الجمعة 14 أغسطس 2020 م - ٢٤ ذي الحجة ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / عمان ودورها الرائد في منطقة الخليج
عمان ودورها الرائد في منطقة الخليج

عمان ودورها الرائد في منطقة الخليج

تثبت سلطنة عمان في أغلب مواقفها السياسية أنها تملك رؤية ثاقبة للمستقبل، ما يجعلها تنأى بنفسها عن الدخول في أتون صراعات المنطقة التي لا تتوقف، مكرسة جهدها وتحركاتها السياسية في اتجاه رأب الصدع ولملمة الصفوف العربية وإعادة رصها مرة ثانية بالشكل الذي يحافظ على وحدتها وتماسكها، إذ تحرص السلطنة على الوقوف على الحياد وعدم الانحياز لطرف على حساب آخر، حتى تتمكن من استخدام رصيدها لدى الجميع للوصول إلى التفاهمات والمصالحات المطلوبة في الوقت المناسب، وهو ما نراه اليوم من خلال المحاولات التي لا تتوقف من قبل السلطنة لإنهاء الخلافات الخليجية ـ الخليجية، والخليجية ـ الإيرانية، والتي كان آخرها ما أعلن عنه مؤخرا معال يوسف بن علوي الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية من مساعٍ عمانية لعقد مؤتمر شامل لجميع الدول المعنية بمنطقة الخليج بمشاركة إيران، للحوار والتفاهم حول الأزمات المتفاقمة، ووضع حد للخلافات التىي بات يدفع ثمنها الشعوب، وتستغلها القوى الغربية لاستنزاف الموارد والثروات من جهة، وفرض الحصار على المخالفين من جهة أخرى.
وفي هذا تمثل سلطنة عمان صوت العقل الذي تحتاج إليه المنطقة لمواجهة التحديات وتفادي العثرات والتصدي للهجمات التي تتوقف من قبل القوى المتربصة بأمن واستقرار المنطقة، فجهودها لرأب الصدع مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية من شأنها أن تسهم في تحقيق الأمن والاستقرار المنشود، فرغم اختلافنا مع إيران في بعض المواقف، بسبب المشاريع المشبوهة التي تستغلها القوى الخارجية لنشر الفوضى وتوتير العلاقات معها، إلا أننا لا يمكن مقارنة العلاقة معها بالعلاقة مع القوى الخارجية الداعمة للكيان الصهيوني، والساعية لتقسيم وتفتيت المنطقة، من خلال ما يسمى بصفقة القرن التي سيدفع ثمن تنفيذها كل الدول العربية وليس فقط الشعب الفلسطيني، ومن هنا تمثل زيارة الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية لطهران لبحث سبل الحوار والتفاهم ووضع حلول للعلاقات المتوترة مع دول الخليج خطوة مهمة على الطريق الصحيح، خصوصا وأن مصالح مختلف الأطراف واحدة، والتحديات تمثل سيفا مسلطا على رقاب الجميع، ولا سبيل للنجاة إلا بالحوار والتفاهم المشترك.
ولا تتوقف مساعي عمان السلمية في حقيقة الأمر على الإطار الإقليمي، بل وتتواصل مع المجتمع الدولي للتشاور والتنسيق لوضع حد لأزمات المنطقة، لما لذلك من انعكاسات سلبية على مصالح الجميع خصوصا دول الاتحاد الأوروبي وكذلك الولايات المتحدة الأميركية، ما يضغط على مسقط للسعي من خلال دبلوماسيتها الهادئة والمؤثرة إلى فتح خطوط جديدة للتفاوض بين إيران والولايات المتحدة، بعد تدهور العلاقات بينهما عقب انسحاب الأخيرة الأحادي من الاتفاق النووي الموقع في 2015، والذي يضع قيودا على البرنامج النووي الإيراني مقابل تخفيف العقوبات الدولية عليها.
ولا يقتصر الدور العماني على حل الخلاف مع إيران، بل وتلعب دورا يشهد لها به الجميع في حل الملف اليمني، فمنذ اليوم الأول للأزمة وعمان تعمل على تقريب وجهات النظر، وإيجاد حلول للخلافات المتفاقمة بين الأطراف، وإعادة الجميع لطاولة المفاوضات، باعتبار أن ذلك هو السبيل الأفضل لوقف الصراع والحفاظ على مصالح الأطراف المتنازعة، ووقف شلال الدم المتدفق فوق الأراضي اليمنية، والذي يجعل الشعب اليمني هو الخاسر الأكبر في هذا الصراع.
ولسلطنة عمان كذلك دور لا يمكن إنكاره في حل الأزمة القطرية مع دول الخليج، والعمل على فك الحصار المفروض عليها، فوساطتها بين مختلف الأطراف لم تتوقف منذ بدء الأزمة، وهي تتواصل بجد وجهد لإعادة اللحمة الخليجية مرة أخرى، خصوصا وأن تلك الخلافات خسرت وتخسر المنطقة الكثير من المصالح وتعرض أمنها واستقرارها للخطر الشديد، وتجعلها في مرمى الاستنزاف الصهيوني الذي يستغل تلك الخلافات كفرصة لفرض مشروعه على الجميع.
وفي كل هذا تتحرك السلطنة لممارسة دورها المنشود كواحدة من الدول الإقليمية الكبرى في المنطقة، ولتصبح وبحق رائدة الدبلوماسية الهادئة في منطقة الشرق الأوسط، وصوت العقل الذي نحتاجه أكثر من أي وقت مضى، لتفويت الفرصة على القوى المتربصة بالمنطقة، ومنعها من استكمال مخططات التخريب والتقسيم التي تنتهجها منذ فترة طويلة.

د.أسامة نورالدين
كاتب وباحث علاقات دولية
Onour95@gmail.com

إلى الأعلى