الجمعة 14 أغسطس 2020 م - ٢٤ ذي الحجة ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / في خضم المحنة والامتحان

في خضم المحنة والامتحان

علي عقلة عرسان

مَن يشكُّ في أننا لسنا في وهدة شديدة العمق من وهدات التخلف والخطر والاستهداف في تاريخنا المعاصر، لا يريد أن يعترف بالحقيقة ولا أن يواجهها، أو هو لا يعرف جيدا أين نحن وأين أصبحنا ولا يعنيه أن يعرف. وما لم نتخلص مِن الوَشب الكثير الطافي على السطح السياسي والثقافي والإعلامي والاجتماعي، ونضع حدا للغوغائيين والفاشلين والانتهازيين المدعين والمتطلعين إلى مسؤوليات ومواقع ومراتب من دون امتلاك أدنى مقومات الأهلية المعرفية والعلمية والأخلاقية والمهنية لشغلها.. وما لم نتخلص من نهج سياسات وتنظيمات تعمل بين ظهرانينا، بما لها من فكر ووسائل وأساليب هدامة وأدوات تخرب بحقد أو بجهل وغباء.. فإننا سنبقى نراوح في المكان أو نتحول من سيئٍ إلى أسوأ. فأولئك الذين تبذرهم وتفرضهم طوائف وأحزاب ومحاصصات وتنظيمات ومنظمات “داخلية وخارجية” ودول وقوى ذات مطامع، لكي يحكموا ويتحكموا ويعطلوا النهوض والتغيير الإيجابي بإلغائهم لفاعلية كلِّ كفء وخلوق ونظيف ومنتمٍ بوعي وإخلاص وثقة لوطنه وأمته.. بشل أدائه، وتحييده، وإنهاء وجوده، وتشويه صورته.. بسبب انتماء أو اعتقاد أو تفوق واقتدار أو كشفٍ لهم ولأساليبهم، أو لأخذ مكانه.. لن يتوقف تخريبهم لبنيتنا الاجتماعية واستهدافهم لهويتنا الوطنية ـ القومية، ونخرهم لمقومات وجودنا، وزلزلة الأسس والقواعد الناظمة لحضورنا..
وما لم نفعل، فإنه سيعوَّم الفساد والإفساد وتستشري الفوضى، ونبقى قيد التدمير والتعثير اللذين يضاعفهما إعلاء شأن الولاء والادعاء، واتباع نهج الاستقطاب والتبعية، واستمرار سياسات ملغَّمة بأمراض تخلق مناخ التطرف وتستهين بمعالجة أسبابه العميقة، وتتغاضى عن وسائل استئصال وجوده من الجذور بتغيير حقيقي يبدأ من الذات بنزع ما فيها من أمراض، ونزع ذلك وأشباهه مِن الممارسات والسياسات والتفكير والتدبير، بهدف الشفاء مِن أمراض تفتك بالبنى الاجتماعية وبالعلاقات والانتماء والروح الوطنية، واعتماد نهج مغاير للسائد يقوم على وعي معرفي وعقائدي وعلى عدل وخُلُقٍ ومساواة بين الناس، واحترام حقيقي ـ عملي للحقوق والحريات.
وإننا إذا لم نبادر إلى تغيير فعلي ينهي الأوضاع المأساوية الراهنة، ويتجاوز المعالجات السطحية للأمور، ويلغي التمويه على أهداف وأغراض مبطنة تغاير المعلن من أهداف وأغراضٍ وتنقضها.. فإنَّ مناخ الفتنة والفساد والإفساد والظلم والقتل والاقتتال، سيفرِّخ ويستشري ويستمر، وسيكرس عداءً بينيا وضعفا وطنيا وقوميا، وتبعية وموالاة للأجنبي، وتقرّبا من أعداء الأمة وتقريبا لهم لأغراض منها الاستقواء بهم وتحقيق غَلَبَة على الخصوم بمساعدتهم.. وعلى رأس أولئك الأعداء “الصهاينة والأميركيون الذين يحرثون في مجتمعنا العربي ويبذرون ويحصدون”، وسنرى من الشرور والنتائج السلبية علينا وعلى قضايانا كافة، في مختلف الصعد الداخلية والخارجية، ما لا يخطر لنا على بال.
إن من سدنة الوضع العربي السائد الآن، والمتردي بوضوح والمسكون بإمكانية المزيد من التردي والانهيار، ساسة ومسؤولين وتجار مبادئ وأزمات.. من يعودون بعد كل تغيير يقومون به أو يجبرون عليه إلى نهجهم القديم “نهج ساسة فاسدين مفسدين يستقطبون موالين وأدوات، أو إلى نهج طغاة وأتباع لهم من تجار الحروب والمبادئ والقيم، أو إلى استخدام البطش والقَتَلَة والغوغائيين الذين يكونون تحت الطلب، أو يحكمون بـ”تبعية” هي أقرب إلى ولاء “وفي بعض الحالات عمالات” لقوى ودول تستهدف الأمة العربية في كل قطر من أقطارها بكل أنواع الاستهداف، وفق خطة وبرامج خاصة بكل بلد، ويستعين أولئك بمثقفين وإعلاميون ورجال أعمال يكونون تحت الطلب، يجرون في الركاب خوفا وطمعا”..
إن هؤلاء السدنة لا يكفون عن القيام بدورهم التدميري، ولا يعنيهم أن يرتاح الناس في ظل عدل وأمن من جوع وخوف، وليس لهم اهتمام بالمسؤولية الأخلاقية والوطنية والقومية والإنسانية، ويستندون إلى قوة داخلية وخارجية، ويصبحون من ذوي الملاءة المالية، نتيجة النهب الذي أصبح سمة ملازمة لكثير من المسؤولين وأدواتهم والموالين لهم في أقطار وطننا العربي.. وكل ذلك يجعل أولئك وأدواتهم ومَن يولونهم يتجاوزون الشعب والقانون، ويسكِتون تنظيمات المجتمع الهشة أو المدخولة بولاء وهشاشة وغش أو يحيدونها.. ويصلون إلى الحكم والتحكّم من جديد ويحققون ما يريدون وما يُطْلَبُ منهم تحقيقه، ويتطهرون من آثامهم وجرائمهم بعد أن يغتسلوا من دماء الشهداء بماء ثقة الموالين والمحازبين والآمرين الاستعماريين، بأنواعهم وألوانهم ومشاربهم وأطماعهم ومصالحهم..
ومن أسف إن في أوساطنا الاجتماعية والإعلامية من يروج الأكاذيب بجهل، ومن يفعل ذلك نتيجة ولاء أو طمع، ومن يفعله وهو يعلم أنه يستهدف الوطن والشعب والأمة والحقيقة والمستقبل.. وأنه بذلك الفعل المُدان لا يراعي حقوق المواطن وأصول المواطنة وواجباتها، ولا يرعى مصلحة الوطن، ويعمل عملا مدانا بكل المقاييس.. وهناك منهم من تسوقه الموجة فينشر السّخام في كل موقع وبيت وكرم مورق مزهر مثمر ويجعله حطاما أو بلقعا، وهناك، وهناك، وهناك…
لقد آن لنا ألا نستهين بدور الساسة الفاسدين المفسدين، وبدور المتآمرين والجهلة والأدوات، وبمَن يعرضون أنفسهم بضائع في سوق السياسة وأسواق الكلام.. وهم في كثر هذه الظروف، ويكثرون في مجتمعاتنا وحياتنا السياسية والثقافية والإعلامية والاجتماعية نتيجة الفوضى والخراب.. وغالبا ما ينجحون فيدمرون البُناة والبنيان السليم، وحتى الأمل بإمكانية تغيير إيجابي، وبتغيير يبعث في الناس تفاؤلا وقدرة على الصبر والسعي نحو الأفضل..
وآن أن ندرك أن ما نحصده اليوم من دمار وقتل وفتنٍ وانهيارات في كثير من المدن والأقطار والساحات والمجالات، هو نتيجة لذلك الهزال والفساد والاستبداد الطويل الأمد الذي ما زال يتربع على مقاعد النفوذ ويتولى المسؤوليات، ويستولي على الثروات، ويتاجر بالأرواح، ويعمل في الظلام على نخر كل ما يقيم قوام الشعب والوطن والأمة والدين، وما يقيم قوام الإنسان الحر المسؤول المنتمي لأمته ووطنه بوعي واعتزاز ويجعله قادرا على أن يحترم الآخر الشريك في المواطَنة والقرار والمصير، ويحترم الشعب وإرادته ويسهم في رفع صوته وفرض إرادته ليقول “أنا هنا، وأنا الشعب السيد”، ويلتزم بالدستور وبالقوانين وبمبدأ تداول السلطة، ويبني الوطن ويحافظ على البنّائين فيه، ويرتفع درجات بالأوضاع والناس والهمم من خلال المعرفة والعلم والتقنية والأداء العصري البنّاء: “عقلانيا، وعلميا، وأخلاقيا، ومهنيا، وتقنيا”..
مما يؤسف له أننا ونحن في المحنة، نزداد استغراقا فيها وغرقا في عقابيلها، ولا نقارب وقائع وحقائق وأوضاعا وأسئلة في العمق بمسؤولية وآلية تخرجنا من الظلام إلى النور، ومن الضلال إلى الهدى، ومن التدمير والتخريب إلى البناء والإعمار.. ولا نقدم أجوبة على أسئلة تتصل بالحاضر والمستقبل، بالأجيال التي تعاني والآمال التي تنهار، وبالوجود والمصير. كلٌّ يشوِّه على هواه ويرى نفسه حاكما حكيما أو “إلها وشبه إله”، يحكُم ويتحكَّم ويفعل ما يلبي مطامعه وطموحاته ورؤاه وانتماءاته الضيقة وأمراضه الفردية والجماعية، أو ما يُطلب إليه فعله من آمر أو من وليّ نعمة وأمر، أو ما يتهيأ له أنه فلاح ويتمناه نجاحا بل يراه كذلك؟!
ومِن أسف أنه مَن يفتك أبشع، ويدمر أكثر، ويتعمشق أعلى، وينتهز أبرع، ويرتكب كما أكبر من المَفاسد أو الجرائم أو الجهالات.. يصبح عنتر الساحة، وبطل الأبطال، ومجد الأمجاد، وموضع ثقة، وصاحب رأي ونفوذ وسيف، وصانع قرار ومدبر مصير، وحامي حمى الوطن والناس.. ويَرى فيه عدوُّ الأمة حصان سبقٍ يراهن عليه.. بينما الناس من حوله يتآكلون ويؤكلون؟ ومِن عجب أن هذا الوضع إلى ازدهار في ظل غياب القاعدة السليمة الحاكِمة، والمنطق والمعيار السليمين، والقانون الحاكم وكل ما يحكم الأشخاص والأفعال والمؤسسات والدولة والحَكومَة.
إن مِن المسلم به أن الناس لا يمكن أن يحيوا حياة أقل تعاسة، أو حياة مقبولة، “كريمة نسبيا؟!”، إلا في ظل العدل والحرية والقانون والاحترام، وفي ظل سياسة رشيدة تأخذ بالعدل والقانون وتحرص على تنفيذهما، وترى أنها في خدمة الناس وليست سيفا مسلطا فوق رقابهم.. وهذا الثنائي الحيوي “العدل والاحترام من جهة، والحكم الرشيد من جهة أخرى”، لا يكاد يجد من ينصره ويقيمه ويديمه في أوطاننا.. وذاك أصل الداء ومنبع الكثير من الأدواء.
هاجسي وشاغلي ودافعي في هذه الأيام العصيبة الدَّم الذي يسيل من جراح أبناء الشعب العربي في أقطار عدة، وأولئك الناس الذين يملؤون الساحات في عواصم ومدن عربية منذ أشهر وينادون بالحق والعدل والحكم الراشد والحرية ولقمة العيش، وبالتخلص مِن الظلم والفساد والنهب والإفساد، ومِن تجار السياسة وتجار الأزمات.. وهاجسي الذين يطالبون بلقمة العيش وباسترداد ما سرق اللصوص من أموال الشعب ولقمة عيش الفقير.. فلا يلقون إلا عنتا ورصاصا واعتقالا؟! والذي يعرضهم لذلك لصٌّ فاسد وطاغية ظالم وعميل يبيع الوطن ويتاجر بالشعب.. وبيد مَن يعذبونهم ويقتلونهم؟! بيد آخرين من أبناء الشعب الذين يؤمرون فيطيعون الآمرين، أفراد من الشرطة والجيش، يضربون ويرهبون ويجرحون ويقتلون بأمر الآمرين، ومن بينهم مرضى بالعنف يجدون فرصة لإرواء عقدهم الإجرامية.. وتدور الدائرة بين فريقين من المحرومين المأكولين أبناء الشعب.. لصالح الحاكمين الظالمين والطغاة والفاسدين والعملاء والنَّهابين، وتجار الدم والنفط والسلاح والقيم والإنسان.
ودوافعي وهواجسي في هذه الأيام العصيبة: شعبي العربي في أقطار يعاني فيها الإنسان من الفقر والقهر والظلم والقتل و.. و.. شعبي الذي يرفع راياته وينادي بالعدالة وبمحاسبة الفاسدين والمفسدين، ويسعى خلف لقمة العيش.. يهتف، ويُحيِّي، ويُعيِّش، ويبكي على الشهداء والجرحى، ويندب أبناءه ودياره وأرضه ووطنه.. شعبي الذي ترتفع زغرودته وآهته معا مضمختان بالدمع والدم والأمل، وتتقطع أنفاسه وأوصاله فيقطِّع أنينُه نياطَ القلب.. شعبي الذي منه وفيه كل هذا لتناقضات والمتناقضات والتطلعات والبطولات والتضحيات والآمال، ويعيش أياما ليست كالأيام ليكسب أبناؤه أياما ليست كأيام آبائهم وأجدادهم.. شعبي الذي آمل أن تنتهي جولاته وتضحياته ونداءاته إلى رصلاح وفلاح وحرية ونجاح وأمن من جوع وخوف..
ومن هواجسي الدافعة أيضا لما قلت وأقول، ولما قصَّرت في تبيانه أو ضاق المجال عن جلائه ببيان قد أعود إليه: “حياة، وحضارة، وآثار، وتاريخ لأمة تستحق واقعا أفضل ومصيرا أفضل.. أمة تتعرض للتشويه بحملات ظالمة فيها لبعض أبنائها يد ونصيب مما يدخل في باب الغريب العجيب.. ربما لجهل أو لغرض، وربما بسبب ما لحق بهم وبانتمائهم وثقافتهم من عطب وضلال وتضليل سياسي وثقافي وإعلامي، أو بسبب ما رأوا ويرون من ممارسات وإحباط، أو بسبب انكسارهم أمام حملات أعداء الأمة العربية الذين يتظافرون عليها، ويوظفون من أبنائها ضعافَ أنفس أو حاقدين ينغل في داخلهم غل عليها لأسباب لا تغيب عن المتابع الأريب.. وأهجس بما سيخلّفه أولئك المعتدون الطامعون “من أميركيين مجرمين طامعين نهابين، وصهاينة عنصريين إرهابييين عشش الشر في أنفسهم والعداء للأمتين العربية والإسلامية مذ كانوا”، ومَن يواكبهم من الأوروبيين وغيرهم وغيرهم من الطامعين بنا وبأرضنا وخيراتنا، والمعادين لعروبتنا وإسلامنا.
إننا في خضم المحنة والامتحان.. ولن نفقد الأمل ولا لقدرة على النضال.. إلى أن تزول الغمة، وتنتصر الأمة بعون الله
واللهُ ولِيُّ الأمرِ وهو ولِيُّ التَّدبير.

إلى الأعلى