الأحد 9 أغسطس 2020 م - ١٩ ذي الحجة ١٤٤١ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / اختيار الحرف ودوره في المعنى القرآني (قراءة في بعض آيِ الذكر الحكيم) (2)

اختيار الحرف ودوره في المعنى القرآني (قراءة في بعض آيِ الذكر الحكيم) (2)

.. والواضح هنا استعمال حرف الشين على وجه الخصوص حيث التفشي، والانتشار، واستعمال الفاء الحارقة التي تخرج سريعة ساخنةً من بين الشفتين، كأنما هي سيف بتَّار، وقذيفة مدفع، أو دانة دبابة، أو رصاصة رشاش، وتأتي الشين لتضفي على القوة جانبًا آخر، حيث تُبرِز حجم التشريد، وكيف قُطِّعَ الجسد إرباً إرباً، وفُرِّق في كل مكان من أرض المعركة، وكيف انتشرت الأجساد قطعاً صغيرة في كل محل، وانتشرت في الأجواء رائحة الموت، وتناثر الجثث يملأ أرض الميدان، وتطاير الرؤوس، والأيادي، والأكف، بحيث انتشرت وتفشت تفشي الشين في نطقها.
وحيث العويل والصراخ، والنحيب والفرار، والضرب والحرب، والكر والفر، وصليل السيوف، وصهيل الخيول، وآهات الجرحى، وصراخ مَنْ تخرج روحه منهم، وضرْب سنابكها في الرغام، وتعالِي وارتفاع التراب في كل مكان، وانتشاره في أرض المعركة، وكلّهم مشغولٌ بنفسه، وكل كافر يلوذ بما يحميه، أو يطلق سيقانه للريح، يأسف على اليوم الذي وُلِدَ فيه، وعلى الظرف الذي جعله يدخل هذا الأتون المضطرم المتلاطم بألوان الحزن والخوف والأسى، حيث يأتيه الموت من كل مكان، ويتوقع تطاير رأسه في أي لحظة، وحيث عرف الكفار بأس وقوة أهل الإسلام.
فالشين حرف انتشار، يناسب سياق الضرب، وتطاير الرؤوس، والأعضاء، والأرجل، والأعين، وبقْر البطون، وتقطيع الأطراف، وتمزيق الأجساد، وانتشار الموت في كل زاوية بيانًا للناس، وتوضيحاً للقوة الحقيقية، حتى يرعوي من تسوِّل له نفسه أن يقترب من دينِ الإسلام بأي إساءة، حيث هي هضبة الأسود، وكل جندي من جنود المسلمين لسان حاله يقول:(لنا هضبة لا يدخل الذل وسطها)، و(نحن نبتغي الصيد في عِرِّيسَة الأسد)، و(نحننلقم كفار أهلكل زمان درسًا لا ينسونه، مع مرِّ الدهور، وكَرِّ العصور)، عملت الشين هنا عملها، وبيَّنَتْ بأس المسلم عند لقاء العدو، حيث انتشار وترامي جسده في كل مكان أسِفا على أن لاقى مسلمًا، يريد الشهادة في سبيل الله، ويرغب في الجنة، يقول كما قال سلفه: (ركضا إلى الله بغير زاد إلا التقى وعمل المعاد)، وقول الآخر في تمرات كان يأكلها قبل المعركة، فألقى بها، وقال:(لئن أنا انتظرت حتى آكلها، إنها لحياة طويلة)، ثم ألقى بها، وطار إلى أرض المعركة، يقاتل، ويقاتل، فيُقتَل، فيدخل الجنة مساء يومه، فيأكل تمراته مع الحور العين،في الجنان السبع، وتحت ظل الله، ونعمه، ووارف رحمته، وفي ضيافة رب كريم، وفي جنَّات إله عظيم.

د.جمال عبدالعزيز أحمد
كلية دار العلوم بجامعة القاهرة بجمهورية مصر العربية
Drgamal2020@hotmail.com

إلى الأعلى