الثلاثاء 21 يناير 2020 م - ٢٥ جمادي الأولى١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / المصالحة الخليجية

المصالحة الخليجية

فوزي رمضان
صحفي مصري

ما بين الجهود العمانية والكويتية، وبين الضغط الأميركي لرأب الخلافات في البيت الخليجي، باتت كافة المؤشرات والمعطيات تبشر بقرب انفراجة للأزمة الخليجية، وتدفع بالمباحثات نحو المصالحة، وانتقلت الأزمة بالفعل من حالة الاستعصاء إلى واقع إحراز بعض التقدم. وفي نزاع الأشقاء قد يحدث اختلاف حاد في وجهات النظر، لكن قلما يصل إلى درجة العداء أو المواجهة.. فبالفعل يحدث الآن تفاوض نحو خروج ملائم لطرفي الأزمة في إطار الاحترام المتبادل، وتعظيم سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤون الغير.
بدت بادرة التقارب حين أعلنت منتخبات السعودية والإمارات والبحرين المشاركة في بطولة كأس الخليج لكرة القدم (خليجي24)، التي استضافتها دولة قطر، وشاهد الجميع طائرة المنتخب السعودي تهبط في مطار الدوحة، رغم حظر الطيران المباشر بين البلدين، كما شاهدوا عشرات الطائرات البحرينية تنقل آلاف المشجعين لمؤازرة فريقهم ضد فريق السعودية، حتى عودتهم بكأس البطولة، فيما يبدو أن الرياضة تصلح ما تفسده السياسة.
كانت الأزمة الخليجية قد استفحلت منذ يونيو 2017، عندما أعلنت دول الرباعي العربي (السعودية والإمارات والبحرين ومصر) مقاطعة قطر، متهمة قطر بدعم وتمويل الإرهاب وهذا ما نفته الدوحة، وكان على قطر تنفيذ 13 مطلبا، أهمها وقف دعم الجماعات الإرهابية وجماعة الإخوان المسلمين، وإغلاق قناة الجزيرة وتقليل التمثيل الدبلوماسي مع إيران. وعندما رفضت قطر الانصياع للمطالب ضرب عليها حصار حاد، أثر بالسلب على الاقتصاد الخليجي، حيث فقدت دول الحصار سوقا مترفا غنيا واستثمارات كبيرة، كما منيت قطر بخسائر في خطوط طيرانها، مع ارتفاع تكلفة استيراد السلع.
سعت أطراف الأزمة نحو فتح مسارات جديدة، ورغم المكابرة والتعنت وعدم التنازل، وإصرار كل طرف على موقفه، بدأ الجميع التفكير في الخروج من الأزمة بحفظ ماء الوجه وتقييم مدى الضرر من جميع الأطراف، حيث شكلت الأزمة ضربة كبرى لأمن دول الخليج، وسببت ضجرا شعبيا خليجيا من استمرارها.
جميع الأطراف تتمنى المصالحة، بالنسبة لقطر والتي تستعد لاستضافة بطولة كأس العالم 2022، كأول نسخة لهذه البطولة العالمية في الشرق الأوسط، لذا تسعى لتهيئة الأجواء مع دول الجوار لتوفير الدعم اللوجستي وحركة الطيران، وسهولة انتقال وإقامة الجماهير الغفيرة، كذلك السعودية والتي تسلمت بشكل رسمي رئاسة مجموعة العشرين من اليابان، وتستعد هي الأخرى لاستضافة قمة قادة مجموعة العشرين في الفترة من الـ21-22 من نوفمبر 2020، وطبقا لرؤية 2030 والتي أعلنتها الرياض فإنها منخرطة بشكل كبير في إصلاحات غير مسبوقة، في إطار سعيها تعزيز دورة جديدة للنمو الاقتصادي، وفي إطار ذلك ترغب في تهيئة الأوضاع مع جيرانها، وخصوصا قطر التي لا تملك سوى منفذ بري وحيد مع الرياض، وترغب هي الأخرى عودة العلاقات التجارية التي تسهم في إنعاش الاقتصاد.
أميركا ـ حيث مواجهة نشاط إيران في المنطقة ـ تسعى للضغط على كافة أطراف الأزمة الخليجية، والدفع بهم نحو المصالحة. فمايك بومبيو وزير الخارجية الأميركي قد دعا صراحة مجلس التعاون الخليجي إلى الوحدة في مواجهة إيران، كما قام السفير الأميركي في الرياض جوني أبي زيد بتنسيق الأمور بعيدا عن الأضواء، وفي شكل سري لتحقيق مصالحة خليجية ـ خليجية، وفقا لما يتداول في بعض وسائل الإعلام.
كذلك توجد وساطات تتواصل حتى الآن بين ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والرئيس المصري عبدالفتاح السيسي وأمير قطر الشيخ تميم آل ثاني لتقريب وجهات النظر، كما ترغب الإدارة الأميركية في عقد قمة مصالحة بكامب ديفيد مطلع العام المقبل يحضرها القادة الخليجيون.
الأمور في صعود نحو مرحلة متقدمة ـ رغم الكثير من العراقيل ـ فليس من مصلحة قطر تقديم تنازلات كبيرة، خصوصا علاقتها بإيران حيث إنها ملتزمة بعلاقة حسن الجوار مع طهران مثل احتفاظ كل دول الخليج بعلاقات متوازنة مع إيران، التي تسعى هي الأخرى لإيجاد مخرج للمصالحة الخليجية، ربما لتحقيق هدفها في مشروع هرمز للأمن والاستقرار والتعاون الخليجي، وقد ترفض قطر أيضا ـ حال المصالحة ـ تفكيك القاعدة التركية على أرضها، في إطار ترسيم سياستها الخارجية، والبحث عن حماية من طرف آخر، بعد تجربة الحصار التي لن تنساها مطلقا.
مصر كطرف في الصراع، وتتشابك مع الدوحة في حرب باردة لاختلاف الرؤى السياسية، تترقب هي الأخرى نتائج الوساطة وخيوط المصالحة، وتخشى القاهرة أن تعود الدوحة للحضن الخليجي دون تحقيق مطالب مصر، خصوصا استضافتها ودعمها لجماعة الإخوان المسلمين، والتي تصنفها مصر جماعة إرهابية، ودون إحراز تقدم في توقف قناة الجزيرة القطرية عن بث ما تصفه القاهرة بالخطاب العدائي لمصر، ورغم تلك العراقيل يرى المراقبون في قمة الرياض المنعقدة حاليا، والتي تشكل منعطفا مهما يستعيد الحيوية للعلاقات الخليجية، كل المؤشرات باتت تدل على أن المصالحة وشيكة، وفرصها تتضاعف، فقط تهيئة الأجواء وتنقية النفوس بين الأشقاء.

إلى الأعلى