الجمعة 26 مايو 2017 م - ٢٩ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / قضايا / في ذكرى ميلاده: قضايا بالجملة عمل لها عبد الناصر
في ذكرى ميلاده:  قضايا بالجملة عمل لها عبد الناصر

في ذكرى ميلاده: قضايا بالجملة عمل لها عبد الناصر

كتب ـ زهير ماجد:

مقدمة: كان طفلا يبحث عن معنى للكلمات والصور، فعلى احد جدران محل عمه كانت صورة كبيرة مكتوب عليها اهداء من الزعيم جمال عبد الناصر الى النائب اللبناني احمد الاسعد، وقرب الصورة كان المذياع القديم بعدسته الخضراء التي تبث اغنية حماسية ما زال يذكرها، تقول ” دع سمائي فسمائي مشرقة / دع قنالي فمياهي مغرقة / واترك الارض فأرضي صاعقة ” .. لم يكن يفهم المعنى، ابن السابعة تقريبا، وكيف له ان يعرف معنى قنالي التي صارت مع الوقت قناة السويس .. وما ان انتهت الاغنية حتى خرج المذيع ليتحدث عن هذه الايام التاريخية التي تمر بها مصر، ثم ينهي كلامه بالقول بأن الرئيس جمال عبدالناصر سيتحدث إليكم من جامع الازهر ..

انفعل الطفل الصغير قبل بدء عبد الناصر كلامه .. وقف على الكرسي ليعلي صوت المذياع، فقد كان يسمع من ابيه كلاما محببا الى نفسه عن ذلك الزعيم، بمعنى انه كان محبوبا من قبل والده، وما يحبه الوالد في هكذا عمر طفولي، يحبه الطفل ويهواه.
بصوت رنان ساحر بدأ عبد الناصر كلامه بجملة ” ايها الاخوة المواطنون ” وهي لم تكن ابدا في قاموس أي رجل سياسي كما عرف الطفل لاحقا في مرحلة الشباب .. تحدث وتحدث الى ان وصل بكلامه الى الجملة المفيدة التي بعثت الدم في وجه الطفل حين سمعه يقول ” سنقاتل ولن نستسلم ” كررها عدة مرات حتى بح صوته من قوة العزيمة والصدق والحقيقة.
لماذا سيقاتل عبد الناصر يا عمي، سأل الفتى ولم يكن يعرف ان حربا دائرة في مصر بطلها شعبها في مواجهة ثلاث دول جاءت خصيصا لاسقاط رئيس مصر آنذاك جمال عبد الناصر. رد عمه بانه حرب على مصر ثم بدأ يشرح للطفل ما يجري باختصار شديد. ما ان انتهى ناصر من خطابه الحامي القوي الذي زلزل الارض تحت اقدام الهاجمين على مصر، حتى طلعت اغنية اخرى تقول ” يا أغلى اسم في الوجود يامصر / يا اسم مخلوق للخلود يامصر / نعيش لمصر ونموت لمصر تحيا مصر”، وبعدها تعالت اغنية صارت لازمة نظرا لهديرها القوي وهي ” الله اكبر فوق كيد المعتدي”، وبين الاغنية والاخرى كان صوت المذيع لا يتوقف وهو يتوجه الى الشعب المصري بالتحية على قتاله، وبأن مصر تمر بأيام عظيمة، وخص بالتحية بور سعيد التي قاتل شعبها قتال الابطال.
حفر ذلك التاريخ في رأس الطفل الذي صار لاحقا أنا، لماذا تهجم تلك الدول على مصر، كان ضجيج الحرب قد تحول إلى اسئلة طفولية صارت مع الكبر عالما من الأجوبة، لكنه اكتشف في النهاية ان هنالك حروبا، دول تهجم على أخرى، جنود يقاتلون واناس سموتون، وان هنالك بالمقابل شعوبا لا ترضخ ولا تستسلم، وان هنالك زعيما يقود شعبه في المحن ، يصرخ ان لا استسلام، يبعث فيه الهمة والقوة. علمته تلك الدقائق التي وقف فيها في دكان عمه اشياء كثيرة، وان تظاهر انه لم يكترث كثيرا بما سمع، لكن كلاما من هذا النوع يحفر عميقا في عقل الطفولة، ويتحول الى مناسبة تظل قائمة حتى الممات.
واكتشف ايضا من هم اعداء عبد الناصر الذين صار بعضهم خصمه فيما ظلت اسرائيل عدوة له، وربما اراد ان يعرف من هم اصدقاء عبد الناصر فلم يتمكن .. المسألة صعبة وعويصة، غدا تتعرف على تفاصيل قالها مع نفسه، وقاله لعمه الذي كان ميالا الى حب مصر وكل مايخصها من قريب او بعيد .. واكتشف الطفل مع الوقت ان كثيرين مثل عمه وابيه احبوها وتحمسوا لزعيمها آنذاك، وتذكر ايضا كيف عمت المظاهرات بيروت تنديدا بالعدوان على مصر.
صارت مصر مثالا ونموذجا للحب الذي عقد بين الطفل وبينها .. هل تتمكن اية قوة في العالم من فك عرى العلاقة بين ما يحبه الإنسان اذا كان مؤسسا على طفولة واضحة!. فكيف اذا انطلقت حياة المرء او وعت على زعامة بثت حضورها وكاريزمتها القوية في النفس ..
كانت آثار تلك الحرب على ارض الكنانة عميقة في نفس الطفل الذي تقدم به سنتان اضافيتان، اي في العام 1958، فاذا بحرب اهلية تندلع في لبنان، واذا بجزء مهم من هذه الحرب يحمل بصمة مصر وعبد الناصر، واذا به اثناء تقليبه لمحطات المذياع يعثر على محطة يردد فيها المذيع الجملة التالية: “صوت العروبة .. صوت النجادة .. صوت القومية العربية من لبنان” وما ان ينتهي حتى يعلو صوت اغنية محمد عبد الوهاب ” بطل الثورة ” التي يقول في بعضها ” انت حبيبنا ياجمال وانت ناصرنا ياجمال ” ..
اضاف ذلك الحدث الذي عاش تفاصيله دون وعي مركز على عقله الصغير عالما جديدا لكنه مشتبك مع ما سمعه من قبل في ذكان عمه وما تابعه ايضا لوحده. وذات يوم زارت عائلته احد بيوت الاقارب فرأى هنالك مجلة تعرض صور الحياة الشخصية لعبد الناصر منذ الولادة وحتى الزعامة مرورا بمرحلة خدمته في الجيش المصري وغيرها من الصور، مما أضاف على ذاكرته حدثا جديدا، وحين احب الاستيلاء على المجلة رفض قريبه الذي كان يكبره، فكانت تلك من علامات الأسى، وكان عليه ان يفتش عن مصدر الحصول على المجلة.
هكذا بدأت علامات التعرف على جمال عبد الناصر، طفولة تعلقت به، ولم تتغير طيلة الحياة .. حفظ كل شيء عنه، وحفظ له المودة التي دامت، فعاش في خياله وفي صحوه وفي منامه، وسكن في عقله وقلبه واقام ولم يزل متربعا. انها حكاية يمتزج فيها معنى الكاريزما بالبطولة بالكبرياء بحس العروبة بالايمان بالنزاهة بالغيرة على كل بلد عربي .. تلك الصفات التي مثلها عبد الناصر طبعت جيله بشكلها وحرفيتها .. فعندما تقول ناصريا يعني انك عروبيا وان القومية العربية أملك وهدفك ومعتقدك، بل هي روح القضايا التي سلكها وحولها إلى احداث كبرى.
اكتب هذه المقدمة لأعلن ليس فقط عن ذكرى ولادة عبد الناصر في منتصف يناير من العام 1918، من باب تتبع حياته فقط، بل لنطل على اهداف كبرى طبعها في حياة من عاشوه، وعن قضايا عاش ومات من اجلها، وتبرهن الايام المعاشة انها اهداف كانت صائبة وهي ما زالت موجودة، وكلما مررنا بعكسها تأوهنا لعدم وجود الزعيم الذي يتمثلها والذي وحده من كان صمام الأمان لها. فما يعيشه العرب اليوم يبلور حالة الأمة إلى زعيم بل إلى مخلص هو وحده من يملك القدرة على تغيير الحال الذي بات في ايامنا المعاشة من المحال.
التعرف على زعيم كبير يدخل من باب القضايا التي لامسها والتي عاش من اجلها إلى يوم مماته .. فليس سرا ان عبد الناصر مات شابا، لكنه منذ عام 1952 وثورة يوليو كانت له مفاهيمه الخاصة التي عبرت عن ايمانات مختلفة. ولا يمكن فهم الزعماء الكبار الا من باب صناعتهم للأحداث او كيفية التعامل مع القضايا الكبيرة المؤثرة. وهذا ما ينطبق تحديدا على عبد الناصر الذي لازمت مرحلة حكمه قضايا كان فيها صانعا ومعبرا عنها، ولم تكن فقط مجرد مفاهيم، بل كانت نتاجا لعقل مؤمن بها، عرف كيف يحاذر بينها وبين المخاطر، وحين ضربت مصر هزيمة يونيو 1967، كان أول تعليق اسرائيلي عليها قاله وزير الدفاع آنذاك موشي دايان انه ينتظر استسلام عبد الناصر، بل قال اكثر من ذلك حين اعتبر الحرب كلها من اجل اسقاطه. وعندما يتعامل عدو ليس مع قضية بحد ذاتها بل مع شخص يمثلها او يمثل مجموع قضايا، يكون هذا الشخص مفجرا كبيرا لها طموحا بإحلالها .. ولقد حورب عبد الناصر تحت هذا المفهوم، فيما قامت زعامته على مضامين سنورد ذكرها لاحقا، وهي التي أهلته لأن يكون خالدا في ذهن من عاشوه، ولدى اجيال لم تعشه بل تعرفت على افكاره ومبادئه وآمنت بانه كان يمثلها حتى قبل ان تولد. لعل هذا الرجل كان يؤسس لأطفال لم يأتوا بعد كما قال الزعيم الفيتنامي هوشي منه ومثله الشاعر التركي ناظم حكمت.
/// البرنامج
القضايا الكبرى التي آمن بها عبد الناصر والتي عمل ومات من اجلها هي ما زالت الأكثر اثارة إلى اليوم وفي طليعتها قضية فلسطين .. ثم الوحدة العربية والقومية العربية والعروبة .. ثم الحياة الاجتماعية والاقتصادية للشعب المصري والشعوب العربية عامة، وكذلك التحرر من الاستعمار وما كان يسميه بالرجعية العربية. اضافة إلى مآثر ما زالت الى اليوم شاهدة على حكمه وعلى زمنه.
واذا ماعدنا إلى اهداف ثورة يوليو التي تحول كل هدف منها الى قضية، سنجد التالي: ان القضاء على الاقطاع، والقضاء على سيطرة رأس المال في الحكم واقامة عدالة اجتماعية قد حقق منها الكثير،، وتعبر تلك المرحلة بمثابة العصر الذهبي للطبقة العامة المصرية وكذلك للفلاح المصري، اذ تم القضاء على الاقطاع وفي وقت مبكر من عمر الثورة بوشر توزيع الأرض على الفلاحين وبذلك تم تحرره بعدما صدر قانون الإصلاح الزراعي جاعلا من الفلاح سيد ارضه، بل السيد المطلق الذي تقوم عليه الحياة الزراعية.
هذه الخطوة المبكرة ادت بالتدريج إلى الغاء الفوارق بين طبقات الشعب .. رويدا رويدا، بدأ الشعب المصري يشعر بأن التفاوت الكبير الذي كان على اشده في العهد السابق قد بدأ يميل لصالح توازن جديد يعني الغاء الفوارق وهو تحديد شديد اكدته الثورة منذ أول ايامها وعملت عليه لاحقا في شتى الميادين وقدمته نموذجا لمراحل لاحقة، خصوصا عندما تم انشاء الاتحاد الاشتراكي العربي الذي غير من واقع مصر واخذها في ميدان فسيح ورحب من التجربة الجديدة التي كانت باكورة تجربة عربية اشتراكية عبر عنها افضل تعبير الكاتب الكبير طه حسين بقوله: ” لقد حاول عبد الناصر موفقا الغاء الطبقات والاخذ بيد الضعفاء والفقراء، والمساواة الكاملة بين المواطنين، وحاول شيئا ما أظن انه حوول من قبله وهو ان يلاءم بين الاشتراكية والديانات السماوية فأدخل في بلادنا اشتراكية لا تمس الاسلام ولا المسيحية”.
وظلت قضية التصنيع الذاتي في عز قضايا عبد الناصر يذهب بعيدا في هذه القضية المهمة جدا التي جعلت من مصر دولة متقدمة، وهي مسألة تحديث الصناعة حين اصبحت مصر تصنع على وجه التقريب كل حاجات الشعب المصري من التصنيع الثقيل إلى الخفيف فالأخف، وقد ازدهرت في تلك المرحلة تجربة مصر في هذا المجال بحيث انها تحولت إلى قاعدة مهمة ينظر إليها بأنها حققت استقلالا ذاتيًّا في عملية التصنيع، وبذلك اصبحت مثالا لدى العالم النامي بسرعة قياسية ارادها عبدالناصر ان يتوفر لها كل مجالات النجاح من اجل ان يكون للشعب المصري ما يحتاجه وطنيًّا. وبذلك حققت فعليا الطبقة العاملة ما صبت إليه، بل اصبح لتلك الطبقة شأن كبير في التحولات الصناعية والاجتماعية والسياسية ايضا بتمثلها في واقع السياسة المصرية على أكمل وجه.
وضمن هذه التراتبية، جاءت قضية قناة السويس التي اختمرت في عقله منذ ان شعر بأن العالم لا يحترم الضعفاء، وبأن احتواء تفاصيل الوطن تتطلب شجاعة وعزيمة امام دول كبرى لا ترحم يهمها ان تظل واضعة يدها على مدخرات شعوب أخرى، ولم يكن امامه بعد ان امتنعت الدول الكبرى عن حجب التمويل عن السد العالي أن رد بقوة عليها بتأميم قناة السويس وجعلها مؤسسة مصرية بحتة بعد ان كانت تابعة لدول استعمارية تقوم بإدارتها وقبض عجالتها .. وحين لم يعجب الدول الكبرى فعل عبد الناصر قامت بالهجوم عليه عام 1956، في تحالف بين ثلاث دول: اسرائيل وفرنسا وبريطانيا، ولكل دولة منها هدفها الخاص. فقد اختبأت اسرائيل وراء ضرورة ان يوقف عبد الناصر اعمال الفدائيين في غزة وهنالك اسباب اخرى ابرزها خوف اسرائيل من الدور المقبل لعبد الناصر، فيما كان سبب المشاركة الفرنسية المساعدات التي كان يقدمها النظام المصري إلى ثورة الجزائر وهو باعتراف لاحق للرئيس الجزائري هواري بومدين “انه لولا عبد الناصر لما تحررت الجزائر ” .. واما بريطانيا فكانت لم تستوعب بعد انها ستخرج من مصر بعد الاتفاق على الجلاء عنها. انتصر ناصر في هذه المعركة الكبرى وخرج منها زعيما كبيرا ليس لمصر وحدها، وللأمة العربية فحسب، بل لكل دول العالم النامي ولدول عدم الانحياز التي كان أبرز مؤسسيها.
اما القضية السامية التي نفذها عبد الناصر، فكانت انجازاته التعليمية .. ففي حين كان التعليم في مصر مقتصرا على ابناء الذوات او على طبقة محددة ذات شريحة اجتماعية متفوقة ماليا وقريبة جدا من القصر، فرض الرئيس المصري على الفور مسألة التعليم المجاني في كل مراحل التعليم وحتى نهاية التعليم الجامعي، لا بل بنى تقريبا في كل قرية مدرسة ،، اضافة إلى بناء عشر جامعات دفعة واحدة في كل انحاء مصر، مع الاهتمام الأقصى بإنشاء مراكز البحث العلمي .. وذات مرة ذكر لي احد المسؤولين المصريين الذين عاصروا المرحلة الناصرية، ان مشهدا جديدا اضيف على مصر لم يكن مألوفا من قبل، وهو مشهد الطلاب في موسم الامتحانات وخصوصا في القرى وهم يدرسون في الهواء الطلق حيث رؤوسهم تتمختر بين سنابل القمح وتحت اضواء الكهرباء التي لم تكن موجودة من قبل، لقد كان مشهدا ولا أروع .. ولا ننسى الاضافات الهائلة الأخرى على صعيد الطبابة حين انشأ في كل قرية صغيرة مركزا طبيا، وفي الكبرى مراكز ومستشفيات. لعله انجز حلمه بأن تتساوى مصر كلها بكل الخدمات الانسانية التي تحتاجها ونجح في قراراته، لا بل جعلها في صلب قضاياه الوطنية فصارت حقيقة وواقعا.
وكيف لنا ان ننسى اسمى القضايا التي عمل لها وناضل من اجلها ووقفت دائما في خياله وفي واقعه، وهي قضية بناء السد العالي التي انجزت تماما وشكلت حالة حضارية متطورة قدمت لمصر تصورا زراعيا جديدا اضافة إلى حل دائم لمشكلة الكهرباء اضافة إلى هندسة جديدة لمجرى النيل وسريانه. واليوم تعيش مصر بذلك الإنجاز، وبقدر السهر المضني على اقامة هذا السد الذي اعتبر مثالا عالميا، كما اعتبر نموذجا للعلاقات المصرية السوفياتية المتطورة آنذاك، فإنه ساهم في اضافة مفهوم جديد على الاستقلال الذاتي.
/// قضايا الانجازات الأخرى
من ضمن القضايا التي آمن فيها عبد الناصر، فقد كانت متعددة، لم تبق مصر في عهده اسيرة تجربة ذاتية، سعى من اجل اهداف كبرى كان يرى فيها دورا لمصر يجب ان تلعبه كي تحافظ على قيمها التحررية والإنسانية والاجتماعية وغيره. فبعد عامين تقريبا من قيام ثورته في يوليو 1952 قاد إلى جانب الزعيم الهندي نهرو والزعيم اليوغوسلافي تيتو حركة جديدة اطلق عليها حركة عدم الانحياز أو الحياد الايجابي وكان القصد منها ان تكون في الموقع الوسط بين حلف وارسو الذي تتزعمه الاتحاد السوفياتي وحلف الاطلسي الذي تتزعمه الولايات المتحدة الاميركية، كان مؤمنا بأن مصر، بالنظر إلى نفوذها في آسيا وافريقيا وفي العالم الاسلامي، قد تتمكن من لعب هذا الدور ومن حشد العالم الوسطي الذي لا يريد احلافا أو تسميات من هذا النوع ان يبادر إلى التجمع تحت راية جديدة تؤمن له الاستقلالية وعدم التبعية لأي كان. وظل عبد الناصر رغم كل الانكسارات التي اصابت الفكرة واصابته ايضا نتيجة صراعه مع الغرب واسرائيل وفيا لفكرة عدم الانحياز إلى آخر لحظة في حياته.
ولأن اهدافه كانت متجاوزة ايضا، فقد شعر بأن افريقيا التي مصر جزء منها يجب ان تكون سيدة نفسها، وفي عهده أقيمت مؤتمرات قمة افريقية تزعمها، وما زلنا إلى اليوم نذكر قادة افارقة لعبوا دورا في استقلالهم الوطني، وفي طليعتهم زعيم غينيا احمد سيكوتوري والرئيس التنزاني جوليوس نيرري والرئيس الكيني جوموكينياتا وكذلك كوامي نيكروما وباتريس لومومبا وغيرهم، وما زلنا نذكر بفخر كلمة نلسون مانديلا في جامعة القاهرة عام 1995 متذكرا عبد الناصر بقوله ” كان لدي موعد قد تأخر ربع قرن رفعت رأسي من بعيد كي يراه، ثم حالت ظروف قاهرة بينه وبيني لألقاه، وحين جئت إلى مصر فقد كان سوء حظي ان جمال عبد الناصر لم يعد هناك .. سأزور في مصر ثلاثة أماكن الأهرامات والنيل العظيم وضريح جمال عبدالناصر”. ولا تزال هنالك قضايا مخفية في حياة عبد الناصر ويده الكريمة التي انطلقت من مفاهيمه واهدافه في مساعدة حركات التحرر التي تتسلل منها كلمة اهدافه في غاية الوضوح كقولة الزعيم الايراني علي خامنئي :” بكيت عليه كما لم أبك على أمي وأبي .. فقد كان الزعيم الوحيد الذي ساعد الإمام الخميني وأمد الثورة الإيرانية بالمال والسلاح وقواعد التدريب “.. ويذكر الصحافي محمد حسنين هيكل انه بعد وصول الخميني إلى ايران بأيام سافر إلى هناك والتقى الخميني الذي اعترف له لأول مرة ان عبد الناصر اصدر قرارا بتقديم العون المالي لكل ضحايا ايران ضد الشاه الذين قتلهم يوم تم ابعادي من ايران.
أما دور الأزهر فقد كان امينا في نشر الاسلام في افريقيا وآسيا، وخصوصا عندما بدأت طلائع التبشير الآخر تقترب من الدول الإسلامية. وأذكر ان احد اصدقائي الذي سافر إلى الهند قبل عام تقريبا وتمكن من اللقاء بعدد من الذين يتكلمون العربية وكانوا اساتذة يعطون دروسا في المدرسة العربية الوحيدة هناك، ان اعترف لهم احدهم ان المدرسة انشئت ايام عبد الناصر وبقرار منه وانه كان يمولها ويرسل الأساتذة لتعليم المسلمين الهنود اللغة العربية، والآن لا تتلقى اية مساعدة منذ وفاته.
/// القضايا العربية
ضمن اهدافه الكبرى كانت القضايا العربية مصدر اهتمام له وهو الذي بنى عالمه الثوري على تلك القضايا وشرع في تنفيذها وفي طليعتها الوحدة العربية التي نفذ أولى باكورتها بإيمان شديد لا رجوع عنه مع سوريا عام 1958 وكاد لولا ظروف ان يتمم وحدة اوسع بين مصر وسوريا والعراق. أليس هو القائل دائما “اننا نحلم بمجد امة وسوف نبني هذا المجد”. ومن قضاياه التي لم يعلن عنها والتي عاشها قبل سنوات من وفاته ايمانه بضرورة انشاء حركة تحرر عربية موحدة تكون المؤسسة الثابتة في حياة العرب.
القضية السامية التي آمن بها كانت مساعدة حركات التحرر او العمل على انضاجها كي تتفتق .. فكان إلى جانب ثورة الجزائر، وإلى الحركات الوطنية في كل من تونس والمغرب، وكان الى جانب الثورة في لبنان التي ثارت على قرار الرئيس اللبناني آنذاك كميل شمعون الدخول في حلف بغداد .. وهو الذي وقف الى جانب اليمن حين اعلنت ثورتها عام 1961 بل وارسل جيشا عرمرما إليها من اجل صيانتها وحمايتها وخسر منه الكثير لكنه فوجئ عند عودة جنوده منها ان قابله احد الجنود بالقول اثناء مصافحته له “إلى جانب مساندته لثورة الجنوب اليمني ضد الاستعمار البريطاني، والآن إلى فلسطين ” فدمعت عين عبدالناصر. وعندما استقلت اليمن الجنوبي كان ناصر أول من اعلن الاعتراف بها وارسل لها ما تحتاجه في تلك الظروف .. وما زلنا نذكر كيف وقف إلى جانب العراق في انقلابه التاريخي الذي قاده عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف .. كان وجوده بحد ذاته مدعاة لتفجير ثورات في الوطن العربي، ولهذا كان داعما لها منذ قيامها ومؤمنا بأنها ستضيف على الحالة العربية ايجابيات كثيرة.
اما قضية فلسطين فأعطاها من عمره ومن جهده ومن تفكيره وكانت قضية القضايا لديه .. وخير من يختصر علاقة عبدالناصر بهذه القضية الرئيس الراحل ياسر عرفات الذي قال في يوم وفاته كلمة ذات معنى جاء في بعضها: “اما فلسطين فعبد الناصر المناضل والرئيس هو شهيدها الأكبر، انه الجندي والمقاوم والفدائي في حصار الفالوجة، الذي رفض الاستسلام واختار الصمود والمقاومة وحمل فلسطين في فكره وفي وجدانه وفي قلبه طول حياته، ورفض غياب فلسطين وتغييبها، والفضل له في احياء الكيان الوطني الفلسطيني بعد نكبة عام 1948 حين قرر انشاء المجلس التشريعي الفلسطيني في قطاع غزة لتكون نواة فلسطين المستقبل التي كان عبد الناصر يعد لها العدة في ارض الكنانة. لم ولن ينسى الشعب الفلسطيني ان المناضل جمال عبد الناصر شهيد فلسطين الذي رعى قيام منظمة التحرير الفلسطيني لقيادة الشعب الفلسطيني في معركة التحرير واستعادة الارض الفلسطينية المحتلة، ومن اجل قيام دولة فلسطين المستقلة وعاصمتها القدس الشريف ومن اجل حق اللاجئين في العودة الى وطنهم وارضهم ” .. اختصر عرفات كل ما كانه عبد الناصر فلسطينيا، بل اعتبر دائما الفلسطيني الأول الذي دفع غاليا ثمن فلسطينيته، ولعله حين يتذكر دوره العسكري في فلسطين والحصار الذي فرض عليه آنذاك من قبل الاسرائيليين وقضية الأسلحة الفاسدة التي وضعها نظام الملك فاروق بيد جيشه الذي ذهب للتقال في فلسطين، كلذلك جعل من عبد الناصر يفكر بأن هدفه المركزي هو في مصر وانه لا بد من تغيير الواقع المصري وهكذا كان. من هنا نفهم آراء بعض القيادات الاسرائيلية به، ومن خلاله نعرف مدى تجذره الفلسطيني والعروبي والوطني .. فمثلا يقول مناحيم بيجن ان “وفاة عبد الناصر تعني وفاة عدو مر انه كان أخطر عدو لإسرائيل ” .. اما حاييم بارليف فيقول ” بوفاة عبد الناصر عاد العرب فرقاء كما كانوا وسيظلون باختفاء شخصيته الكاريزماتية”.
ــــــــــــــــــــ

من اقواله :
ــ اللهم أعطنا القوة لندرك ان الخائفين لا يصنعون الحرية والضعفاء لا يخلقون الكرامة والمترددين لن تقوى أيديهم المرتعشة على البناء.
ــ مثلنا لا يعيش طويلا.
ــ لا نقاتل لنغلب، لكننا نقاتل لنحرر، ولا نقاتل للتوسع ولكننا نقاتل لنحيا.
ــ إننا نحلم بمجد أمة وسوف نبني هذا المجد.

إلى الأعلى