الأربعاء 5 أغسطس 2020 م - ١٥ ذي الحجة ١٤٤١ هـ
الرئيسية / المحليات / تعرف على جرائم الإتجار بالبشر (الجزء الثاني عشر)

تعرف على جرائم الإتجار بالبشر (الجزء الثاني عشر)

(الوطن) بالتعاون مع الادعاء العام
هكذا، نكون قد استعرضنا، على مدى الأحد عشرَ جزءًا المنصرمة، المحاور الثلاثة الرئيسة التي تندرج تحت جرائم الاتجار بالبشر – وفق مقتضيات القانون الوطني، وكذا بروتوكول باليرمو – وهي: الاستغلال الجنسي، بمختلف أشكاله؛ واستغلال عمل الغير (مثل السخرة، والعمل القسري)؛ والنزع غير المشروع للأعضاء البشرية. ولقد حرصنا على دعم الجانب النظري للاستعراض بالجانب العملي، المتمثل في استعراض قضايا تطبيقية، مستخلصة من واقع البيئة المحلية أو الإقليمية، كلما أمكن؛ أو من واقع القضايا الأممية المنشورة في مطبوعات مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة؛ أو في موقعه الإلكتروني، المخصص لاستعراض القضايا الجزائية.
متمنين، من خلال ما تقدم، أن نكون قد حققنا مبتغانا المتمثل في تنوير العامة بالأبجديات التي تقوم عليها جرائم الإتجار بالبشر؛ ليحول ذلك بينهم وبين الانزلاق في شباك هذا النوع من الاجرام، سواءً بصفتهم مجنيّا عليهم، أو جُناة. فلقد أكّد عدد من الدراسات أن كثيرًا من العامة يقعون في منزلق استغلال البشر، دون أن يعوا أنهم بذلك يقترفون جناية اتجار بالبشر، ولاسيما بالنسبة للمحور الخاص باستغلال عمل الغير. يذكر أن الواقع العملي يؤكد النتيجة نفسها.
وعليه، يبقى أن نشير إلى أن ثمة جرائم، لم يرد ذكرها في البروتوكول، ومع ذلك أدرجها بعض المشرعين ضمن جرائم الاتجار بالبشر، في قوانينهم الوطنية، ومن ذلك جرائم التسول. فعلى غرار جريمة الدعارة، التي تعد من قبيل الجرائم التي تصدت لها الشريعة الجزائية العامة، إذا ما مورست بإرادةٍ حرة؛ فالأمر عينه بالنسبة للتسول، إذا ما تجسّدت في شكلها البدائيّ البسيط، القائم على الإرادةِ الحرة؛ أما إذا ما تأكّد أن هناك من يدفع المتسول إلى فعلته هذه، مستغلاً وضعًا معينًا فيه، كحالة استضعاف مثلاً، نكون أمام جريمة اتجار بالبشر قولاً واحدًا.
تناول القانون العربي الاسترشادي لمكافحة الاتجار بالبشر هذه الجزئية، وذلك بأن أدرج التسول ضمن الأعمال التي يشملها الاستغلال؛ كما أدرج أيضًا نزع الأنسجة البشرية؛ دون الاكتفاء بنزع الأعضاء فحسب؛ وكذا أدرج إجراء التجارب العلمية على الأشخاص؛ وأية صورة أخرى من صور الاستغلال المجرمة قانونًا. وعلى هذا النهج، سار مجموعة من المشرعين العرب، نذكر منهم المشرع الإمارتي، والتونسي، والسعودي، والجزائري، والقطري، واللبناني، والعراقي، والمصري، والمغربي؛ وكذا ورد في مشروع القانون اليمني، ومشروع القانون الليبي أيضًا.
المشرع العُماني، حاله من حال المشرع البحريني والسوداني والكويتي، لم يدرج التسول ضمن صور الاستغلال الواردة في المادة (1) من القانون؛ ومع ذلك، فإذا ما أكّدت التحقيقات أن واقعة التسول المضبوطة ليست قائمة عن إرادة حرة؛ وإنما ثمّة من يدفع المتسول إليها، ويستغل حالته المستضعفة؛ فإننا نكون أمام واقعة اتجار بالبشر، رغم عدم وجود نص صريح؛ وذلك من منطلق أن الصور الواردة تحت مصطلح الاستغلال، لم يوردها المشرع على سبيل الحصر، وإنما على سبيل المثال.
أيضًا، هناك جوانب أخرى لم يوردها المشرع صراحةً في القانون؛ ومع ذلك، فإن التعامل معها يكون بالرجوع إلى اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية، وكذا بروتوكول منع الاتجار بالبشر، المعروف ببروتوكول باليرمو؛ على اعتبار أنهما في حكم الشريعة العامة، وتنزل منزلة القوانين الوطنية، من حيث القوة، ما دامت السلطنة صادقت عليهما، وفق مقتضيات المادة (76) من النظام الأساسي للدولة. كما يمكن أيضًا الرجوع إلى المبادئ التوجيهية التي يصدرها مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، بين فترةٍ وأخرى.
مثال: “شخص أجنبي، دخل إلى الدولة بطريقةٍ غير مشروعة؛ ثم تعرض للاستغلال، كأن يتعرض للسخرة، أو لعملٍ جبري؛ أو لأيٍّ من أعمال الاستغلال الجنسي، مقابل عدم الإبلاغ عنه؛ وكل ذلك بسبب وضعه الاجتماعي والقانوني الهشّ. فهل نتعامل معه، في هذه الحالة، على أنه ضحية اتجار بالبشر، وفي الوقت نفسه متهمًا بالدخول غير المشروع إلى إقليم الدولة؟
لاشك أن تجريم ضحايا الاتجار بالبشر، في هكذا حالات، سيحول دون إبلاغ الضحية بكونه كذلك، خوفًا من الملاحقة الجزائية؛ وسيحول، بالتبعية، دون سعي الضحية للحصول على الحماية والمساعدة والإنصاف؛ وسيلتزم، بدلاً من كل ذلك، الصمت. لاشك أن هذا يتعارض مع ما ترمي إليه الاتفاقية وكذا البروتوكول من حماية الضحايا؛ خاصةً وإذا ما أخذنا في الاعتبار أن المادة (2) من البروتوكول تنص على أن واحدًا من مقاصده هو حماية الضحايا، ومساعدتهم، مع احترامٍ كامل لحقوقهم الإنسانية.
من هذا المنطلق، جاءت المادة (28) من القانون العربي الاسترشادي لتعفي الضحية من العقوبة عن الدخول غير المشروع. تقرأ المادة على النحو التالي: “يُعفى الضحية من العقوبات المقررة عن مخالفة قوانين الهجرة والجنسية والإقامة، متى ارتبطت مباشرة بكونه ضحية”. وفي هذا السياق، أورد المشرع القطري في المادة (25) النص التالي: “يُعفى المجني عليه من العقوبات المقررة عن مخالفة القانون رقم (4) لسنة 2009، بتنظيم دخول وخروج الوافدين وإقامتهم وكفالتهم”.
كما جاءت المادة (27) من القانون العربي الاسترشادي بالنص التالي: “لا يعد الضحية مسؤولاً جنائيًا أو مدنيًا عن أي جريمة من الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون، متى ما نشأت أو ارتبطت مباشرة بكونه ضحية”. أخذت جملة من التشريعات العربية بهذا النص الأخير، دون الأول الذي انفرد به التشريع القطري فقط. ومن جانبنا، نرى أهمية الأخذ بالنصين معًا؛ سيّما في ظل ما أكّدته التجارب من أن الداخلين إلى البلد بطريقةٍ غير مشروعة، هم أكثر فئات المجتمع عرضةً للاستغلال، لوضعهم الاجتماعيّ الهش.
وعلى الرغم من عدم وجود نص صريح، في القانون العُماني، لامتناع العقاب، وكذا المسئولية، أورد المشرع في المادة (3) النص التالي: “لا يعتد برضاء المجني عليه في أيّ حالةٍ من الحالات الآتية: (ج) إذا كان المجني عليه في حالةٍ ظرفيةٍ أو شخصيةٍ، لا يمكن معها الاعتداد برضائه أو حرية اختياره”. وعليه، يمكن بمقتضى الفقرة (ج) من هذه المادة إعفاء المجني عليه من المسئولية الجزائية وكذا المدنية، عن أي جريمة يقترفها، إذا وجد في الحالة التي ذكرها المشرع؛ ومن ذلك، إذا نشأت الجريمة أو ارتبطت مباشرة بكونه مجنيًا عليه في الاتجار بالبشر.

مُساعد المدعي العام / ناصر بن عبدالله الريامي

إلى الأعلى