الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الإرهاب يحب إسرائيل

الإرهاب يحب إسرائيل

” .. داعش وجبهة النصرة ولواء الإسلام وأنصار الشريعة وأنصار بيت المقدس ومثيلاتها تزيد من عملياتها ضد مواطنيها، خاصة قوات الجيش والأمن، وجلهم من المسلمين ولا يتصور أحد أن هناك من يستفيد من ذلك اكثر من إسرائيل. لا غرو إذا أن تجد أميركا والغرب يصرون على ضرورة بقاء تيار الإسلام السياسي بل وإشراكه في الحكم في دول المنطقة.”
ــــــــــــــــــــــــــ
أحرجني زميلي “الخواجة” بتعليق مستفز لكنه حقيقي للأسف: ألا ترى أن الجهاديين الإسلاميين يقتلون من المسلمين أكثر مما يقتلون من الأجانب؟. لم أستطع الرد، ولا حتى بالمقولة الجدلية التي نرددها بأن هؤلاء الإرهابيين ليس لهم من الإسلام غير شعار يرفعونه ومظهر يخدعون به الناس، لكن تصرفاتهم لا تدل على إسلام وعلى أي احترام لتعاليم أي دين كان أرضي أو سماوي حتى. لكني سحبت ملاحظته الساخرة إلى ما هو أبعد، فالإرهابيون يقتلون من المسلمين أكثر من غيرهم، ليس هذا فقط بل إن القول بأن الإرهابيين في الأغلب سنة فيقتلون المسلمين من الشيعة أكثر ليس صحيحا فهم يقتلون من السنة أكثر. لكن المثير حقا ويحتاج إلى تدبر هو أن هؤلاء “الجهاديين” يستهدفون المسلمين من المغرب إلى العراق مرورا بكل دول المنطقة باستثناء إسرائيل!
الجماعة الارهابية التي اغتالت غدرا العشرات من قوات الجيش المصري (وأغلبهم مسلمون وعدد منهم من الأقباط) قبل أيام تسمي نفسها “أنصار بيت المقدس”، لكنها لم تستهدف صهيونيا واحدا ممن يدنسون بيت المقدس يوميا. هل هذه مصادفة؟، أم أن هؤلاء الذين يقتلون المسلمين في الجزائر وسوريا والعراق ولبنان وليبيا وتونس يعتقدون أنهم بذلك سيحررون القدس؟ أغلب الظن أنهم يعون ما يفعلون، وأنهم يستهدفون الإسلام والمسلمين وليس أعداءهم. وباستثناء الحركات الفدائية الفلسطينية التي ترفع راية إسلامية، كالجهاد وحماس، ليس هناك من كل الجماعات المسلحة المتسربلة بالإسلام من يحارب إسرائيل، أو حتى يعاديها دون حرب، إلا حزب الله اللبناني. ويعد حزب الله استثناء وحيدا لأن الفصائل الفلسطينية تنطلق من كونها فلسطيني بالأساس قبل تصنيفها الديني وهي تحارب الاحتلال الصهيوني ليس على أرضية أنه “يهودي” بل صهيوني اغتصب الأرض.
يزداد في الآونة الأخيرة هذا “الحب” بين جماعات الإرهاب واسرائيل، ويذكر الجميع كيف أن زعيم داعش حين اعلن “دولة الخلافة” في العراق وسوريا وسئل عن فلسطين قال إنها ليست على اجندة التنظيم وإنما هو يستهدف “الخوارج”، أي مسلمي العراق وسوريا الذين لا يبايعونه! لكن تركيز جماعات مسلحة تحمل صفة إسلامية على القتال في غير فلسطين يعود إلى بدايات صعود ما يسمى “المجاهدين” في باكستان وأفغانستان. وأذكر أن دار الحكمة (مجمع نقابات الأطباء) بالقاهرة والتي كان الإخوان يسيطرون على مجالسها كانت قبل أكثر من عقدين تستقطب الشباب ليتطوعوا للذهاب إلى أفغانستان وليس إلى فلسطين لتحرير الأقصى. كما كانت تجمع التبرعات لدعم القتال في سياق الهدف الاستراتيجي الأميركي ضد السوفييت في كابول وليس دعما لانتفاضة الفلسطينيين ضد الاحتلال الصهيوني. منذ ذلك الحين، يزداد هذا المنحى حتى كاد يصل إلى “حب الإرهاب لإسرائيل”. أما في السنوات الأخيرة فقد وصل الأمر إلى حد يكاد يكون أن جماعات الإرهاب إنما تحقق مصالح إسرائيل ـ وأميركا طبعا ـ وذلك بقتل المسلمين.
فداعش وجبهة النصرة ولواء الإسلام وأنصار الشريعة وأنصار بيت المقدس ومثيلاتها تزيد من عملياتها ضد مواطنيها، خاصة قوات الجيش والأمن، وجلهم من المسلمين ولا يتصور أحد أن هناك من يستفيد من ذلك اكثر من إسرائيل. لا غرو إذا أن تجد أميركا والغرب يصرون على ضرورة بقاء تيار الإسلام السياسي بل وإشراكه في الحكم في دول المنطقة. فهذا التيار ـ الموصوف خطأ بأنه “معتدل” ـ هو “الأب الروحي” لكل جماعات الإرهاب التي تحابي إسرائيل وتقتل من المسلمين أكثر مما يقتله أعداءهم منهم وأكثر مما تقتل من غيرهم. ويصعب الفصل بين الإرهاب المتسربل بالإسلام وذلك المتسربل باليهودية، وربما يكون ذلك أهم عامل في عوامل “الحب” المتبادل، خاصة في العامين أو الثلاثة الأخيرة. فمنذ بدأت إسرائيل الترويج لكونها “دولة يهودية”، والذي أقرته قانونا مؤخرا، والمبرر الجديد لبقائها في المنطقة هو أن يكون في مقابلها “دولة دينية” يوفرها حكم الإخوان في بعض دول الجوار (مصر وسوريا أساسا) أو دولة داعش الإرهابية التي لا تختلف ممارساتها كثيرا عن إرهاب الكيان الصهيوني ـ حتى في عنصريتها.
ولا يجادلن أحد بلغو الحديث والإنشاء الفارغ حول “الهدف النهائي للجهاد هو تحرير فلسطين”، إذ يبدو أن تلك الجماعات الإرهابية التكفيرية تريد القضاء على المسلمين وغيرهم من سكان المنطقة قبل تحقيق هذا الهدف الوهمي “كي لا ينسب أحد غيرها الفضل لنفسه في تحرير الأقصى”!!! فالعكس هو الصحيح على ما يبدو، إذ أن مواجهة الاحتلال تتطلب قوة وعافية لا يمكن أن تتوفر في دول المنطقة ما لم تتخلص من طاعون الإرهاب الذي يوهن عزمها وقوتها. وربما يكون صحيحا أن تبدأ حرب تحرير الأقصى بالتخلص من كل مبررات “الدولة اليهودية” ـ أي كل من يدعي دينا في السياسة، وأولهم وأهمهم الإخوان ـ ومن تلك الدمامل في الجسد العربي المسلم التي تفتك بأجزاء منه. ومرة أخرى، تقطع بهذا دابر كل من يساعد ويمول ويؤيد هذا الإرهاب بغرض تقوية إسرائيل كدولة دينية في وسط بحيرة من “العنف الديني” تكون هي واحة المنطقة.

د.أيمن مصطفى
كاتب صحفي عربي

إلى الأعلى