الجمعة 20 يناير 2017 م - ٢١ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / خطوة جيدة وإن جاءت متأخرة

خطوة جيدة وإن جاءت متأخرة

علي بدوان

”إن الدائرة تتسع كل يوم، والقناعة تترسخ أكثر فأكثر في كل الأوساط الدولية، بأهمية الضغط على دولة الاحتلال “الإسرائيلي” وإجبارها على مشروع تسوية يُعلن ميلاد الدولة الفلسطينية على حدود العام 1967 وعاصمتها القدس، وتكريس الحل العادل لقضية اللاجئين الفلسطينيين الذين يُشكلون نحو (65%) من التعداد العام لعموم أبناء الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات،”
ــــــــــــــــــــــــــــــ
بالرغم من المناخ العام المحيط بالمنطقة، حيث تراجع حضور قضية فلسطين لصالح ما يجري في بعض بلدان العالم العربي من أزمات كبرى، فإن وهج القضية الفلسطينية يبقى ساطعاً في مسار الأحداث الكبرى التي تعصف بالعالم العربي وعموم الإقليم. ومؤشرنا على ذلك وقوع عدة تحولات ايجابية متتالية في مواقف بعض الدول الكبرى لصالح القضية الفلسطينية، وارتفاع درجات العطف العالمي وتضامن شعوب العالم مع الفلسطينيين بعد محنة العدوان الأخير على القطاع. وقد جاءت خطوة مجلس العموم البريطاني ومن قبله خطوات دولة السويد في هذا المسار حيث الاعتراف بالكيانية الوطنية الفلسطينية، التي أصبح ميلادها المرتقب موضع إجماع دولي منذ فترة طويلة، لكنه يتعزز الآن أكثر من ذي قبل.
إنها خطوة جيدة وإيجابية على الطريق الصحيح حتى لو كانت متأخرة جداً، تلك الواقعة الأخيرة التي جاءت من خلال تأييد النواب البريطانيين في غالبية ساحقة الاعتراف بدولة فلسطين خلال التصويت في مجلس العمومي البريطاني. حيث اعتراف المجلس العمومي البريطاني بدولة فلسطينية هي بمثابة توصية من المجلس للحكومة للاعتراف بدولة فلسطينية تعبيراً عن دعم الرأي العام البريطاني بشكل عام بضرورة إنهاء الاحتلال “الإسرائيلي” للأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967. فيما أعلنت الحكومة البريطانية “أنها تحتفظ بحقها في الاعتراف بفلسطين كدولة، واتخاذ قرار مستقل فيما يتعلق بموعد استخدام هذا الحق”.
حكومة نتنياهو جن جنونها، وأعلنت “أن الاعتراف بالدولة الفلسطينية يجب أن يتم فقط نتيجة لمفاوضات السلام” (لاحظوا مفاوضات السلام وليس مفاوضات التسوية). فلم يَكد قادة حكومة نتنياهو ليَصحوا من خطوة دولة السويد بالاعتراف بالدولة الفلسطينية، حتى جاءتهم خطوة غير محسوبة على الإطلاق، من خلال تصويت مجلس العموم البريطاني وبأغلبية ساحقة هذه المرة، زاد على (274) عضواً ولم يعارضه سوى قلة لا تتعدى (12) عضواً بالدعوة للاعتراف بالدولة الفلسطينية.
الخطوة تُعَبر عن الانزياح الإيجابي المُتتالي (ولو كان بطيئاً) في مواقف الجمهور والرأي العام في بريطانيا وعموم دول غرب أوروبا من القضية الوطنية التحررية للشعب الفلسطيني، وتأتي في سياق القناعة التي تتشكل كل يوم، بالدعوة لتمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة سيادته، بعد عقودٍ مضنية من مسار الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، وانطلاقاً من أن مسار التسوية المتعثرة في الشرق الأوسط لا يمكن له أن ينطلق دون الوصول لدولة فلسطينية وتجسيدها فوق الأرض المحتلة عام 1967 وحل قضية اللاجئين بشكلٍ عادل.
إنها لحظة التقاط الحقيقية التي طالما حاولت العديد من دول الغرب الأوروبي القفز عنها وتجاهلها من خلال مواقفها الداعمة للدولة العبرية الصهيونية على طول الخط خلال عقود الصراع الطويلة في المنطقة، حيث بدأ الأوروبيون وتحديداً دول الغرب الأوروبي، ومنذ فترة ليست بالقصيرة، وتحديداً منذ انفجار واندلاع الانتفاضة الفلسطينية الكبرى نهاية العام 1987، يدركون بأن طريق التسوية في المنطقة لا يمكن أن يتم دون الاعتراف العملي بحق الفلسطينيين في إقامة دولة مستقلة ذات سيادة في حدودٍ مُعترف بها دوليًّا، وحل قضية اللاجئين الفلسطينيين، وفق منطوق قرارات الشرعية الدولية التي قَبِلَ بها الفلسطينيون بالرغم من الإجحاف الكبير الذي تُلحقه بحقوقهم التاريخية على أرض وطنهم فلسطين.
والآن، وبعد مشوارٍ طويل من المفاوضات المختلة والبعيدة عن التوازن، بدأت العديد من مصادر القرار الأوروبي، بما في ذلك من داخل دول الاتحاد النافذه، تدرك وتتيقن بأن الطريق نحو التسوية الحقيقية في الشرق الأوسط، وتحديداً على مسار الصراع الفلسطيني مع الاحتلال “الإسرائيلي”، وطريق قيام الكيانية الوطنية الفلسطينية وتجسيدها على الأرض بدولة مستقلة، ليس الحوار وطاولة المفاوضات غير المتوازنة التي ما زالت تجرجر نفسها منذ العام 1991، والتي تتحكم بها “إسرائيل” متى وكيف شاءت، متلاعبة بمستقبل شعب آن له أن يجني ثمار نضاله عبر العقود الطوال، بل تأتي عبر الجهد الدولي الحقيقي المُتكاتف مع الجهد العربي والفلسطيني لفرض تطبيق قرارات الشرعية الدولية وإلزام الدولة العبرية بالقبول العملي بها.
لقد جاء الموقف السويدي بالاعتراف بالدولة الفلسطينية كأول دولة أوروبية كبيرة تقدم على مثل هذه الخطوة، ليُشكل تحولاً ملموساً في هذا الاتجاه الساعي للتسوية الحقيقية على أساس الشرعية الدولية، والداعي لكسر التعنت في الموقف الأوروبي عند بعض الأطراف النافذة والمقررة في دول الاتحاد، والتي تتناغم في موقفها مع الولايات المتحدة والرؤية “الإسرائيلية” لعملية التسوية مع الفلسطينيين، وهو الموقف الذي افترق عن مواقف الجمعية العامة للأمم المتحدة، حين وافقت على الاعتراف فعليًّا بفلسطين دولة ذات سيادة في العام 2012.
إن الدائرة تتسع كل يوم، والقناعة تترسخ أكثر فأكثر في كل الأوساط الدولية، بأهمية الضغط على دولة الاحتلال “الإسرائيلي” وإجبارها على مشروع تسوية يُعلن ميلاد الدولة الفلسطينية على حدود العام 1967 وعاصمتها القدس، وتكريس الحل العادل لقضية اللاجئين الفلسطينيين الذين يُشكلون نحو (65%) من التعداد العام لعموم أبناء الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات، وذلك بحقهم في العودة إلى أرض الأباء والأجداد وفق منطوق القرار الأممي الرقم (194) للعام 1949.
أخيراً، إن خطوة مجلس العموم البريطاني، بمثابة رسالة لبقية دول الاتحاد الأوروبي، للاعتراف بالدولة الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني. كما هو خطوة في الاتجاه الصحيح، لصحوة الضمير البريطاني، حيث تتحمل بريطانيا أكثر من أي دولة في العالم المسؤولية الأخلاقية والإنسانية تجاه مأساة الشعب الفلسطيني، مسؤولية تاريخية متواصلة منذ وعد بلفور المشؤوم عام 1917.

إلى الأعلى