الجمعة 14 أغسطس 2020 م - ٢٤ ذي الحجة ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / إشراقات عمانية

إشراقات عمانية

سعود بن علي الحارثي

الخامس والعشرون: الماضي والحاضر علاقة صراع أم تكامل؟
الماضي والحاضر، القديم والجديد، صراع أبدي لن ينتهي ما دامت عجلة الزمن تدور، وما فتئ المستقبل يحل محل الحاضر، والحاضر يتحول إلى ماض، والدقائق والساعات محملة بالجديد من الأحداث والمفاجآت والتحولات، غنية بالتجارب والدروس والإنجازات التي يحققها الإنسان، فالأيام دول كما يقال تقضي على حضارات وتحل أخرى على أنقاض تلك، تبيد دول وتنشأ أخرى، تستفيد الثانية من دروس وتجارب الأولى وتبني عليها وتكمل نواقصها، (الحضارات المعاصرة، والحضارات الضاربة في الماضي، والحضارات المقبلة ما هي إلا عناصر للملحمة الإنسانية منذ فجر القرون إلى نهاية الزمن)، تندثر لغات وتظهر أخرى، يموت أناس ويولد آخرون، تتلاشى أنماط وسلوكيات وقناعات وممارسات وعقائد وأفكار لتستبدلها الأيام بمدارس ومناهج ورؤى تعبر عن تطور البشرية وحركتها المتفاعلة مع الزمن، الحاضر ساحة الصراع والإنسان محوره والمحرك لعناصره وأدواته والمثير لحواراته وحججه وأسانيده، فالحاضر يستمد جذوره من الماضي، وأحداث هذا الحاضر بدأت بالأمس الذي ودعناه، وتتواصل اليوم وقد تنتهي في الغد، لتصبح مادة دسمة ومجالا خصبا يبحث فيها المؤرخون وينقب الباحثون في صفحاتها لاستخلاص القراءات والمؤشرات والنتائج والبناء عليها وتقديم إجابات ومقارنات ومسببات وروابط تدل وتجيب وتبرر وتعرض لأحداث الحاضر. يرتبط الماضي بالأصالة، فهل كل الماضي يعبر عن الأصالة والخير والقيم السامية؟ لماذا دائما نراه بهذه النظرة الإيجابية المشرقة الجميلة؟ هل هو تقييم نابع عن الوفاء للآباء والأجداد وتعظيم أدوارهم وأعمالهم وللنصف المنقضي من أعمارنا الذي أصبح من الماضي، أم أنه تحفيز وتشجيع وإثارة الغيرة في نفوس الأبناء لكي يبدعوا ويعملوا وينجزوا ويبادروا ويتقنوا فيتفوقوا على الأجيال التي سبقتهم؟ أما المعاصرة فتعني الحاضر والمستقبل، وهما معا نتائج لأفعال الإنسان وأعماله ومسيرة البشرية خيرها وشرها، وفي صفحاتها ما نفتخر ونعتز ونقتدي به ويشكل نموذجا للأجيال، وفيها عكس ذلك، والصراع بين الأصالة والمعاصرة على أشده، صراع تنافس وثراء، في الناس من يقف مع الأصالة دعوة وسلوكا وأنماط حياة داعيا للتمسك بقيمها وأعرافها وثوابتها. ففي الأصالة صفات جميلة وروح حية ومعانٍ نبيلة ومثل إنسانية راقية، الأصالة تعيد للإنسان إنسانيته وروحه التي سلبتها المعاصرة بماديتها وأنانيتها وعبثيتها التي سحقت المعاني الجميلة والأخلاق العالية والمثل السامية التي يتميز بها الماضي فـ(الذي ليس له قديم ليس له جديد) كما جاء في المثل العامي، (أستعيد الماضي، لا لكي أفتح جراحا، بل لكي لا تذهب التجربة هباء ولا تعود الذاكرة عذراء). وآخرون لا يتفقون مع هذا الطرح والدعوة المتحجرة، فالأصالة من الماضي والتمسك بالماضي يعني العودة إلى الوراء والتخلف عن ركاب التطور والتقدم، الأصالة تعني الانكسار والهزيمة والجمود فـ(من يشغله صوت الماضي لا يستطيع مخاطبة المستقبل). وفي الناس من أخذ طريقا وسطا، المزج بين الأصالة والمعاصرة، ففي الأولى نتمسك بالثوابت، عقائدنا (الصحيحة) وتراثنا الأصيل وأخلاقنا الصافية وقيمنا الجميلة، (أعجب بالماضي وأعمل بما يمليه الحاضر أيضا).
(كم قديم كرقعة الفن حر لم يقلل له الجديدان شانا
وجديد عليه يختلف الدهر ويفنى الزمان قرنا فقـرنا
فاحتفظ بالذخيرتين جميعا عادة الحر بالذخائر يعنى)
الماضي، الحاضر، المستقبل، الأمس واليوم والغد، كل منها يعني عالما مختلفا في ثقافته وأسلوب الحياة وملامحها وعلاقات البشر فيه … القديم ما وثقته وقدمته كتب التاريخ والأدب والتراث، وما تناقلته الألسن وحفظته الصدور وما أبهرت بآثاره وعمارته وتصاميمه وفنونه ومخطوطاته إنسان الحاضر، واليوم أو الآن هو ما نشهده ونتابع مستجداته ونصنع أحداثه، والمستقبل أو الغد هو (بحر خضم زاخر يعب عبابه، وتصطخب أمواجه فما يدرك إن كان يحمل في جوفه الدر والجوهر أو الموت الأحمر)، يحتفظ لنا الماضي بلوحة فنية وكنوز ثمينة، ويصنع لنا إنسان الحاضر إنجازات فاقت المتخيل وتجاوزت الحلم. هي دورة زمنية طبيعية، يتعاقب عليها الأجيال، تشرق شمسها على أمة وأرض واقليم فتزدهر وتنمو وتتسع، وتكسف في مكان آخر من العالم في دورة أخرى طبيعية كذلك، وعلى المتأخرين الاستفادة من دروس وقراءات التاريخ لتعزيز الإنجازات والبناء على الحضارة البشرية، وعلى الأمم الخاملة أن تعد العدة للمنافسة على النجاحات المتتالية التي يسجلها الإنسان وتسهم في البناء الحضاري. وعلى العمانيين اليوم أن يقرأوا ماضيهم بعين الحاضر، ونور العقل يركز على المستقبل، والإصرار على يكون لعمان موقعها ودورها الريادي في رسم الخريطة كما كانت في الماضي. نستلهم من الماضي القوة والإرادة والقدرة على التحمل، والتغلب على معيقات الحياة ومشاقها، على التفكير والابتكار وصناعة الحلول والتقنيات والأدوات والوسائل التي تيسر على الإنسانية حياتها، في القدرة على تجنب الفخاخ والشراك والتعلم من الأخطاء والحماقات التي وقع فيها الإنسان في الماضي.

Saud2002h@hotmail.com

إلى الأعلى