الأربعاء 18 أكتوبر 2017 م - ٢٧ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / المحليات / رحاب : الشنطة

رحاب : الشنطة

كان العائدون من الغربة في مستهل النهضة المباركة يتسابقون بشهاداتهم وخبراتهم التي جاءوا بها من الغربة الى دواوين الوزارات للعمل في وظائف مكتبية ناعمة، بينما جاء عوض الذي كان يعمل حارسا في الغربة، لا يملك شيئا سوى حسن الظن بالله وحب العمل والمثابرة. وذات يوم هيأت له الظروف مشهدا أثاره ثم غير حياته رأسا على عقب. كان عوض جالسا في مكتب منسق مدير أحد البنوك؛ عندما شاهد مدير البنك وكان يومئذ وافدا، يركض مسرعا الى الباب لاستقبال رجل يحمل شنطة دبلوماسية من نوع ( Delsey). دخل الرجل مزهوا بشنطته يتقدمه مدير البنك متخطيا المراجعين الذين كانوا ينتظرون دورهم. استمر عوض يلاحظ الرجل دون أن يستغرب ما حدث؛ فقد فتح الشنطة ثم دفع بحزم من الريالات الى المدير لإيداعها. وقبل أن ينتهي الرجل من شرب الشاي، كانت النقود قد أودعت في الحساب وخرج الرجل حاملا الشنطة بثقة.
ظلت صورة تلك الشنطة عالقة في عقل عوض، وتمنى لو يمتلك شنطة مثلها، لكنه كان يتساءل ماذا تفيد الشنطة إذا لم يكن في داخلها مبلغ ضخم كالذي جاء به الرجل الى البنك؟ عمل عوض بعد ذلك في وظائف عديدة قبل أن يستقر به العمل كسائق في إحدى شركات المقاولات، ونظرا لأمانته ودماثة أخلاقه فقد كُلّف بمهمة إيداع ايرادات تلك الشركة في حسابها لدى نفس البنك، فصار عوض يأتي يوميا حاملا شنطة رسمية عليها شعار الشركة، لكن المدير لم يكن يستقبله لدى الباب، فكان يتجه إلى نافذة الايداعات، فينتظر حتى يستلم منه الصراف المبالغ، دون أن يقول له كلمة شكرا. وكان يتساءل بعفوية بينه وبين ذاته: ما الفرق بين الشنطة التي يحملها وتلك الشنطة التي كان ذلك الرجل يحملها؟
ذهب عوض إلى السوق واشترى حقيبة كتلك التي رآها من نفس النوع ومن نفس الشركة في صلاله، وطلب من محاسب الشركة أن يضع له النقود فيها بدلا من تلك الشنطة، وجاء كعادته الى البنك، ولكنه لم يلق الاهتمام الذي حظي به ذلك الرجل وتلك الشنطة المخزنة في عقله. فعاد مرة أخرى إلى شنطة الشركة، واحتفظ بشنطته الفارغة في سيارته يحملها معه أينما ذهب لأنها تستدعي الى عقله الشعور بالأهمية تيمنا بتلك اللحظة التي رآها فيها. قرر عوض أن يملأ تلك الشنطة بالريالات، وعاهد نفسه أن يعمل عملا إضافيا يجلب له من النقود ما يودعه في تلك الشنطة. وبدأ مشوار زيارة المكاتب العقارية في الفترات المسائية ومعه الشنطة ولم يكن يعمل شيئا سوى الاستماع والتعلم وقضاء الأوقات. وذات يوم أعطاه أحد الوسطاء رسما لأرض زراعية وقال له يمكنك أن تشاركني في تسويق هذا (الكروكي) لمزرعة ورثة يريدون بيعها، فتساءل عوض وماذا عليه أن يعمل؟ قال له الوسيط: ضع الكروكي في الشنطة واذهب الى مدير البنك وقل له: كم تساوي هذه الأرض؟! ثم استأذنه وانصرف دون أن تعرضها عليه. وهذا ما فعله عوض. حضر الى البنك كعادته وبعد أن انتهى من إيداع فلوس الشركة، انتظر في مكتب الاستقبال وعندما أذن له بالدخول الى مدير البنك، سلم عليه وسأله نفس السؤال. نظر المدير باهتمام الى الرسم الذي لم يكن يحمل اسما أو رقما واضحا، ثم قلب نظره في عوض الذي استأذن فورا بالانصراف!
وعندما عاد عوض في اليوم الثاني لإيداع أموال الشركة استقبله المدير لدى الباب ثم أدخله فورا الى مكتبه ووجه الصراف الى إيداع النقود واحضار أذونات الإيداع، واستثمر المدير الوقت يتحرى عن تلك الأرض التي عرضها عوض بالأمس، ولم يمض وقت طويل حتى قبض عوض عمولة معقولة من بيعه تلك المزرعة لعملاء يعرفهم مدير البنك. فوضع المال بداخل الشنطة وأخذ على نفسه عهدا ألاّ يصرف شيئا من ذلك المال حتى تمتلئ الشنطة. استمر عوض وثابر في تجارة الوساطة العقارية، ولم تمض سنة كاملة حتى كانت الشنطة قد امتلأت، وصار عوض وجها مألوفا في مكتب مدير البنك يستقبله لدى الباب ويتخطى به جميع المراجعين.

د.أحمد بن علي المعشني
رئيس مكتب النجاح للتنمية البشرية

إلى الأعلى