الجمعة 14 أغسطس 2020 م - ٢٤ ذي الحجة ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / تزوير الجيش في تجنيد “الحريديم”

تزوير الجيش في تجنيد “الحريديم”

د. فايز رشيد

وفقا لكتاب “صناعة الأكاذيب” لابن درور, وكتاب “التطهير العرقي للفلسطينيين لـ”إيلان بابيه”, تم تأسيس الجيش الصهيوني في 26 مايو/ أيار 1948 (أي بعد 12 يوما بعد إعلان إقامة دولة إسرائيل في 14 من ذات الشهر), ذلك بتوحيد العصابات الإرهابية الصهيونية: الهاجاناه كحجر الأساس, بالإضافة إلى منظمات أخرى كـ”الأرجون”، ليحي وشتيرن وبعض المنظمات الإرهابية الصغيرة الأخرى. وفي نصف السنة المتبقي من عام 1948 تم سنّ قانون التجنيد (الخدمة العسكرية) في إسرائيل, وهو ينطبق على الرجال والنساء فوق سن الثامنة عشرة من مواطني الدولة باستثناء لغير اليهود (فقط الدروز بنطبق عليهم القانون), والباقون الذين تم استثناؤهم هم: فلسطينيو المنطقة المحتلة عام 1948, طلبة المدارس الدينية من اليهود الحريديم, كذلك الذين يعانون أمراضا في القدرة العقلية, وشكل القدم (فلات فوت). أما مدة الخدمة فهي 24 شهرا للنساء و36 شهرا للرجال. يخدم الرجال فترة 3 سنوات في الجيش إذا لم يتم فرزهم في أماكن قتالية. بينما تخدم النساء فترة سنتين إذا لم يُفرزن في أماكن قتالية واقتصر عملهنُ على الأعمال المساندة.
ومنذ عام 2000 يسمح للنساء الخدمة في الوحدات القتالية إذا أردن ذلك, وإذا وافقن على التجنيد لمدة 3 , وهناك أيضا خدمة وطنية مدنية خارج نطاق الجيش وهي مفتوحة أمام المعفيين من الخدمة العسكرية وهي خدمة تطوعية, غير أن هناك اقتراحات لجعلها إلزامية لكل من يعفى من الخدمة العسكرية القتالية لأي سبب كان. ومن أشد المعارضين لهذه الاقتراحات هم اليهود المتدينون المتشددون بالدين. والمواطنون العرب غير الدروز.. ووفقا لملف عن “تاريخ الكنيست الإسرائيلي” نقلته إلى العربية, منظمة “عدالة” المهتمة بشؤون حقوق العرب في منطقة 48. أقيم أول برلمان بقرار صادر عن المجلس التمثيلي اليهودي أول مايو/أيار 1948, بإنشاء حكومة ومجلس دولة مؤقتين لمزاولة أعمال الدولة بعد انتهاء فترة الانتداب البريطاني لفلسطين. وقد عقد “المجلس التأسيسي” يوم 14 فبراير/شباط 1949 جلسته الأولى التي انتخب فيها يوسف شبرينتساك رئيسا, وبعد يومين صادق على تغيير مسماه إلى الكنيست الذي استمر عمل دورته الأولى حتى عام 1951, حين أجريت أول انتخابات تشريعية. وفي عام 1952 تم سنّ قانون التجنيد كقانون أساس مع استثناءاته.
ظلّ موضوع تجنيذ المتدينين (الحريديم) مجالا للشد والجذب والاستقطاب بين الأحزاب الصهيونية. فأحزاب ما يسمى بـ”اليسار” اعترضت دوما على إعفائهم من الخدمة في الجيش. ولقد تناولت هذا الموضوع كل من الإذاعة العامة الإسرائيلية. كما الصحف بعد كشف الإذاعة للخبر التزويري اللاحق (صحف هآرتس, يديعوت أحرونوت, معاريف, جيروزاليم بوست) فقد أكدت أن القيادة الإسرائيلي وبضمنها قيادة الجيش الإسرائيلي أهملت من وجهة النظر الإسرائيلية, الشبان “الحريديين ـ المتدينين”, وكأنها استسلمت لفكرة أنهم ليسوا جزءا من الشارع الصهيوني ذلك, في ظل الصراع العلماني ـ الديني! طبعا بعد الكشف (الاربعاء 4 ديسمبر/كانون الأول الحالي) عن تزوير الجيش لمعطيات تجنيد “الحريديين”, وقال تقرير نشرته الإذاعة العامة الإسرائيلية “كان”: إن الجيش الإسرائيلي زوّر طوال سنوات معطيات حول عدد الحريديين الذي تجندوا للخدمة العسكرية, بهدف إظهار أنه تم استيفاء غايات التجنيد. ووفقا للتقرير: فإن الجيش الإسرائيلي كذب على مدار فترة طويلة, من خلال تقارير بهذا الخصوص قدمها إلى لجنة الخارجية والأمن في الكنيست ووزراء الأمن, وحتى تلك التي قُدمت إلى رئيس أركان الجيش. ووفقا للتقرير، فإن تقارير الجيش, في العام 2017 تحدثت عن تجنيد 3070 حريديا, بينما كان عددهم الحقيقي 1300. وأضاف الجيش إلى قوائم المجندين الحريديين (مجندين متدينين غير حريديين ومجندين غير متدينين). وادعى الجيش في تعقيبه على التقرير أنه “اكتشف مؤخرا خطأ في الجيش الإسرائيلي إزاء عدد الجنود الحريديين ـ المتدينين في السنوات الأخيرة. وأشار المراسل العسكري في صحيفة “معاريف” طال ليف رام إلى أن “خطأ كهذا لا يجب أن يرتكبه الجيش الإسرائيلي”. وقال جدعون ليفي في هآرتس “إن هذا تزوير فاضح, ويعني أن جيشنا يمكن أن يكذب علينا مستقبلا”. واستطرد: إنه توجد تيارات داخل المجتمع الحريدي تقود إلى تحولات, ولذلك ينبغي الحذر من ممارسة ضغوط على المجتمع الحريدي من خلال عقوبات وخطوات شديدة أخرى.
ووصف يوءاف ليمور المراسل العسكري لصحيفة “إسرائيل اليوم” الجيش الإسرائيلي بأنه “بقرة مقدسة في “المجتمع” وهو يحوز ثقة كل الإسرائيليين, ولذلك, فإن الكشف عن تضليل متعمد في معطيات تجنيد الحريديين ليس أقل من هزة أرضية قوية بمقياس ريختر. وأضاف أنه بما أن هذه القصة مستمرة منذ عدة سنوات, فإنه ينبغي التساؤل: أين كانت كافة جهات المراقبة في الجيش الإسرائيلي ووزارة الأمن, وكذلك مراقب الدولة ولجنة الخارجية والأمن في الكنيست, وهي هيئات ينبغي أن تفتح أعينها, والتيقن ولكنها سهت أثناء الحراسة, وهذا لا يجوز؟ وفي نفس السياق كتبت الصحف الإسرائيلية الأخرى. معروف أن تجنيد الحريديين يطالب به ويشدد عليه ديفيد ليبرمان, زعيم حزب إسرائيل بيتنا وله 9 مقاعدفي الكنيست, وجعل من ذلك شرطا لدخول أي ائتلاف حكومي، سواء مع نتنياهو أو جانتس, وكلاهما يرفض ذلك, وهو ما يشي أن إسرائيل تقف على أبواب انتخابات تشريعية ثالثة. المهم القول: إن الجيش الذي تتغنى إسرائيل بطهارته, وشفافيته وعقائديته, “وهو الذي لا يُقهر”, ليس أكثر من مؤسسة تزويرية, كاذبة وفاسدة أيضا.

إلى الأعلى