الأحد 9 أغسطس 2020 م - ١٩ ذي الحجة ١٤٤١ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / أصول التفسير .. تعريفه ومعالمه (3)

أصول التفسير .. تعريفه ومعالمه (3)

في رحاب تفسير الرسول للقرآن:
..هذا ولم يفسر الرسول (صلى الله عليه وسلم) القرآن الكريم، وإنما فسر بعضه، وترك تفسير الآخر للمسلمين وفي ذلك سعة رحمة الله علينا، كما أن الصحابة لا يعرفون مثلاً الآيات الكونية لأن العلم بها هي فوق طاقتهم حسب إمكانياتهم المتوفرة ـ آنذاك، ويضاف إلى ذلك أن الصحابة كانوا يعرفون معاني القرآن الكريم معرفة فلقد عايشوا تنزلاته, وعرفوا مناسباته، وكانوا يتحاشون تفسير ما لا يعرفون خوفاً من الله سبحانه وتعالى، وكان علمهم بتفسير القرآن الكريم كفاية لهم، ويضاف إلى ذلك إنهم كانوا يسألون النبي (صلى الله عليه وسلم) عن الآيات الغامضة لديهم، ومن جانب آخر إن الصحابة كانوا يعتمدون على التلقي وجهاً بوجه لا على الكتابة مما هي شائعة في زماننا هذا.
والدليل على أن النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ بيّن معاني القرآن كما بين ألفاظه من سور وآيات، قوله سبحانه وتعالى:(وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (النحل ـ 44).
فالذكر هو القرآن، وبيانه يكون بالسنة أو يكون ببعضه على بعض.
ومعلوم أن ألفاظ القرآن متواترة إجماعاً، أما المعاني والدلالات فمختلف فيها، وبما إن القرآن منزه عن الاختلاف فيه، كان هذا الاختلاف اختلاف تنوع لا تضاد، وذلك راجع إلى أفهام المفسرين المختلفة، فقد يلحظ هذا فيه ما لا يلحظه الآخر، والعكس صحيح وكذلك راجع إلى الاختلاف في تخريج الأحاديث الشريفة مختلفة، فقد يصح الحديث عند بعض دون الآخر, وصدق الله تعالى إذ يقول:(أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) (النساء ـ 82).
وهذا الاختلاف التنوعي صنفان:
1) هو اختلاف الأسماء للمسمى الواحد، ومثال اسماء الله تعالى، فمثلاً معنى صفة الكريم غير معنى صفة العليم، لكن جميعها تجتمع في وصف ذات الله تعالى وصفاته هي عين ذاته، وتكون لتقرير الكمال ونفي النقائص.
2) ذكر بعض أنواع الاسم العام على سبيل التمثيل لا على سبيل الحد، أن يقال المتقي وهو اسم عام، هو من يصلي الصلاة في وقتها، وهو من يصوم رمضان محافظاً على حرماته, وهو من يحج بيت الله الحرام آتياً بمناسكه, وهو من يزكي ماله طلباً لرضوان الله، إذاً يصدق كل نوع من هذه الأنواع كمثال على المتقي، دون تعارض بينها.
ولا يوجد حرف زائد في القرآن الكريم، فإن حلّ حرف مكان حرف اعطى معنى آخراً أو زائداً لا يتقوم في الحرف الأول, فمثلاً قوله تعالى:(قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) (ص ـ 24)، حيث اشتكى الأخ ذا النعجة الواحدة من أخيه ذا التسع والتسعين نعجة، لسؤاله إياه بضم نعجته إلى نعاجه، ولم يعبر بـ(مع) بل عبر بـ(إلى) لأن هذا الحرف يفيد ويتضمن ضم نعجته وجمعها إلى نعاجه، وهو المقصود بالسؤال، ولو قال (مع نعاجه) لاحتمل أن يسأله نعجته مع نعاجه.

علي بن سالم الرواحي

إلى الأعلى