الإثنين 20 يناير 2020 م - ٢٤ جمادي الأولى١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / مجرد ورقة لبعثرة الأوراق

مجرد ورقة لبعثرة الأوراق

هيثم العايدي

لا تتعدى مذكرة التفاهم التي وقعتها حكومة الوفاق الليبية وتركيا خلال الزيارة الأخيرة لرئيس حكومة الوفاق فايز السراج على تركيا والخاصة بالمجالات البحرية مجرد ورقة، الهدف منها بعثرة الأوراق التي رتبتها الأطراف الفاعلة في شرق المتوسط، وتحديدا تلك المتعلقة بمصادر الطاقة وخطوط أنابيب الغاز .. إذ يبرز لسان حال الموقعين عدم أهمية هذه المذكرة .
فوفقا لما هو معلن من الجانب التركي حول المذكرة فإن نصها يتضمن عبارة “قررت تركيا والحكومة الليبية العمل على تحديد المجالات البحرية في البحر المتوسط بشكل منصف وعادل، والتي تمارسان فيها كافة حقوق السيادة، مع الأخذ بعين الاعتبار كافة الظروف ذات الصلة”.
وتشير بعض التسريبات حول تفاصيل هذه المذكرة إلى أن الطرفين حددا المناطق البحرية لكل منهما شرق البحر المتوسط، وأنه في حال وجود مصادر ثروات طبيعية في المنطقة الاقتصادية الخالصة لأحد الطرفين، تمتد لمنطقة الطرف الآخر، يمكن للجانبين عقد اتفاقيات لاستغلال تلك المصادر بشكل مشترك.
كما تضمنت المذكرة خرائط تحدد الجرف القاري، والمنطقة الاقتصادية الخالصة لكلا الطرفين في تجاهل لدول قائمة بين خطوط الترسيم.
ومن قبل إعلان الدول الثلاث الفاعلة في شرق المتوسط وهي مصر واليونان وقبرص أن هذه المذكرة غير قانونية ومنعدمة الأثر فإن هناك شواهد تؤكد شكوك الطرفين الموقعين في جدوى هذا الترسيم، حيث تبدأ هذه الشواهد من وضعهما هذا الترسيم في صيغة مذكرة تفاهم وليس اتفاقية، وذلك على الرغم من التناول الإعلامي للموضوع الذي غفل عن الفرق بين الاثنين.
فمذكرات التفاهم ـ وإن كانت تعد وثائق رسمية ـ تهدف لإنجاز مجموعة من الالتزامات والأعمال والمشروعات، إلا أنها لا تتعدى كونها اتفاقًا مبدئيًّا بين الطرفين وقابلًا للتعديل لاحقًا، كما أنها تتيح لأي طرف الانسحاب منها دون أي التزامات يترتب عليها هذا الانسحاب.
كذلك فإن مذكرات التفاهم لا تتطلب موافقة الهيئات التشريعية بعكس الاتفاقيات التي تتطلب ذلك ويترتب عليها آثار قانونية، كما أن من الشروط الواجب توافرها في الاتفاقية عدم تجاوز سلطة القانون أو عدم خرق أية قاعدة دولية متعارف عليها.
ويبدو أن الطرفين وضعا ما اتفقا عليه على شكل مذكرة تفاهم تجنبا لعدد من العوامل التي تنسف هذا الاتفاق، حيث تبدأ هذه العوامل بأن الخرائط المسربة لمذكرة التفاهم تصطدم بحقوق دولية موثقة باتفاقيات ترسيم الحدود واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.
كذلك فإنه وبحسب القانون الدولي فإن الاتفاقيات الدولية لا تصبح نافذة إلا إذا صادقت عليها برلمانات الدول الموقعة، وهو أمر يتنافى مع الحالة الليبية، حيث عبر البرلمان عن رفضه لتفاهمات السراج مع تركيا، ناهيك عن أن السراج ووفقا لاتفاق الصخيرات لا يملك التوقيع على الاتفاقيات منفردا؛ لأنه لا بد من توقيع الاتفاقيات الدولية بموافقة مجلس الوزراء الليبي مجتمعا.
أما أصدق توصيف للهدف من هذه الاتفاقية فهو ما تنشره بعض التحليلات في الإعلام التركي ومنها صحيفة ديلي صباح التي قالت إن تركيا تستهدف من مذكرة التفاهم دفع مصر وقبرص واليونان والاتحاد الأوروبي ـ الذي يعد عقوبات ضد تركيا بسبب تنقيبها في المتوسط ـ للتفاوض معها .. أي إنها مجرد محاولة لبعثرة الأوراق سعيا لأخذ مقعد في الاجتماعات التي تتم بين الفاعلين في شرق المتوسط.
وهذه البعثرة يمكن التعامل معها عبر التحرك على الجانب القانوني استنادا إلى عدم مشروعية هذه الوثيقة .. ومن ناحية أخرى تكثيف التعاون بين الأطراف الفاعلة لتكريس سيادتها في المنطقة المعنية شرق المتوسط.

إلى الأعلى