السبت 25 مارس 2017 م - ٢٦ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الأطلال

الأطلال

أ.د. محمد الدعمي

”الثقافات الحيوية تقوى على إنتاج الجديد الذي يواكب العصر والحياة. هي لا تغفل القديم إن كان جيداً، إلا أنها تحيله إلى المتحف أو إلى الأرشيف لأنها ثقافات مشغولة بالجديد ومنهمكة بالمستحدث والطارئ. الثقافات الحية لا تغلق ذاتها على بكاء الأطلال واجترارها، تلك “الأطلال” التي استمعت إليها مع والدي وأنا في المدرسة الابتدائية، لأن هذه الثقافات تفتح نوافذ الحياة على آفاق أخرى باحثة عن الجديد وعن المبتكر.”
ـــــــــــــــــــــــــــ
لا يراودني الشك قط في أن أفضل وأدق من يستطيع التمييز بين الثقافات الحيوية vital cultures، من ناحية، والثقافات الراكدة stagnant cultures، من الناحية الثانية، هو الإنسان العربي. ومرد ذلك غاية في البساطة: فهو يولد وتتوالى سنين حياته، مذ يشب حتى يشيب، ثم تحضره المنية وهو يستمع إلى نفس الألحان ويقرأ ذات النصوص، يشاهد ذات المسرحيات ويكرر نفس الطرائف. يغادر وهو مقتنع بأنه قد قطف من الحياة أفضل ما يمكن أن تقدمه من ثمار الثقافة، خطأً، للأسف. يلاحظ المرء ذلك وهو يستمع إلى أغاني أم كلثوم في السيارة وفي البيت؛ وهو في المكتب وفي إحتفالات الأعراس، من بين سواها من المناسبات.
إلا أنها ليست أغاني أم كلثوم فقط، ذلك أن هذا الإنسان لا يضحك إلا عند مشاهدة مسرحية من نوع (شاهد ماشفش حاجة)، ومن عيد لعيد؛ ثم من جيل لجيل. هل تعني هذه الظاهرة أن ذائقة الجمهور راكدة، أم أنها تعني أن الثقافة العربية الشائعة (على أقل تقدير) متهمة بالركود فإذا كانت هذه المسرحية قد عرضت في سبعينيات القرن الماضي وضحكنا من كل قلوبنا آنذاك بسببها؛ فما بالنا اليوم نضحك بعد مرور العقود تلو العقود؟ هل يعني هذا أن هذه المسرحية تجاوزت “اختبار الزمن” فارتقت بنفسها إلى مصاف الأعمال الكلاسيكية (بغض النظر عما يشوبها من ابتذال أحياناً)، اي الى مصاف مسرحيات شيكسبير، مثل هاملت وماكبث؟
هو سؤال منطقي، إلا ان الإجابة عليه تميط اللثام عن حقائق ثقافة غير قادرة على التجدد وتقديم الجديد، بل هي ثقافة غير قادرة على مواكبة العصر، بكل تأكيد. أما أن تدعي بأن أغنيات “فريد” أو “عبد الوهاب” هي أغنيات “خالدة”، فهل يعني هذا انها خالدة مثل سمفونيات بتهوفن وتشايكوفيسكي؟ الجواب: كلا، بكل تأكيد. نحن نطرب على ما أطرب أجدادنا وآباءنا لأن جيلنا لم يقدم ما يرقى بنفسه إلى مصاف ما قدمه مجايليهم من الفنانين. هذا خلل ثقافي واضح المعالم.
الثقافات الحيوية تقوى على إنتاج الجديد الذي يواكب العصر والحياة. هي لا تغفل القديم إن كان جيداً، إلا أنها تحيله إلى المتحف أو إلى الأرشيف لأنها ثقافات مشغولة بالجديد ومنهمكة بالمستحدث والطارئ. الثقافات الحية لا تغلق ذاتها على بكاء الأطلال واجترارها، تلك “الأطلال” التي استمعت إليها مع والدي وأنا في المدرسة الابتدائية، لأن هذه الثقافات تفتح نوافذ الحياة على آفاق أخرى باحثة عن الجديد وعن المبتكر.
عندما نضع أغاني القرن الماضي على أقراص لنستمع إليها في سياراتنا ومنازلنا، فإننا، ضمناً، ندين ثقافتنا المعاصرة لأنها لم تتمكن من أن ترتقي بنفسها إلى أن تتفوق على ما أنتجته ذات الثقافة قبل أكثر من نصف قرن، ويزيد: ما هذا التحجر، ايها القارئ الكريم: فهل انطفأت جذوة الإبداع بيننا درجة أننا، في جميع العالم العربي، نستمع إلى أغنية “ياليلة العيد آنستينا” بصوت أم كلثوم ومنذ أكثر من ثمانية عقود؟ بل إن ما يزيد من خوانق الإبداع للذائقة العربية اليوم يتجسد في الاعتزاز غير المبرر، والذي يستدعي التندر بـ”الأطلال”. هل هذه سجية توارثناها من تقليد بكاء الأطلال الذي اتبعه زهير وعنترة وامرؤ القيس قبل أكثر من الف سنة، وبعكسه: ما هذا الجمود؟!

إلى الأعلى