الإثنين 20 يناير 2020 م - ٢٤ جمادي الأولى١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / جريدة الشارع العراقي

جريدة الشارع العراقي

كاظم الموسوي

في مطلع شهر تشرين الأول/ أكتوبر من عام 2003 كتبت هذا المقال بعد زيارة سريعة للأهل وعودة للوطن بعد غياب طويل، ونشر في عدد من وسائل الإعلام حينها، وقد أرسله لي صديق مجددا وذكرت له تاريخه ونشرته أيضا في كتابي الثاني (لا للاحتلال…) من سلسلة كتبي عن الاحتلال وكوارثه، الذي صدر في دمشق عام 2005، واقترح فكرة نشره الآن، للمقارنة والمفارقة التي تفقع وتفقأ العيون، كل هذه السنوات وما زال الشعب العراقي ينتظر التغيير الحقيقي والأمل في وطن حر فعلا وشعب سعيد حقا! ونشرته، وكذا طلب صديق أن أعيد النشر الآن، للتذكير والذكرى، حيث الأسئلة هي الأسئلة!
“للشارع العراقي جريدته المميزة، رغم عديد الجرائد ووسائل الإعلام الجديدة فيه. ولها تاريخها المشهود وفيها ما لها من جرأة وعليها من قوة وقدرات لم تبلغها مساحة أو هوامش الانفتاح الإعلامي في أية فترة من فترات التاريخ السياسي بالعراق. ففي العهد السابق حيث لا وسائل إعلام غير ما أرادته الدكتاتورية البغيضة ورسمته أو قننته في إطار منهجها الشمولي الأحادي الاتجاه المنصب رئيسيا في خدمة النظام وسياسته الإرهابية القمعية المعروفة، كان رأي الشارع موجودا، حتى ولو بصوت خافت، معبرا عن موقفه وتوجهاته العامة، همسا أو عبر مختلف الوسائل والأساليب، أبلغها ما كان بين السطور من الطرائف والنكات والحكايات الساخرة من أزلام النظام وأركانه، أو في الشعارات أو الجمل الوافية التي تكتب على الحيطان للعلن وللعامة وللرأي العام الذي يشعر بأنها لسان حاله أو إشارات عن ما يمور بخاطره أو في عميق أفكاره.
هذا الصوت أو الجريدة رغم اختلاف الصورة اليوم بالعراق نوعا ما عما كانت عليه، بعد أن صمتت صحف النظام السابق المحدودة العدد والمعروفة الجهد والصدد ونهبت ممتلكاتها وصدرت بدلا عنها صحف كثيرة وبادلتها وسائل إعلام متنوعة ومختلفة وظهرت مسميات عديدة لأحزاب ومطبوعات وإصدارات بأسمائها، تظل لها سمتها الخاصة ولغتها العامة.
من بين كل ما يمكن تعريفه بجريدة الشارع أو الرصيف، أقدم قراءة مصورة من عنوان باسم جريدة الرصيف سجلتها يد بخط واضح على جدار بناية حكومية هدتها صواريخ توماهوك كروز أميركية في وسط بغداد، أنقلها كما كتبت وأضع توضيحا لها بين قوسين للقارئ الكريم:
تحت عنوان إحصائيات ورد:
105 أحزاب معلبة مستوردة.
110 جرائد جذب (كذب)
100 منظمة فرهودية
200 حركة بلا بركة
300 جمعية حرامية
400 جبهة طينية
500 اتحاد + اتحاد عاطل
600 مقر سلب ونهب ديمقراطي
و700 عليهم
وفي عمود آخر سجل ما يلي:
مطلوب رئيس جمهورية
أولا: عادل
ثانيا: نزيه
ثالثا: متواضع
رابعا: فقير
خامسا: رؤوف عطوف
سادسا: مو حرامي (ليس حراميا)
سابعا: كريم جواد
ثامنا: شجاع ما يفلت (لا ينهزم)
تاسعا: لا يعلق صورة له على الجدران
وفي صفحة أو عمود آخر ما يلي: مجيئه كارثة، بقاؤه كارثة، رحيله كارثة.
هذه نماذج مسجلة ومثبتة أمام أعين الناس، وهي صفحة من صفحات جريدة الشارع العراقي، التي تعبر عن مشاعر الرأي العام عموما، ولعل ما وضع من تعليقات على شعارات ولافتات أحزاب وأشخاص دخلت العراق مع قوات المارينز أو لبست لباسها هي الأخرى صفحات أخرى من تلك الجريدة.
وفي كل الأحوال فإن هذه الإحصائيات تقول ما لم تقله الصحف أو وسائل الإعلام الكثيرة التي تصدر أسبوعيا مؤقتا كما تسجل تحت عناوينها وبولغ في أرقامها وأعدادها كظاهرة صحية لم تألفها حالات الشارع العراقي، ولم تتكيف معها قدرات القارئ الموجهة له أساسا. لهذا وصفها محرر جريدة الرصيف على أعمدة وجدران بناية وسط بغداد مقصوفة ولما تزل شاهدة على ما حل وما يجري بالعراق بهذا الشكل الكاريكاتيري معبرا عن مزاجه الخاص المرهون بالمزاج العام، والموصول بالقلق والحيرة والترقب من التحولات التي تواكب مسيرته وموروثه التحرري وتطلعاته نحو حرية حقيقية وديمقراطية تتناسب وتاريخه النضالي وصفحات وثباته وانتفاضاته المعلومة، لا تقفز عليها أو تدعي ما يخالف نهجها.
لقد تخلص الشعب العراقي من عهد سابق واختنقت دمعة فرحه بحدقات عيونه ليجد أمامه عهدا لم ينتظره أو يختره، بل وجد احتلالا أسوأ من الدكتاتورية وأشد وقعا في حياته اليومية، حيث حول الاحتلال شوارعه ومدنه إلى مجمعات عسكرية مسورة ومحاطة بالأسلاك والحواجز ونقاط التفتيش والمداهمات واستفزاز الأباتشي ومصفحات وناقلات الجنود، إضافة إلى الإعلان عن مشاريع بيع ثرواته علنا وبالصوت العالي لكل من يشتري، واستشراء ما لم يكن بحسابات الشارع العراقي أن تعود إليه وهو يتطلع إلى أن يعيش كبقية العالم في بدايات قرن جديد وعهد آخر. ولم توفر السلطات التي نصبتها قوات الاحتلال الأميركي ـ البريطاني، كما تذيعها هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) لحد اليوم في نشراتها الإخبارية، للمواطن العراقي بديلا حقيقيا وتضع له آمالا جديدة، بل وضعته في دوامة جديدة واستبدلت كابوس الإرهاب والتسلط السابق بالفلتان الأمني وسراب الوعود والهموم المتوالدة من سمات النماذج البديلة، فضلا عن وضعها أسسا تتناقض مع برامجها السياسية والفكرية التي تدعيها أو أعلنتها بجرائدها المدعومة ووسائلها المحسومة.
لم تجد جريدة الشارع العراقي أي شيء مما يدعيه كل مرة جورج بوش أو توني بلير من مبررات شن الحرب على العراق أو الأهداف التي يريدانها للشعب العراقي. حتى المنظمات الدولية لم تعطِ العراقيين من برامجها أو مواثيقها ما يمنحهم مزيدا من الثقة بها، على العكس قدمت المنظمات الدولية ازدواجية معايير تماهت بها مع مخططات السياسة الاستراتيجية المرسومة لمستقبل العراق والمنطقة بل خدمتها أكثر من وظائفها مما وضعها بصف قوات المارينز الأميركان أو العراقيين، التي أوصلت حالة الشارع العراقي إلى حافات الغضب والاحتجاج، والأمنيات إلى تصورات بعيدة المنال.
جريدة الشارع العراقي عبرت بلغة واضحة عن تغير المشاعر من الفرح بالتخلص من الكابوس إلى الحزن على الدخول بكابوس آخر ونفق لم تر منه بصيص ضوء قريب، وهي صفحة أخرى من معاناة الإنسان بالعراق، وغياب دوره بالمنطقة والعالم.
قراءة ما تنقله الجريدة من تساؤلات عيون الناس المارة بالشارع، أو المشرئبة إلى مستقبل واقعي بلا احتلال أو قوات مارينز أو بلا سجون جديدة وحرس صهيوني تقدم صورة عن واقع الحال العراقي اليوم بعد الاحتلال الذي شرع قانونا وتسميه قواته العراقية تحالفا وتحريرا. جريدة الشارع العراقي تريد وطنا حرا ديمقراطيا يمتلك الإنسان فيه حقوقه وكرامته وثرواته ويعمل بأمن واطمئنان لمستقبله ويعيش بسلام في وطنه، وتظل هي الناطقة حقا بصوته رغم كثرة الصحف والأحزاب المشغولة بدوافعها ومصالحها البعيدة عن جريدة الشعب والشارع العراقي”.

إلى الأعلى