الإثنين 29 مايو 2017 م - ٢ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / مصلوبون في فراغ مخيف

مصلوبون في فراغ مخيف

علي عقلة عرسان

” مجنون من يظلم ومن يستبد ومن يحكم بالنزوة والشهوة والسطوة وكأنه الرب الخالق المتحكم بالعباد والمصائر.. ومجنون من تغريه قوته أو تغرر به قوة تتصيده فيسوقه ذلك كله إلى حتفه وهو في زهو البغي يظن أنه يُزَفّ إلى الخلود في الوجود.. ومجنون من يتطلع إلى أن يكون مثل الأول “رباً مُرِباً للاستبداد والغطرسة والشهوة”، ”
ـــــــــــــــــــــ
يصلبنا نوع من فراغ مراوغ مخيف، لا يتأتي من حاجة إلى العمل الآمن المنتج فقط، بل من شعور مرعبٍ ذي ألم مُمِضٍ بزحف القحط على خصب مناخ الأمل أيضاً، ومن حاجة ماسة إلى ما يوقف العاصفات بتربة الروح، تلك التي ينذر هبوبها بتفريخ مزيدِ من البؤس في بيئة سياسية واجتماعية وثقافية وروحية أتخمت بؤساً ويغزوها اليأس ويتمدد فيها.. وما يُصمينا ويُدمينا من ذلك الفراغ المراوغ المخيف روعهُ واتساعه وما ينشره من رهَق في قفر يحفهر مع مرور الأيام، وكون ذاك الفراغ لا ينظر إلينا ولا ينتظر منا أن ننظر إليه، فنحن حياله بلا بصر ولا بصيرة وبلا قدرة حتى على رؤيا نستشرفها أو تستشرفنا في المنام لنرى أننا بين الآنام من الأنام، ولسنا لاشيء في عالم الأشياء وتشيّء الناس.. وهو حيالنا العدم .. ونحن حياله ثائرون عليه وعاجزون عن لجم قوته التي تبدد قوانا وتفترسنا شيئاً فشيئاً، وهو حيالنا الجبار القهار الذي يملك مدارات الليل والنهار.؟!.. ولا يمكن تصور مدى عتمة المدى حين يفترس الناس فراغٌ من ذلك النوع ويتركهم مصلوبين في البؤس بين القنوط واليأس!!..
وما أشير إليه مما أشعر بأنه يفترسني أو يكاد، شأني في ذلك شأن كثيرين غيري، ليس من ذلك النوع الذي تسببه مقاربة وجودية نوعية حادة مثل وجودية كيركغارد المؤمنة ولا كوجودية سارتر الملحدة، ولا هو من نوع العبث الفلسفي أو فلسفة العبث عند ألبيرت كامي، ولا من اللامعقول في امتداده من بيكيت إلى يونيسكو، وليس أيضاً مما تنخره وتسكن في ثناياه، رغم كمونها النسبي فيه، سيزيفيةٌ تزوبع الأفكار والمشاعر في فضاء النفس وتطمرها وتطمر معها القلب المبصر برملِ جمود وجحود أبديين، يغرقانهما في اللاجدوى أو يقودانهما إليها، شأن عبثية الوضع الذي عاشه سيزيف المخاتل الماكر المخادع الذي كبل إله الموت وعطله عن العمل فأغضب كبير الآلهة الإغريقية زيوس فعاقبه بأن حكَم عليه بأن يرفع صخرة إلى القمة حتى إذا ما كادت تبلغها هوت إلى مستقر لها ليعاود رفعها ثم تهوي.. وهكذا إلى ما لا نهاية، كما تروي الأسطورة الإغريقية القديمة.. بل هو نوع من تخبط كارثي لكائنٍ يعي أنه يتخبط في دمه ودم غيره من دون أن يصل إلى فهم أوغاية أو سبب لكل ما يجري له ولمن حوله مما تنجر إليه ذاتُهم التي تعي أنها تُزَجُّ فيما لا تريده ولا ذنب ولا إرادة لها فيه، ولا تملك القدرة على وقفه.. من ثم يستغرقها الوضع حتى الغرق في الدم والإثم والعبث واللامعقول واللاجدوى، ومن ثم يدور كما يدور غيره في دوامة الدم والإثم من دون أن يكون لهم فيها دور أو سهم أو مصلحة أو قدره على الوقوف خارج تلك الدوامة.. ذلك لأنها مفروضة عليهم بقوة الأمر الواقع الذي يفرضه ويجدد فرضه آمر متوحش ماكرٌ قادر يتربع في دواخل أنفس ويضغط من خارجها.. ويتجسد فعلاً قاتلاً يقوم به مخبولون كذابون مدعون وجهلة، يمتدون في شرائحهم وأصنافهم وأفعالهم بين المجرم العريق والأبله الصفيق، ويتحكمون بالأحياء وبتفاصيل الحياة ويستنزفون القيم والأخلاق، ويفرضون على الناس ما يكونون وما سيكونون عليه من بؤس حيّ متجدد يسعى ويستمر إلى مدى زمني غير معروف، ويمارسون أفعالاً ويصدرون أحكاماً وأقوالاً وآراءً هي الادعاء والبغيض والجهل الذي يفضي إلى الدمار، والعدم يصبّ في المجهول وفي شعاب كل هول مهول من قتل وإرهاب ورعب ودمار وموت، ويجدد كل ذلك من هم “شرُّ الخلق” الذين أشار إليهم ووصفهم وصنفهم الخليل بن أحمد الفراهيدي، حيث قال رحمه الله: ” الناس ثلاثة: إنسان يدري ويدري أنه يدري، وذلك استفد منه.. وإنسان لا يدري ويدري أنه لا يدري، وذلك يمكن إصلاحه.. وإنسان لا يدري ولا يدري أنه لا يدري، وذلك شرُّ الخلق.”، ذلك لأن ذلك النوع من البشر يركب الخطيئة وتركبه بعناد، ويدير عجلة الجهل والظلم والفوضى والقتل والفساد والإفساد.. إلخ ويعتقد إنه العلم والمعرفة والعصمة والصواب والعدل والحق والقدوة، وأن ما يريده يكون.. وهكذا يحرك هذا النوع من البشر عجلة الدمار والتخلف والتهلكة والرعب والنار، ولا يفكر بمصيره ولا بمصير سواه.. ومن باب أولى القول إنه يقيم الجهل مقام العلم، ويفتري ويُقبِل على الافتراء، وهو الكذاب الأشر وقمة البغي والادعاء، ويجر وراءه خلق ممن ابتُلي بهم الخلق..؟!! ومن أسف أن هذا هو نوع البشر الذين يتحكمون بنا ويخلقون البيئة التي تحصُبنا، وأنهم من يصلبوننا ويفترسوننا في فراغ يمتد مداه ويتجدد بامتداد وجودهم وما يؤسسون له من فِتَنٍ ونِقَم..
تلك حالة أقسى من عقوبة سيزيف التي تعرض لها، وأشد ابتلاءً وبلوى من حالات العبث والعقم واللاجدوى التي قاربها وجوديون وعبثيون وسيرياليون ممن كتبوا في المعقول واللامعقول أو قاربوهما فأنتجوا شيئاً وفتحوا أبواباً ولم يريحوا ولم يرتاحوا.. لكن وضع أولئك مفهوم وربما مقبول لديهم ولدى فريق من الناس كثير.. ذلك لأنهم فكروا وأرادوا وركبوا متن البحر بوعي، فغرق من غرق منهم في العجز والرفض أو أُغرق في العقم والعبث واللاجدوى والغم.. وكان ذلك حين تمردوا أو ثاروا على معقول لا يلبي حاجاتهم وتطلعاتهم المادية والمعنوية والمعرفية والفكرية والروحية، وحين سألوا القوة الأعلى أن تعطيهم ما شاؤوا فلم تفعل، أو قاربوها بالاختبار العقلي المحض فلم يحصلوا منها على ما يرضي أو يقنع أو يطمئن، فخرجوا عليها أو تفلّتوا من قبضتها غير المرئية، وأنّي لهم الخلاص، فرمتهم بنظرة إشفاق مشوبة باستصغار، وتطلعوا هم إلى ما وراء عدمهم الذي تاق إلى إعدام تلك القدرة أو التأكد من انعدامها، فلم يصلوا إلى شيء، وكانوا كالمُنبَتِّ الذي لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقي، ووصل بعضهم إلى المفازات القاحلة وضل فيها، وقف آخرون منهم على مفارق الطرق يقاربون الخيارات: إذ هم لا يرغبون في العودة إلى العيش في واحات المنطق المنتشرة في الواقع والفكر وتسليم العاجز والراضي والمؤمن، بما لتلك الواحات وعليها، لا سيما على ما فيها من نقص وجور وفقر نسبي ومنطق مفلول الحد، وما تقدمه من قلق وراحة يلازمان الحياة.. ولا هم قدروا ولا هم يقدرون على تجاوز مدى بشرياً – إنسانياً – عقلانياً وروحياً أكبر من قدرتهم على التجاوز، وأدنى من أن يرضي تفلّت عقولهم وأرواحهم وإراداتهم من قيود وأغلال تلازم الواقع والمعيش وتسكن فضاء الوجود.. وبقي علقم الأسئلة والحيرة في حلوق كثير من الجادين منهم حتى الممات.. لكنهم لم يسفكوا دماً ولا دعوا إلى ذلك، ولم يركبوا مراكب الجهل والادعاء والكذب والدجل، ولا قالوا ” نحن الحق وغيرنا الباطل”.. فكانوا حسب رآيي ممن اجتهد وله أجرٌ أو أجران، وممن حرك الماء في فترة من فتراته وركوده.
إن وضعنا، وضعي ووضع من هم مثلي أو على شاكلتي من المصلوبين في نوع من الفراغ أشرت إليه، وضع مختلف عن وضع أولئك، حيث لم نرد التّفلّت من حدود عالمنا، ولا التمرد على قيودنا الاجتماعية “قيود العقلاني والمنطقي والديني، والقانوني ” الطبيعي والوضعي” والاجتماعي التقليدي بعجره وبجره، ولا التّفلّت من أحكام الخالق، والتمرد على معطيات العيش جماعة.. ونحن أيضاً لم نسفك دماً ولم ندع إلى سفكه، ورغبنا عن العنف بأشكاله ومستوياته على الرغم من كثافة الظلم بأشكاله وأنواعه.. وعلى الرغم من ذلك كله أُغرِقنا في أسوأ مما غرق فيه بشرٌ من البشر الذين يشاطروننا العيش والبيئة والطبيعة ممن أرادوا التمرد والتفلّت، وهم بعض من ذكرت قبل قليل..؟! لقد أُغرقنا في البؤس والإثم والدم والفوضى، وتحكَّم بنا “شرُّ الخلق”وفق تصنيف الفراهيدي للخلق، وخيّم علينا انسداد الأفق بظلمه وظلماته وبما ينتشر في نُسُجه من قنوط يضاف إلى القسوة والبلوى و إلى ما تسببانه وتنتجانه وتنشرانه.. فصلبنا ذلك في الفراغ/المقت/التيه، وخنقنا أو كدنا، وافترسنا أو كدنا.. فلا نحن مع الأموات فنرتاح ولا مع الأحياء فنرضى بما قسم لنا وتخامرنا الأحلام فنبقى من خلال العمل على أمل..؟!
وحين يرى المرء نفسه على هذا الشكل من أشكال الانكسار والإصابة بالدواهي، مقتول بلا ذنب ومحكوم بالشر والأشرار، ومقيد إلى ألف جدار من عارٍ تسندها من خلفها ألف أخرى من نار.. فإنه يلهث وراء شعاع لا يراه، ولا ينعكس عليه أو في عينيه نورٌ ما ليرى، ويبقى لهاث ظامئ في حَرِّ بيداء، يركض وراء الآلِ والسراب ولا يهلّ عليه منهما سوى العذاب والخراب.
نحن مصلوبون في الفراغ العذاب تنهشنا الدقائق وترهقنا الأيام، ننتظر الخلاص بأي شكل من الأشكال.. برصاصة أو قذيفة أو صاروخ أو بانفجار مفخَّخَة.. لا فرق، أو بخلاص بعده نحيا كما يليق بالبشر أن يحيا.. لكن بَعُدَ عنا أن نفكر جدياً بخلاص من الرعب وملاحقتنا بالجنون.. نعم نحن مصلوبون في الفراغ المخيف ننتظر الموت أو ننتظر حياة من نوع مختلف عما نسميه عندنا اليوم حياة.. والموت لا يأتي حسب الطلب، إنه مثل “غودو” بيكيت مُنتَظَرٌ لا يجيء، وهو إذ يؤكد حضوره لا يبرهن غيابه إلا عن صعوبات وأنه لا يستطيع إلا أن يحضر.. لكن متى؟! لا نعرف.. والخلاص الآخر أيضاً مُنتظَر ولا ينقطع الأمل بأنه سيأتي.. لكن كيف ومتى لا نعرف أيضاً، فلكثرة ما طالت مدة نكبتنا وامتدت الكارثة التي تحصدنا نعود إلى التقرير والإقرار بأن: الحياة قدرٌ والموت قدر.. وبين قدر وقدر ننتظر، في فراغ هو العذاب والجنون أو في جنون هو العذاب والفراغ.. ولكن نبقى في وضع يتجاوز كل جنون.
مجنون من يظلم ومن يستبد ومن يحكم بالنزوة والشهوة والسطوة وكأنه الرب الخالق المتحكم بالعباد والمصائر.. ومجنون من تغريه قوته أو تغرر به قوة تتصيده فيسوقه ذلك كله إلى حتفه وهو في زهو البغي يظن أنه يُزَفّ إلى الخلود في الوجود.. ومجنون من يتطلع إلى أن يكون مثل الأول “رباً مُرِباً للاستبداد والغطرسة والشهوة”، فيستميت ليأخذ مكانه ونصيبه مما كانه، ليكون مثله ويتصرف مثلما تصرف.. ومجنون من يستكين إلى وضع يتحكّم بالناس والحياة فيه مجنونا عَظَمَةٍ يقتتلان بفجور، ويقتلان الحياة والناس بغطرسة وجهل وهلوسة، ومن ثم يقتلهما الادعاء والتعسف والتطرف، لكن بعد أن يشيعا ذلك في العالم ليستقر في التاريخ خبراً ونمطاً ومثلاً.. ومن الجنون بمكان أن يتم الخروج على القوة الطغيانية الغاشمة العمياء بغير قوة مؤمنة بحقها في الحياة والحرية والعدل، ومالكة لأدواتها، ومبصرة واعية للراهن وأسبابه وما أسفر عنه كل ذلك، وللآتي وما يمكن أن يسفر عنه وما سيكون منه، لكي لا يتم السقوط في المستنقع الآسن ذاته ولكي لا يتكرر الجنون ذاته. وفي حكم الجنون وربما أكثر أن يخرج الخارج على الطغيان والجنون القاتل، وعلى تقاتل المجانين وفسادهم وإفسادهم بغرور وبمجرد امتلاك الحق والوعي والأسباب الموجبة للخروج لكن من غير قوة بالمفهوم الشامل المتكامل للقوة: ابتداء بالمعنوي – المعرفي – الروحي وانتهاء بأدق تفاصيل المادي وما يتصل باستخدامه على أسس من علم وفن واتقان وإبداع بهدف حماية الإنسان والقيم والمحافظة على مقومات الحياة، ومن غير سندٍ يصدُقه وينصفه وينصره ولا يتصيَّد به أو يتصيَّدُه..
ومع ذلك كله، وفي غمرة ذلك كله.. يبدو أن الجنون سيبقى حاكماً ومتحكماً ولو من خلال قلة ممن هم “شر الخلق” وأعداء الحياة والحق والعدل في الحياة، وأنه سيبقى كامناً على نحوٍ ما في الحكم والتحكم والتمرد، وفي التخلص من ذلك أو استبداله بما يُتَطلَّع إلى أن يكون أفضل منه، وكأنما سمة الحياة عبث بمقوماتها وبالأحياء والقيم فيها، وكأنما أبرز لا عبيها والعاثين فيها وأمهر من يتقن اللعبة الفاسدة هم شرّ الخلق.. ذاك جنون نعم، والجنون شُعَبٌ وفنون.
سنوات مُرة بعد سنوات مُرَّة مرَّت علينا ونحن مصلوبون في الفراغ المخيف المراوغ، ننتظر خلاصاً من أي نوع يضع حداً للعذاب والضياع والرعب والموت، وكلما مر الوقت نغرق في البؤس أكثر ونغوص في دمنا وإثمنا وجُرمنا، ويسودّ الأفق من حولنا، ويزداد المقامرون والمغامرون والمتآمرون والإرهابيون قوة وقسوة، ويطلع علينا أرباب الادعاء العريض بنثر وقريض يعليان صرح الجهل والشر والمقت والغدر، ونبقى ننتظر انبلاج الفجر ولا فجر.. وننتظر القدر والمقدر بصدور مكشوفة للخناجر، بينما ينخرنا وينخر صبرنا السوس ومن يسوس ومن يعترض على من يسوس؟!.. ويستمر الجنون فنوناً.. ومع ذلك سنبقى ولو مصلوبين في الفراغ والعذاب، فالحياة تكليف واستنفار واستئناف، وقدر مقدور.

إلى الأعلى