الإثنين 20 يناير 2020 م - ٢٤ جمادي الأولى١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / أنديرا غاندي.. الفحص الجراحي

أنديرا غاندي.. الفحص الجراحي

عادل سعد

يظل العمل بشروط المسؤولية الدقيقة واحدا من أهم المتطلبات اللازمة في أي نشاط من النشاطات مهما تعددت، وإذا كانت يد الطبيب الجراح تقتضي إمساك المشرط بالمزيد من الخبرة فإن الحال يتطلب الموقف نفسه في الأعمال الأخرى، إذا أخذنا بالتوصيف الذي يرى أن مفردات براعة الجراح تصلح للتعميم أصلا لأنها تقوم على التشخيص والاستئصال والتأسيس والمواءمة، ويحضرني هنا ما نقل عن المنهج الذي كانت تعتمده الراحلة أنديرا غاندي رئيسة الوزراء الأسبق في الهند ضمن تناولها ملفات بلدها الاقتصادية، إذ يلتقي الخبراء على أن ما أسسته تلك الرئيسة المبجلة في هذا المضمار صار القاعدة الأساسية للتطورات اللاحقة التي حصلت للهند من نشوء تنموي استحقت به أن تتحول إلى إحدى ركائز دول البريكس.
الحال أن المنهج الذي سارت عليه الراحلة غاندي يصلح قاعدة للاقتداء في أكثر من مرفق اقتصادي واحد لدول أخرى بعد أن ضاقت السبل، واستشرى التسطيح وتكاثر سقوط العديد من المشاريع لأن الأساس الذي ارتكزت عليه كان هشا.
لقد اعتادت أن لا تتخذ قرارا ملزما في أي شأن من شؤون الإنماء الاقتصادي إلا بعد المرور بمحطتين، الأولى تقوم على دعوة اختصاصيين بجلسة مفتوحة لمناقشة الشأن الذي رسا عليه الاهتمام وتترك للحاضرين الحوار والتداول دون أي تدخل منها مكتفية بمهمة الإصغاء لجميع ما يدون في الجلسة من مناقشات، وفي المحطة الثانية تعيد الإصغاء لما طرح بصحبة أخلص مستشاريها، حيث يتم استئصال الطارئ وغير ذي فائدة مبقيةً تحت يدها على (الخلاصة) التي تتحول إلى مشروع جاهز للتنفيذ بكلفة مالية معينة، واحتمالات إخفاق ونجاح لكي يكون المكلف به على بينة كاملة مع وجود هوامش تحسّب للتسويق وللحالات الطارئة والنتائج المخيبة للآمال، وهكذا تؤسس لفرصة الكفاءة وتصونها باعتبارها (يد الثروة) ومفتاح النمو المتوازن.
الحال أن غاندي كانت تعمل بالنصيحة الإنجليزية المعروفة (قس مرتين لكي تقطع مرة واحدة) أكثر من الإنجليز أنفسهم، الذين ما زالوا تائهين حتى اللحظة بين مجاهل الاتحاد الأوروبي ومطالب الأيرلنديين.
الطريف المر أنني أشرت إلى منهج سيدة الهند في أكثر من مناسبة واحدة خلال لقاءات عن التنمية دون أن أعثر على عينة عراقية واحدة تستحق الإشادة، وبرغم أني أشعر بين الحين والآخر أن هذا المنهج يتطلب ترفا زمنيا ما، إلا أن قناعتي النهائية تلزمني بأن المواظبة وجدية الحسم توفر الوقت المطلوب، وأن الساعة البيولوجية جديرة باحتواء الموقف، ولكن من أين نأتي بهذا الحرص وسط المداومة على التجريب والحرق العشوائي للمراحل تحت ذريعة اللحاق بركاب الدول الأخرى؟
هناك الآن في العراق العشرات، بل المئات من المشاريع المتلكئة نتيجة الحسابات الخاطئة ونقص التقديرات وتدويرها لتكون بخدمة الفاسدين، وإذا أضفنا لها المشاريع التي أكلها التفسخ يكون العدد بحجم الكارثة. كما يتم اللجوء إلى مشاريع بطبعة آنية تنفيذا لسياسات إرضائية ليس لها من منافع إلا التسوية الوقتية لإسكات مطالبات وعندها تتحول الحكومات إلى مجرد موزعي إعانات في متوالية من الفعل وردود الفعل على حساب البناء التنموي الاستراتيجي مما يضع البلاد أمام احتمالات استنفاد الموارد والاحتياطيات النقدية، إحدى أخطر حالات الانكشاف الاقتصادي.

إلى الأعلى