Alwatan Newspaper

اضغط '.$print_text.'هنا للطباعة

أشكال الجوع المختلفة

د. أحمد مصطفى أحمد:
بدأت موجة الاحتجاجات الشعبية في الدول العربية عام 2011 من تونس بشخص أشعل النار في نفسه احتجاجا على إهانة موظفة البلدية له وسلبه مصدر رزقه البسيط. ورغم أن الاحتجاجات تلتها في مصر غضبا من ممارسات الشرطة بحق المواطنين، إلا أن الزخم الذي جعل من الاحتجاجات حركة شعبية تجبر نظام الحكم على ترك السلطة جاء من قطاعات واسعة من الجماهير التي تعاني من صعوبة الظروف المعيشية في ظل فساد منتشر. لكن ظلت الاحتجاجات في تلك الفترة ذات دوافع عبارة عن مزيج من الجوع الاقتصادي إلى الجوع للحريات والعدالة. وكان شعار “عيش، حرية، كرامة، إنسانية” يعبر عن جوع المحتجين لتلك العناصر ـ وفي مقدمتها الخبز طبعا، الجوع الأصلي.
تلك الموجة الأولى من الانتفاض والاحتجاجات الشعبية بدأت تعبيرا عن أنواع مختلفة من الجوع: للخبز والعدل والحقوق الإنسانية الأساسية. هكذا كانت في تونس ومصر، وحتى في بدايتها في سوريا وليبيا واليمن قبل أن تتحول إلى عملية تدمير ذاتي وتدخل خارجي ونار ودم ودمار. أما الموجة الجديدة من الاحتجاجات التي بدأت في الجزائر والسودان ثم اتسعت لتشمل العراق ولبنان فدوافعها الجوع للخبز طبعا قبل كل شيء وأيضا الانعتاق من الفساد والمحسوبية التي دمرت البلاد. ولعل في العراق ولبنان هناك جوعا مختلف الشكل، هو الجوع لحكم القانون وتساوي الجميع أمامه دون حظوة من طائفة أو مذهب. إنما يظل الجوع الأساسي، الجوع للخبز وضرورات الحياة الأساسية، هو الجذر الأهم. وربما يشترك العراق والجزائر في كارثة تزيد من ألم هذا الجوع، وهما بلدان غنيان بمصادر الطاقة (النفط في العراق والغاز في الجزائر) مع ذلك لا يجد الملايين في البلدين قوت يومهم إلا بشق الأنفس ويهاجرون ويتشردون بينما حفنة من الانتهازيين يكدسون المليارات من ثروات بلدهم.
حتى لبنان، الذي كان دوما غنيا بعائدات السياحة والتجارة والصيرفة وتحويلات ثروته الأساسية من بشر يعملون في المهاجر بمهارة عالية فقد تلك الميزات بسبب حكامه المتتالين وفساد المتنفذين. ربما يضاف شكل آخر من أشكال الجوع في لبنان والعراق وهو الجوع للتحرر من التدخل الخارجي (ليس فقط من طرف واحد وإنما من أطراف عدة إقليمية ودولية). لكن الحافز الطاغي للاحتجاج يبقى هو الجوع الاقتصادي من الجزائر إلى العراق مرورا بلبنان. مشكلة هذه الاحتجاجات الآن أنها تأتي في وقت يشهد فيه العالم ضغطا اقتصاديا وصراعات بين الكبار تجعلهم غير عابئين بجوع الآخرين، ويكاد لسان حال العالم يقول “يا أخي كلنا جعانين”. ففي الموجة الأولى من الاحتجاجات كان العالم مهتما، وكانت القوى الدولية والإقليمية مستعدة لسد رمق الجوع (بكل أشكاله) لتحقيق أهدافها الاستراتيجية. وربما أيضا لأن تلك الموجة السابقة كان فيها تنظيم الإخوان الذي يحرص البعض على دعمه وآخرون على الحد من خطره. وفي حالات مثل هذه يستفيد الجميع من هذا التنافس، حتى غير المدعوين لحفلات الكبار.
أما في وقت تدار فيه الحروب والصراعات بالضغط الاقتصادي والعقوبات فلن يكون صراخ الجوع سوى “صوت طبيعي” للمعارك دون أن يثير أي تعاطف من أي طرف. ثم إن هؤلاء الفاسدين المستفيدين لا يمكن أن يتنازلوا عن شيء وإلا أدانوا أنفسهم، هذا إذا كان يمكن لأمثالهم أن “يعطي” ولو من باب الحد من غضب الجوع. وإذا كان لدى أبناء العراق والجزائر فرصة ـ ولو ضئيلة ـ لإعادة استخدام ثروات بلادهم النفطية والغازية للقضاء على الجوع بمختلف أشكاله، فإن لبنان يصعب عليه استعادة مصادر ثروته بسهولة وكلها تتعلق بالبشر أكثر منها بمواد أولية في باطن الأرض. صحيح أن شركات دولية تنتظر من تتفق معه في لبنان للبدء في استغلال ثرواته البحرية ـ خصوصا الغاز ـ لكن ذلك أيضا مرهون باستقرار أوضاع البلد وتفاهمات حول الحدود البحرية. والمصيبة أن هذه الكعكة (التي لم تخبز بعد) محط أنظار الفاسدين من قيادات ومتنفذين. وكأنهم يريدون سلب الجوعى ما يمكن أن تهبه الطبيعة لهم.
لدينا إذًا في منطقتنا ثلاثة نماذج رئيسية لانتفاضات الجوع (بأشكاله المختلفة) حسب المآلات التي أوصلت إليها بلدانها أو يتوقع أن توصلها إليها. النموذج الأول هو بلدان سدت جزئيا شكلا أو آخر من أشكال الجوع وما زالت تناضل لسد أخرى حسب أولويات ليست بالضرورة متفقا عليها من الجميع. والنموذج الثاني، وهو أيضا من الموجة الأولى للاحتجاجات، يعاني زيادة مطردة في كل أشكال الجوع، بل وأضيف إليه العطش من سيلان الدماء ونيران الحريق وحتى الجوع للهواء مع كثافة غبار الدمار. والنموذج الثالث الذي لم ينتهِ بعد إلى مآل، يخشى أن يكون خليطا من النموذجين الآخرين فلا يسد فيه شكل من أشكال الجوع إلا وتزيد حدة شكل آخر أو يضاف شكل جديد من أشكال الجوع.
مع أن من طبعي التفاؤل دوما، واعتبار التغيير أمرا إيجابيا، فضلا عن أنه “سنة الحياة”، إلا أن مستقبل الأوضاع في العراق ولبنان لا يشجع على التفاؤل رغم كل سيمفونيات الحماس من خارج البلدين لما يجري فيهما ـ في الأغلب لاعتبارات لا علاقة لها بالجوعى أنفسهم ولا بأشكال جوعهم.


تاريخ النشر: 12 ديسمبر,2019

المقالة مطبوعة من جريدة الوطن : http://alwatan.com

رابط المقالة الأصلية: http://alwatan.com/details/363735

جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الوطن © 2014