الثلاثاء 21 يناير 2020 م - ٢٥ جمادي الأولى١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / كارثة ـ سكانية ـ وراثية

كارثة ـ سكانية ـ وراثية

د. محمد الدعمي

تذهب الأسطورة إلى أن أحد الأباطرة البابليين قد بلغ حدا من الثراء والجبروت، أنه حلم بأن يطير في السماء مثل الطيور. وهذا هو ما تحقق له إذ سخر الله له طائرا عملاقا ليمتطي ظهره ويحلق نحو الأعالي. إلا أن الامبراطور المغرور وجد نفسه في مأزق مميت عندما اكتشف فجأة وهو طائر بأنه لا يستطيع أن يهبط عائدا إلى عاصمته في وادي ما بين النهرين العظيم.
يرتد الإنسان التأملي إلى هذه الأسطورة في محاولة لتجسيد واستلهام النتائج العرضية السلبية للتقدم التقني والعلمي، ذلك التقدم الذي راح يتسارع درجة أن الإنسان لم يعد قادرا على مواكبته (في أحيان كثيرة). هذا بالضبط ما طرأ على ذهني وأنا أشاهد برنامجا حواريا على إحدى الفضائيات الأميركية، وخلاصته: أن طبيبا مختصا بعلوم التخصيب والإنجاب قد اتخذ من التلقيح الاصطناعي المختبري حرفة مدرة له. العملية التي يقوم بعد ذلك بها تتلخص في أخذ عينة من حيامن الرجل، ثم يقوم باستخدامها لتلقيح بويضة زوجته في المختبر، وليس في غرفة النوم. ثم يقوم بزرع البويضة الملقحة في رحم الأم كي تستحيل جنينا ثم تنمو حتى الولادة. إلا أن الكارثة التي حلت بالجيل المستولد بهذه الطريقة “الاصطناعية” تتلخص في أن هذا الطبيب، عندما لم يتمكن من الحفاظ على الحيوانات المنوية حية للزوج الراغب بالإنجاب لإكمال التلقيح المختبري، يقوم باستخدام حيواناته المنوية الشخصية لإجراء عملية التلقيح، دون علم الزوجين.
لذا، كانت النتائج كارثية على نحو صاعق وحسب كل المعايير، إذ اكتشف عشرات الأفراد المستولدين بهذه الطريقة أنهم ليسوا بأبناء آبائهم الذين رعوهم منذ شبوا حتى شابوا، وأن لديهم إخوانا وأخوات (من صلب الأب، وهو الطبيب المشرف على المختبر لإجراء هذه العملية)، وأنهم قد يكونون بالمئات أو ربما بالآلاف، منتشرين في كل مكان من المعمورة، وذلك حسب أقدار كل واحد وواحدة منهم!
لنلاحظ هنا أن هذا الطبيب المجرم، لم يكتفِ بجريمته أعلاه لحصد الأموال الأسطورية فقط، بل هو قد اختلق “مأساة” وراثية ـ سكانية كذلك، وهي مأساة شديدة التعقيد: فالأخ لا يعرف أن له شقيقة على سطح الأرض، والعكس صحيح، والبنت لا تعرف بدقة إن كان لها شقيق أو شقيقات في مكان ما، منتشرون عبر القارات، لا على التعيين. أما مسألة التأكد من أن للمرء شقيقة أو شقيقا في مكان ما عبر العالم، فهو الآخر حال يتطلب التحليلات الجنينية المعقدة والكافية للتيقن من سلسلة “الجينو” التي توثق صلة المرء الوراثية بشخص آخر! ما هذا التقدم؟!

إلى الأعلى