعمته وتدعمه السلطنة بقوة ووضوح.
ومن هنا أيضا جاءت اجتماعات مسقط واستضافة دوحة الخير لدورة كأس الخليج لكرة القدم 24، وقبلها كانت هناك اجتماعات في الرياض لاستكمال المسيرة والحفاظ عليها، وتبادل وجهات النظر في كافة القضايا التي تهم المواطن الخليجي والتي كانت في صلب الاجتماعات الوزارية. فالتحديات التي تواجهنا في دول الخليج العربية متعددة، ولكن وحدة الكلمة والمواقف الثابتة وصلابة المجلس، وحكمة قادتنا ـ حفظهم الله ورعاهم ـ ونظرتهم للمستقبل ستجعلنا نواجه التحديات بقلب ويد واحدة، وتجعلنا نتمسك بآلية انعقاد القمة الخليجية السنوية في موعدها خلال شهر ديسمبر من كل عام، وأيضا الاجتماعات الخليجية المشتركة لتعزيز مسيرة العمل الخليجي المشترك.
وفي العاشر من شهر ديسمبر الحالي سنكون ـ بإذن الله ـ على الموعد باستضافة العاصمة الرياض للقمة الخليجية الأربعين للقادة في إشارة بتمسكنا بهذا الكيان الوحدوي، وان أي خلاف يطرأ أو أي أزمة مهما بلغت لن تؤثر على استمراره وانعقاده. وإننا سائرون في الطريق الصحيح للتصدي لخلافاتنا ومواصلة المشوار والعمل على تهدئة العاصفة ومواجهة الخلاف بشيء من التأني والحكمة لأن أضرار الخلافات بالغة على الشعوب الخليجية جميعها.
لذا فإننا متفائلون بقادم الأيام بأن تنقشع هذه السحابة ويذوب الجليد وتكون أرض المملكة هي بداية الغيث للمصالحة الخليجية، بحضور كافة القادة لتجاوز الماضي بكل سلبياته وتكون القمة الخليجية القادمة تاريخية وقمة (المصالحة والوفاء) المصالحة لإنهاء الخلاف، والوفاء للقادة الذين رحلوا ـ رحمهم الله ـ بأننا على العهد ماضون،، فتأسيس المجلس واستمراره غاية نبيلة لكونه نقلة نوعية في تاريخ العمل العربي المشترك ولبنة قوية لشعوب دول الخليج.
فالتجربة الخليجية مختلفة وستبقى مختلفة ومتميزة وصامدة، كما وصفها أمناء المجلس السابقون والحاليون، ومستمرة كما أراد لها قادة دول مجلس التعاون السابقون والحاليون، ولقاءات مسقط السلام المتعددة وما تضمنتها من كلمات وترحيب ولقاءات جسدت طموح المواطن الخليجي الذي يتطلع بعين ثاقبة وواقعية للمستقبل بمزيد من التسهيلات والإجراءات والتصديقات والاتفاقيات التي تقرب بين الشعوب الخليجية وتقرب المسافة بينهم.
فلولا جهود قادة المجلس وحكمتهم لحدثت أمور كثيرة، وللمحافظة على مجلس التعاون وتحصينه فإن الأمر يتطلب من القادة دون استثناء التحرك من اجل الوصول لحلول ترضي كل الأطراف بغض النظر عن الأخطاء التي ارتكبت أو من كان وراءها أو الظروف التي صاحبتها لأننا في حاجة ماسة للنظر إلى الأمام وتجاوز ما حدث.
فحل أي خلاف يتطلّب تنازلات حتى نصل للتعافى الكامل من المشكلة، وعلينا أن نتخذ من الاتحاد الأوروبي دروسا في وحدتهم وأهدافهم وتطلعاتهم، وكيف تخلت بعض الدول الأوروبية عن أشياء مهمة لتحقيق مصلحة أشمل لدولهم داخليا وخارجيا.
واليوم، وما يمر به العالم والمنطقة والأوضاع المحيطة بنا من تقلبات وأزمات وتحديات اقتصادية ومالية وحروب، وطلوع وظهور حكومات يمينية في بعض دول الغرب وغيرها، يفترض منا كدول مجلس التعاون التحرك لإزالة الخلافات والمعوقات وتركها جانبا وحلها تدريجيا، لكي يبقى المجلس بمنأى عنها ولا يتأثر بها أو تتعطل آلية انعقاده، وأيضا الإسراع في تشكيل لجنة دائمة تتعلق بحل الأزمات والاتفاقيات العالقة بيننا والتي لم تر النور بعد لتجاوز الماضي، فبقاء الوضع على ما هو عليه دون علاج لا يصب في مصلحة دول المجلس إطلاقا.
فعلاقاتنا الخليجية تستند إلى مبادئ عقلانية مدروسة بحكمة أقرها النظام الأساسي للمجلس، وفي مقدمتها عدم التدخل في الشؤون الداخلية، واحترام سيادة الدول، والالتزام بقواعد حسن الجوار. وكل بيت أو كيان يمر أحيانا بانتكاسة أو عاصفة، وهو ما يظهر في النهاية مدى قوة هذا البيت في تجاوز مشاكله وتحدياته، وبما أن هذا البيت الخليجي كتب له النجاح والاستمرار، فلن يتزعزع أو ينهار مهما حدث، كما حدث لتجارب عربية أخرى.
فالدعوات سلمت للقادة، والقمة حددت، والإجراءات بدأت في أرض الحرمين، وانعقاد القمة بحد ذاتها مكسب ونجاح للمجلس، لذا نأمل من قادتنا العظام وأولياء أمورنا والذين نكن لهم جميعا الحب والاحترام بطي صفحة الأزمة الخليجية وفتح صفحة جديدة، فتعالوا إلى كلمة سواء لحل مشاكلنا التي لا يمكن حلها من الخارج. وإصلاح ذات البين هو هدفنا وترميم البيت الخليجي ضرورة حتمية لشعوبنا الخليجية. والقرارات التاريخية لا تصدر إلا من الرجال العظام.
ومن هنا فإننا ندرك أهمية قمة الرياض القادمة لتكون الفيصل والاختيار والقرار والوفاء، والإسراع بتكليف لجنة لفض النزاعات كما دعا لها أمير الكويت، والاتفاق على مواجهة كافة التحديات الإقليمية والدولية والحفاظ على هذا التجمع الخليجي.. وبحث مبادرة الرئيس الإيراني “هرمز السلام”. وكما أعرب الدكتور الزياني الأمين العام لمجلس التعاون عن ثقته بأن القمة الأربعين لأصحاب الجلالة والسمو قادة دول المجلس سوف تخرج بقرارات بنّاءة تعزز من اللحمة الخليجية وترسخ أركان هذا المجلس المبارك، فإننا متفائلون بما هو قادم، وسيظل خليجنا خير وسلام، بعون من الله وحكمة قادتنا أصحاب الجلالة والسمو. والله من وراء القصد.

batamira@hotmail.com

إلى الأعلى