الإثنين 20 يناير 2020 م - ٢٤ جمادي الأولى١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / دور القطاع الخاص في تعزيز البعد الإنساني للأمن السياسي

دور القطاع الخاص في تعزيز البعد الإنساني للأمن السياسي

محمد بن سعيد الفطيسي

يلعب القطاع الخاص( 1) دورا كبيرا في التأثير سلبا أو إيجابا على الأمن القومي للدول وفي مختلف جوانبه السياسية والاقتصادية والإنسانية وغير ذلك. فمن الناحية الاقتصادية يتقاسم مع الحكومة دور الفاعل المؤثر بالمشاركة، وتقاسم الأدوار حيال تحريك عجلة التنمية والاقتصاد الوطني, وهو الدور الواضح والقائم عبر مؤسسات وشركات القطاع الخاص المختلفة, ودورها في العملية التنموية والاقتصادية والشراكة مع الحكومة أو القطاع العام الوطني في تعزيز موارد الموازنة العامة للدولة والدخل القومي والاقتصاد الوطني.
ولعل القطاع الخاص قد تحول في العديد من الدول الكبرى كالولايات المتحدة الأميركية وأوروبا واليابان على سبيل المثال إلى الفاعل الأكبر في اقتصاد الدول وأمنها الوطني, وليس من المبالغة في القول إن القطاع الخاص قادر على تأمين الاستقرار والأمن للنظام السياسي للدول بدرجة تجعل من أدواره الوطنية تحت الرقابة والمتابعة الأمنية والسياسية بشكل دائم.
وهو كذلك في الجانب الآخر, يمكن أن يتسبب في انهيار الأنظمة السياسية والدول عبر تصرفات وأدوار لا تتعامل مع القطاع العام كشريك وطني أو المؤسسات الحكومية كمؤسسات رقابية أو توجيهية, أو النظام السياسي في الدولة كنظام حاكم, بقدر ما تنظر إليها على أنها مؤسسات ضاغطة وتعمل على التأثير سلبا عليه, وبالتالي فإنه يجب أن يعمل بعيدا أو في الخفاء عن رقابتها, بهدف تأمين مكاسبه وأرباحه, كما أن نفوذه وقوته الاقتصادية والسياسية تمنحه الاعتقاد أحيانا بأن له حصانة فوق إرادة النظام السياسي نفسه.
وهناك من الأمثلة التاريخية القائمة على قوة القطاع الخاص الذي أصبح يملك من القوة والنفوذ وحتى السلطة السياسية, ما يجعل منه قوة تضعف من قرارات الدولة السياسية وتؤثر فيها سلبا, بل وفي أحيان كثيرة تتحول تلك الشركات إلى دولة أو تلعب دور الدولة بالمعنى الضيق, أي تنعكس الأدوار الطبيعية, فنجد أن الحكومة تنصاع لقوة تلك الشركات والمؤسسات, وتحتاج إلى نفوذها وسلطتها ومساعداتها, ما يؤثر في قوة الدولة واستقلالها وسيادتها على اتخاذ القرارات, خصوصا تلك التي تلامس الأمن الوطني, حتى تلك التي تدخل في السياسة الخارجية للدولة, وليس في الداخل الوطني فقط.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك الشركات الكبرى كشركات النفط (شل البريطانية مثالا) والمركبات(مجموعة فولكس واجن مثالا) وشركات إنتاج الحاسب الآلي ( HP- Hewlett – Packard و Lenovo ), وشركات الأسلحة, وغيرها من الشركات والمؤسسات العابرة للحدود الوطنية, حتى أن بعض الشركات الدولية اليوم أصبح لديها من الموظفين والدخل المادي ما يتجاوز موظفي الدول ومداخيلها وحتى الناتج المحلي الإجمالي, كما هو الحال مع شركات وولمارت وآبل التي أصبحت تحقق دخلا أعلى حتى من دول غنية مثل روسيا وبلجيكا.
وما هو أخطر من ذلك بكثير عندما تتداخل القوة الاقتصادية مع القوة السياسية للأفراد, لنجد أن الجزء الأكبر من القيادات السياسية في النظام الرسمي من المالكين للشركات الكبرى في القطاع الخاص, ومع أن هذا الأمر قد يكون له فوائد اقتصادية وسياسية من نواحٍ معينة, فإنه من جوانب أخرى أشبه بإسناد الدولة إلى قوى اقتصادية أو لوبي من الشخصيات التي بكل تأكيد لن تقدم مصالح الدولة على مصالحها الخاصة مهما حاولت فعل ذلك, لأن الشواهد التاريخية أثبتت أن المصالح الشخصية في أغلب الأحيان أقوى بكثير من قوة المصلحة العامة.
أما في جانب الأمن السياسي (2 ) على اعتبار أنه بعد من أبعاد الأمن الإنساني, فدوره الأخطر والأوسع, فالأمن السياسي لا يقتصر على تأمين الأدوار الاقتصادية أو الأمن الاقتصادي للدولة والأفراد, بل يمتد إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير, حيث التأثير على الاستراتيجية المكونة للأمن القومي عموما, والأمن الداخلي للبلد على وجه التحديد. والتي تشمل الهوية الوطنية وتشكيل وعي الأفراد تجاه أمنهم الوطني وحقوقهم السياسية, بل تمتد إلى مسائل التأثير على قضايا كالولاء والانتماء من جوانب عديدة ومختلفة, خصوصا إذا ما أخذنا في الاعتبار أن الجزء الأكبر من الشباب الوطني تعمل في هذا القطاع.
وعندما تعي الأنظمة السياسي ما للقطاع الخاص من أهمية ودور خطير في تشكيل وبناء منظومة الأمن الوطني, خصوصا الأمن السياسي كبعد من أبعاد الأمن الإنساني, فإنها بكل تأكيد ستضع هذا القطاع على رأس أولويتها الأمنية اهتماما وعناية ورقابة ومحاسبة, وستعمل بحزم وقوة تجاه أي تجاوز أو تهاون أو تأثير سلبي في تلك العلاقة القائمة ما بين القطاع الخاص ودوره المؤثر في تشكيل الأمن السياسي للأفراد من جهة, وانعكاس ذلك على منظومة الأمن والاستقرار الوطني من جهة أخرى.
فمن غير المقبول أبدا أن يتعلل القطاع الخاص بضعف المكاسب والأرباح دون أن يكون للدولة أي تدخل في تنظيم وتوجيه هذه المسلك في حال انعكس أثر ذلك سلبا على الاستقرار والأمن الوطني, كقيامه بإنهاء خدمات العاملين فيه من المواطنين, أو التحكم في رواتبهم وعلاواتهم, أو امتهانهم وتميزهم دون حق مع العامل الوافد, وغيرها من الأفعال والتصرفات المجرمة قانونا, فتدخل الدولة حينها يصبح واجبا أمنيا وسياسيا.
في الجانب الآخر وهو الجانب الذي يفترض أن نجده من أي قطاع خاص وطني, بغض النظر عن الحق الطبيعي في تحقيق الربح والمصلحة, فإن التوازن والمواءمة بين الحق الخاص والحق العام هو ما يجب أن يحكم تلك العلاقة, فالقطاع الخاص في أي وطن يعد جزءا لا يتجزأ من قوة الدولة الاقتصادية والسياسية والإنسانية, وأي تصرف غير محسوب أو مدروس لا بد أن لا يتم التغاضي عنه أبدا, خصوصا عندما يتعلق ذلك بجانب التأثير على الاستقرار والأمن الوطني, وكما ندفع إلى ضرورة الرقابة ومحاسبة هذا القطاع على تقصيره في حق الدولة والمواطن, فإن من الضروري أن نقول إن له حقا على الحكومة. وأبرز ذلك الحق هو الدعم والوقوف معه في حال وجود أي تراجع غير مقصود أو ممنهج في المستوى, والسعي لمعالجة أوضاعه التي تحتاج إلى مساندة بكل الطرق والوسائل.
ـــــــــــــــ
مراجع
1 ـ للقطاع الخاص تعريفات عديدة, على أن أبسطها ذلك الذي يدل على أنها مجموعة الشركات والمؤسسات الخاضعة لرأسمال الأفراد, وبمعنى آخر يملكها الأفراد وليس الحكومة, والقطاع الخاص يقابله في الجانب الآخر القطاع العام, والذي يقصد به مجموعة المؤسسات والشركات التي تملكها الحكومة.
2 ـ وهو مجموعة من الحقوق تتقاسمها من جهة وتتشاركها من جهة أخرى الدولة والمواطن. أما المواطن فحقه في “السلامة الجسدية والشخصية والعيش الكريم المستدام, وتمتعه بجميع حقوقه وحرياته الأساسية”. أما الدولة فحقها في الاستقلال والسيادة والأمن وعدم التدخل في شؤونها وتمكينها من ممارسة حقوقها الوطنية والدولية. كما يتم مشاركة الأمن السياسي بينهما عبر تقوية العلاقات في سبيل الوصول إلى حياة تسودها الحرية والعدالة والنزاهة والشفافية الشرعية, علي الطراح وغسان منير, العولمة والدولة, الوطن والمجتمع العالمي, دراسات في التنمية والاجتماع المدني في ظل الهيمنة الاقتصادية العالمية, دار النهضة العربية, لبنان/بيروت, ط1/2002, ص 126

إلى الأعلى