الجمعة 31 مارس 2017 م - ٢ رجب ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / شراع : لبنان وتوسيع دائرة الإرهاب

شراع : لبنان وتوسيع دائرة الإرهاب

خميس التوبي

دعوة الولايات المتحدة أتباعها في تحالفها ضد “داعش” بتوسيع دائرة عسكرتها المنطقة لتصل إلى الإنترنت، تطرح علامات استفهام كثيرة منها: هل الدعوة نتيجة تعثر الاستراتيجية الأوبامية؟ أم نتيجة تحقق الهدف وهو إقناع الرأي العام الأميركي خاصة والغربي عامة لدرجة الإشباع بأن ما سوَّقته الولايات المتحدة من مشاريع استعمارية ضد المنطقة من منطلق محاربة الإرهاب قد أخذ حيزه الإقناعي اللازم في عاطفة المواطن الأميركي والغربي؟ أم بدافع الخوف من هجمات إرهابية انتقامية تقوم بها خلايا نائمة لديها علاقات مع “داعش”، خصوصًا بعد ما رأى الجميع تهافتًا غير مسبوق من قبل “متأسلمين” ومغادرتهم الغرب الاستعماري للانضمام لداعش؟ أم نتيجة كل ذلك؟
أيًّا كان الدافع أو النتيجة، إلا أن الواقع يؤكد أن حلف التآمر والتدمير في المنطقة ماضٍ في مشروع تفكيك المنطقة بتوسيع دائرة إرهابه الذي تأبطه، وحدِّ سواطيره ليطول الجميع ولا يلوي على شيء، فما كان بالأمس خطوطًا حمراء في شريعة الحلف صار اليوم خطوطًا خضراء. ولعل إعطاء الضوء الأخضر للعصابات الإرهابية للخروج من أوكارها التي بناها لها الوكلاء اللبنانيون بأمر من أسيادهم في الخارج الدوليين والإقليميين والتحرك نحو رمي لبنان وشعبه في أفران “الأفغنة” و”العرقنة” لا يؤكد مدى السذاجة والحماقة والعمالة لدى أطراف باستعدادها لتدمير وطنها لبنان وجلب الكوارث والمآسي لشعبه فحسب، وإنما يؤكد العهر السياسي والنفاق والدجل والانحطاط الأخلاقي وانعدام المبادئ والقيم بصورة مطلقة لدى حلف تشكل لهدف واحد وهو تدمير المنطقة وتحويل دولها إلى دويلات هلامية رخوة طائفية تفوح منها روائح الدماء المسفوكة والكراهية والفتن، لصالح المستعمرة الكبرى المسماة “إسرائيل” وتأمين بقائها لعقود أخرى قادمة.
اليوم وبانتشار روائح الموت والدماء والجثث لجنود الجيش اللبناني والمدنيين، وبعلو صوت الإرهاب وسواطيره وقعقعة السلاح في المدن اللبنانية وفي مقدمتها طرابلس وعرسال، وببقاء بوابات قصر بعبدا وقصر عين التينة ورئاسة الحكومة مغلقة، يتضح حجم المؤامرة على لبنان لكونه جزءًا لا يتجزأ من مؤامرة تدمير محور المقاومة بالأساس، وتحول لبنان إلى طائرة مخطوفة بأيدي فريق يفاخر بارتباطاته مع حلف التآمر والتخريب، ويقدم ذاته على أنه إحدى الحلقات المكملة لسلسلة التآمر والعدوان على المنطقة من خلال الأوكار المتمثلة فيما يعرف بالبيئة الحاضنة للعصابات الإرهابية وصفقات السلاح والمال العميل والمغسول، وبالسفن المحملة بالسلاح، مُكَوِّنين معًا جيوشًا وجدرانًا في وجه الجيش اللبناني؛ المؤسسة العسكرية الحاضنة لجميع اللبنانيين، وفي وجه المقاومة اللبنانية التي حررت أجزاء من أراضي لبنان المحتلة من قبل العدو الأول كيان الاحتلال الصهيوني، ولا تزال تمثل ـ بصمودها ـ قوة ردع للعدو الصهيوني، بل إنهم بتكويناتهم وتحالفاتهم وبالدعم غير المحدود أعادوا تشكيل جيش لحد من جديد ليمتد هذه المرة من الجولان السوري المحتل وباتجاه جرود القلمون وعرسال وطرابلس والبقاع، ويتباهون في الوقت ذاته برضا أسيادهم وتحولهم إلى مرتزقة لحماية العدو الصهيوني. كما أن إدخال لبنان في أتون الإرهاب على هذا النحو الذي نشاهد فيه أكثر من أحد عشر جنديًّا لبنانيًّا وعشرات المدنيين يسقطون في ظرف يومين برصاص العصابات الإرهابية التي رباها ونماها واحتضنها ذلك الطرف اللبناني، يكشف مدى التآمر والنفاق لدى حلف المؤامرة الذي لا يستهدف سوريا وحدها، وإنما يستهدف محور المقاومة الممتد من طهران حتى بغداد فدمشق وفلسطين وصولًا إلى لبنان، وذلك حين ادعى معشر المتآمرين أن أمن لبنان واستقراره خط أحمر، متهمين سوريا بزعزعة استقرار لبنان، وأن أي محاولة من هذا النوع تقوم بها دمشق ستواجه برد قاسٍ، في الوقت الذي كانت دمشق ترفع فيه الصوت محذرة اللبنانيين من خطورة إقامة أوكار للإرهابيين ومخاطبة العقلاء من السياسيين ورجال الدين والشعب اللبناني بعدم ترك لبنان لعبة بأيدي هواة ومغامرين وحمقى وعملاء. وفي الحقيقة أن التلويح بتهديد سوريا من أي تدخل في لبنان كان مقصودًا لذاته لجهة إعطاء الوقت الكافي لإقامة أوكار الإرهاب وتثبيت ركائزها ومد العصابات الإرهابية بما يلزم من مال وسلاح وعتاد ودعم سياسي لتكون أحد فكي الكماشة التي تستهدف سوريا والمقاومة اللبنانية معًا، وهنا لا بد من أن نقدح زناد ذاكرة المتابعين للمؤامرة منذ بداية نشوبها، وذلك حين كاد يبكي كل من الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي ورئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون في مؤتمرهما الصحفي جراء نجاح الجيش العربي السوري في دك أوكار الإرهاب في حي بابا عمرو بمدينة حمص، حيث كانت إقامة أوكار الإرهاب تقام بالتوازي داخل سوريا ودول جوارها، استغلالًا لمهمة بعثة المراقبين العرب بقيادة الفريق السوداني محمد أحمد الدابي بعرقلة الجيش العربي السوري والقوى الأمنية عن مطاردة فلول الإرهاب وعصاباته داخل سوريا.
جميع المحللين السياسيين والعسكريين بمن فيهم اللبنانيون وتحديدًا العماد جان قهوجي قائد الجيش اللبناني يجمعون على أن العصابات الإرهابية المتخِذة من لبنان أوكارًا لها تهدف إلى إقامة منفذ بحري لها على البحر المتوسط ليسهل حركتها باتجاه أوروبا وبما يعطيها حرية الحركة في تهريب الإرهابيين والسلاح، وهذا بالمحصلة إن نجح يعني تحول لبنان إلى بؤرة إرهابية وخزان إرهابي ينفث سمومه ونيرانه باتجاه المنطقة وخارجها وصولًا إلى أوروبا، والسؤال الذي يطرح نفسه: هل مستعدة دول أوروبا بما فيها المنضوية في حلف التآمر لهذا المستجد الخطير؟ وهل تضمن بعلاقتها العضوية مع التنظيمات الإرهابية عدم تعرضها لأي لدغات أو تمرد؟
إن الثابت اليوم، هو أنه مهما ادعى تحالف التآمر من حروب أو هجمات أو حتى تحركات ضد الإرهاب تبقى في إطارها الإعلامي، بمعنى أنها حروب وهجمات إعلامية، لا أساس لها على الواقع؛ بدليل تقدم عصابات الإرهاب على الأرض تحت مظلة الهجمات الجوية، واكتساب العلاقة العضوية بين العصابات الإرهابية ومكونات التحالف قوةً وترابطًا أكثر، إلا أنه ورغم ذلك لا بد وأن يأتي يوم ينقلب فيه السحر على الساحر، ويصبح طابخ السم آكله، فهذه سنة الحياة، لن يكون المجرم طليقًا إلى أبد الآبدين.

إلى الأعلى