الإثنين 20 يناير 2020 م - ٢٤ جمادي الأولى١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / أصداف: بين “السلمي” و”العنف”

أصداف: بين “السلمي” و”العنف”

وليد الزبيدي

يخلط الكثير من الباحثين والمتخصصين قبل السياسيين بين مفهومي “السلمي” و”العنفي”. وفي واقع الحال، فإن الفرق بين المصطلحين شاسع، ويمكن التوقف عند ذلك من خلال المعطيات الرئيسية التي يتمحور حولها هذا الموضوع.
أعتقد أن البيئة السائدة والمؤثرة في الواقع تؤثر بشدة في قضيّة “السلمي” و”العنفي”، ويقف في مقدمة ذلك طبيعة السلطة الحاكمة، فإذا كانت قد وصلت أعلى مراحل التسلط والديكتاتورية، فإنها لن تتردد في الإقدام على قمع الناس حتى إذا كانوا يحتجون بالطرق السلمية، لأن زعامات تلك السلطات ينظرون إلى الأمر من زاوية موت أو حياة، إذ يدركون تماما أن زوال سلطانهم يعني بالنسبة لهم النهاية الحتمية ومحاسبتهم على جميع الجرائم التي ارتكبوها بحق شعوبهم، كما أن مثل هذا المتغير سينهي السلطة والموارد الشخصية ولم يعد بإمكانهم من تحقيق رغباتهم المريضة بالانتقام الذي قد يصل إلى الدموية، لذا يلجأ أمثال هؤلاء الحكام إلى الخيار الدموي، دون أن يحسبوا أي حساب لأعداد الضحايا وما يحصل لعوائلهم من مصائب ودون أي تفكير باحتمالات انقلاب الأحوال وتغير المسارات لسبب أو آخر.
يذهب بعض الدارسين والباحثين من الذين اهتموا بموضوع الاحتجاجات والاعتصامات بنوعيها السلمي والعنيف إلى أن نسبة مشاركة الناس بتلك التظاهرات تضغط على الحاكم وتحقق نتائج إيجابية، وثمة من يشير إلى أن كثرة العدد ومطاولة هؤلاء في تظاهراتهم واعتصاماتهم ذات الأثر الأكبر في قرار الحكام المتسلطين والمستبدين. وترى إيريكا شينوويث، الباحثة في العلوم السياسية بجامعة هارفارد، أن الخيار السلمي خيار أخلاقي، لكن على أرض الواقع نجد أن الغالبية العظمى من الاحتجاجات تبدأ سلمية إلا أن الحكام يختارون العنف ضد الناس العزل، وفي مثل هكذا حال فإن الأمر يذهب باتجاه قتل المحتجين واعتقالهم، وتخمد الاحتجاجات تحت القمع والقتل والاعتقال وربما تأخذ مسارات تصاعدية، كما أن العدد قد لا يكون العامل الأهم في حسم النتيجة لصالح المتظاهرين، وليس ثمة قاعدة ثابتة تؤكد أن النتائج ترتبط بسقوط ضحايا وسفك الدماء أو خلافه، فعلى سبيل المثال وفي عام 2003، تمكنت أعداد قليلة في جورجيا من إجبار الرئيس إدوارد شيفرنادزة على الاستقالة، عقب ثورة الورود التي اقتحم فيها المحتجون البرلمان حاملين في أيديهم زهورا دون إراقة قطرة دم واحدة، وهناك أمثلة عديدة، كما أن القاعدة التي يسمونها بـ”الذهبية” لنجاح الاحتجاجات قد تصلح في بلد ولا تؤتي أكلها في مجتمع آخر، تلك القاعدة التي تضمن نجاح الحركات الاحتجاجية في حال شارك فيها 3.5 من مجموع السكان.
الثابت في هذا الأمر أن لكل تجربة خصوصيتها، لكن، يمكن القول إن السلطات التي تلجأ إلى خيار القمع بقوة الرصاص تلك التي تعرف حجم الجرائم التي ارتكبتها ضد المواطنين ويصيبها الرعب عندما تتخيل نجاح المحتجين في الإمساك بالسلطة، إذ يترتب على ذلك الكثير من استحقاقات الناس.

إلى الأعلى