الإثنين 20 يناير 2020 م - ٢٤ جمادي الأولى١٤٤١ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / بين مخافتين (2)

بين مخافتين (2)

تكلمنا في الحلقة الماضية ـ إخوة الإسلام والإيمان ـ عن الإنسان وهو في حاضره يفكر في ماضيه ومستقبله، هل كان فيما مضى من الطائعين أم كان من العاصين الغافلين؟ وهو في نفس الوقت هل كتب الله تعالى له أن يكون ممن حسنت لهم الخاتمة؟ ـ نسأل الله تعالى أن نكون جميعاً ممن حسنت لهم الخاتمة ـ فيكون عند موته من الصالحين، أم أنه سيموت على غير هذا؟ ـ عياذاً بالله تعالى ـ فيكون من العاصين؟، والعبرة ـ إخوة الإيمان ـ حقيقة بالخواتيم، يقول الزمخشري في (الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل 4/ 515) لما نزلت هذه الآيات: تشدّد المؤمنون في عداوة آبائهم وأبنائهم وجميع أقربائهم من المشركين ومقاطعتهم، فلما رأى الله عزوجل منهم الجدّ والصبر على الوجه الشديد وطول التمني للسبب الذي يبيح لهم الموالاة والمواصلة: رحمهم فوعدهم تيسير ما تمنوه، فلما يسر فتح مكة أظفرهم الله بأمنيتهم، فأسلم قومهم، وتمّ بينهم من التحاب والتصافي .. ، فحلت المحبة بدلا من العداوة، وتمكن الإيمان من قلوب أعداء الله تعالى فكانوا من أهل الإيمان والدفاء عن دين الله تعالى، بعد أن كانوا يحاربونه، وأصبحوا أولياءه بعد أن كانوا أعداءه، وانظروا إلى الذي أعطاه الله تعالى آياته، ولكنه انسلخ منها، بعد أن كان قاب قوسين من الطاعة ثم انحسر عنها، وغلب عليه شيطانه، ومن أجمل جاء تفسير ذلك ما قاله الإمام الشعراوي في خواطره (تفسير الشعراوي 7/ 4454) قال: إنه قد قيل في:(ابن بعوراء) أوأمية بن أبي الصلت، أو عامر الراهب، أو هو واحد من هؤلاء، والمهم ليس اسمه، المهم أنّ إنساناً آتاه الله آياته ثم انسلخ من الآيات، فبدلاً من أن ينتفع بها صيانة لنفسه، وتقرباً إلى ربه “فانسلخ مِنْهَا”، واتبع هواه ومال إلى الشيطان، وكلمة (انسلخ) دليل على أن الآيات محيطة بالإنسان إحاطة قوية لدرجة أنها تحتاج جبروت معصية لينسلخ الإنسان منها، لأن الأصل في السلخ إزاحة جلد الشاة عنها، فكأن ربنا يوضح أنه سبحانه وتعالى أعطى الإنسان الآيات فانسلخ منها، وهذا يعني أن الآيات تحيط بالإنسان كما يحيط الجلد بالجسم ليحفظ الكيان العام للإنسان، وجعل الله التكاليف الإيمانية صيانة للإنسان، ولذلك سمي الخارج عن منهج الله (فاسقاً) مثله مثل الرطبة من البلح، فبعد أن تضر بالشمس البلحة يتبخر منها بعض من الماء، فتنكمش ثمرة البلحة داخل قشرتها وتظهر الرطبة من القشرة، ولذلك سمي الخارج عن المنهج (فاسقاً) من فسوق الرطبة عن قشرتها، والله عَزَّوَجَلَّ يقول هنا:(ءَاتَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا)، وكان يجب ألايغفل عنها، لأن الإتيان نعمة جاءت ليحافظ الإنسان عليها، لكن الإنسان انسلخ من الآيات، وإذا انسلخ من آتاه خبر الإيمان عن المنهج يقول الشيطان: إنه يصلح لأن يتبعني، وكأن الشيطان حين يجد واحداً فيه أمل، فهو يجري وراءه مخافة أن يرجع إلى ما أتاه الله من الكتاب الحامل للمنهج، ويزكي الشيطان في نفس هذا الإنسان مسألة الخروج عن منهج ربنا، وقلنا من قبل: إن المعاصي تأتي مرة من شهوة النفس، ومرة من تزيين الشيطان وأوضحنا الفارق، وقلنا: إن الشيطان لايجرؤ عليك إلا إن أوضحت للشيطان سلوك كأن له أملاً فيك، لكن إن اهتديت وأصلحت من حالك فالشيطان يوسوس للإنسان في الطاعة ويحاول أن يكرهه فيها، والشيطان لا يذهب ـ مثلاً ـ إلى الخمارة، بل يقعد عند الصراط المستقيم ليرى جماعة الناس التي تتجه إلى الخير، أما الآخرون فنفوسهم.
إذن فالشيطان ساعة يرى واحداً بدأ في الغفلة عن الآيات فهو يلاحقه مخافة أن تستهويه الآيات ثانية، ولذلك لابد لنا أن نفرق بين الدافع إلى المعصية هل هو من النفس أم من نزغ الشيطان، فإن جاءت المعصية وحدثتك نفسك بأن تفعلها ثم عزت عليك تلك المعصية لأي ظرف طارئ ثم ألحت عليها ذاتها مرة ثانية، فاعلم أنها شهوة نفسك. لكن إن عزت عليك ثم فكرت في معصية ثانية فهذا من نزغ الشيطان لأن الشيطان لايريدك عاصياً بمعصية مخصوصة، بل يريدك بعيداً عن المنهج فقط، لكن النفس تريد معصية بعينها وتقف عندها، فإن رأيت معصية وقفت عندها نفسك، فاعلم أنها من نفسك، وإن امتنعت عليك معصية وتركتها، ثم فكرت في معصية ثانية، فهذا نزغ من الشيطان، ويقول الحق:(.. فَأَتْبَعَهُ الشيطان فَكَانَ مِنَ الغاوين) (الأعراف ـ 175)،الغاوي والغَوِيّ: هو من يضل عن الطريق وهو الممعن في الضلال، ونعلم أن الهدى هو الطريق الموصل للغاية، ومن يشذ عن الطريق الموصل للغاية يضل أو يتوه في الصحراء، وهو الذي يُسمى (الغاوي)، وما دام من الغاوين عن منهج الله فالفساد ينشأ منه لأنه فسد في نفسه ويفْسد غيره، وهنا أمران اثنان، الرفعة: وهو العلو والتسامي، ويأتي بعدها الأمر الثاني وهو الإخلاد إلى الأرض أي إلى التسفل، والفعل ان منسوب ان لفاعلين مختلفين، (وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ)، والفعل رفع هنا مسند لله، ولكنه اختار أن يخلد في الأرض. وجاء الأمر كذلك لأن الرفعة من المعقول أن تنسب لله، لكن التسفل لا يصح أن يُنسب لله، وكانك لفعله وبأمر صاحب الكون. وربنا هنا يرفع من يسير على المنهج، وحين يقول الحق تبارك وتعالى:(وَلَوْ شِئْنَا) أي: أنها مشيئتنا.
فلو أردنا أن نرفعه كانت المشيئة صالحة، لكن هذا الأمر ينقض الاختيار، والحق يريد أن يُبقَي للإنسان الاختيار، فإن اختار الصواب فأهلاً به وجزاؤه الجنة، وإن أراد الضلال فلسوف يَلْقى العذاب الحق .. (انتهى كلامه رحمه الله وهو مختصر)، وفعلاً إخوة الهدى والصلاح وحقاً فإن العبرة بالخواتيم، تأملوا معي هذا الحديث الشريف عَن الأَعْمَشِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، قَالَ عَبْدُاللَّهِ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وَهُوَ الصَّادِقُ المَصْدُوقُ، قَالَ:(إِنّ أَحَدَكُم يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِيبَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْل ذَلِكَ، ثُمّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْل ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ مَلَكًا فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، وَيُقَالُ لَهُ: اكْتُبْ عَمَلَهُ، وَرِزْقَهُ، وَأَجَلَهُ، وَشَقِيٌّ أوْ سَعِيدٌ، ثُمّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ، فَإِنّ الرَّجُلَ مِنْكُمْ لَيَعْمَلُ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجَنَّةِ إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ كِتَابُهُ، فَيَعْمَل بِعَمَلِ أَهْل النَّارِ، وَيَعْمَلُ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّار إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ، فَيَعْمَل بِعَمَلِ أَهْل الجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا) (صحيح البخاري 4/ 111)، (صحيح مسلم 4/ 2036)، وغيرهما، فإن كنت ممن يظن أنه كان عاصياً فيما مضى، أغفلت قبله ملذات الدنيا وشهواتها، وغرق في بحرها الجارف، خاصة ونحن في مفاتن لا تنتهي، وتتجدد كلما عف الزمن على القديم منها، نسأل الله العافية ـ فلم لا تتدارك ما فاتك، وتجمع شتاتك، تستغفر ربك عما بدر منك فيما مضى، سائلاً إياه أن يجعلك من الطائعين فيما بقي من عمرك، فما هي الأمور البتي يمكن لك أن تفعلها حتى تستطيع أن تكون من الذين يمحو الله تعالى عنهم سيئاتهم فيما مضى من أعمارهم، اسمحوا لي أحبتي الكرام أن نستأنف هذا الجانب الهام من موضوعنا إلى الحلقة القادمة .. وإلى ذلك اللقاء أقول لكم ما كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بقوله: عن عبدِاللَّهِ بنِ يزيدَ الخَطْمِيّ قَالَ: كَان رسولُ اللَّه (صلى الله عليه وسلم):(إِذا أَرَادَ أَنْ يُوَدِّعَ الجَيْشَ قالَ: أَسْتَوْدِعُ اللَّهَ دِينَكُمْ، وَأَمَانَتكُم، وَخَوَاتِيمَ أَعمَالِكُمْ) (حديثٌ صحيحٌ)، رواه أبُوداود وغيرُه بإِسنادٍ صحيحٍ.

محمود عدلي الشريف
ma.alsharif78@gmail.com

إلى الأعلى