الخميس 27 يوليو 2017 م - ٣ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / من الإصدارات العربية حال السلف مع القرآن

من الإصدارات العربية حال السلف مع القرآن

عرض ـ مبارك بن عبدالله العامري
إن المؤمن عندما يحسن قراءة القرآن وتدبره يقف على زاد عظيم من معانيه ودلالته وهداياته، ونحن في عصرنا الحاضر أحوج ما نكون إلى القرآن العظيم، نتلوه ونتدبره، نفهمه ونفسره، نحيا به ونتعامل معه، نصلح أنفسنا ومجتمعاتنا على هديه، ونقيم مناهج حياتنا على أسسه ومبادئه وتوجيهاته وكتاب حال السلف مع القرآن يجمل بين أحضانه مواقف الصحابة والتابعين والسلف الصالح وتأثرهم بكتاب الله الكتاب من تأليف الاستاذ الدكتور بدر بن ناصر البدر ويقع في (552) صفحة وصدر عن مكتبة دار الحضارة للنشر والتوزيع.
تناول المؤلف عبر هذا الإصدار تنافس السلف في تلاوة القرآن وعنايتهم بتحقيقها: إن مما اتفق عليه الصالحون من عباد الله الأخيار الأكياس الإكثار من تلاوة القرآن وترتيله أناء الليل وأطراف النهار، اغتناما للأجر وتحصيلا للثواب يقول الرسول (صلى الله عليه وسلم): من قرأ حرفا من كتاب الله فله به عشر حسنات، لا أقول ألم حرف، ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف (رواه الترمذي والحاكم) وكانوا رحمهم الله تعالى يجدون في تلاوة القرآن الكريم ولزوم ذاك أنسا ولذة تعجز العبارة عن وصفها، وكانوا يتحسرون عند موتهم على انقطاعهم من الأعمال الصالحة ومن أجلها تلاوة القرآن الكريم، يقول الحسن البصري رحمه الله تعالى: تفقدوا الحلاوة في ثلاث: في الصلاة وفي القرآن وفي الذكر، فإن وجدتموها فامضوا وأبشروا، وإن لم تجدوها فاعلم أن بابك مغلق وهذا حق فإن الذي لا يأنس ولا يطمئن في صلاته وتلاوة كتاب ربه وذكر الله جلا وعلا، بل يتململ منها ويتضايق حين إتيانها وحضور مجالسها، فإنه محروم، حرم خير الله وفضله، ومسكين قد أغلقت عليه معاصيه وذنوبه أبواب الخير والأنس بالطاعة والراحة فيها يقول جل وعلا في وصف كتابه: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ، يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم) (المائدة 15- 16).
وأشار المؤلف عن العمل بالقرآن والإخلاص به، فقد أنزل الله عز وجل كتابه الكريم ليعمل به ويقف عند حدوده ويتحاكم إليه في صغير الأمور وكبيرها، وتكفل سبحانه لمن تمسك به الهداية والفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة قال تعالى: (إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً) (الإسراء ـ 9)، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً، فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ بِاللّهِ وَاعْتَصَمُواْ بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً) (النساء 174- 175)، وقد جاءت أقوال السلف الصالح ـ رحمهم الله تعالى ـ حاثة على التمسك بالقرآن والسير على نهجه والتزام على نهجه والتزام طريقه والعمل به ، فمن ذلك أن جندب بن عبدالله البجلي خرج في سفر له ، فخرج معه ناس من قومه حتى إذا كانوا بالمكان الذي يودع بعضهم بعضا قال : أي قوم : عليكم بتقوى الله ، عليكم بهذا القرآن فالزموه على ما كان من جهد وفاقة ، فإنه نور بالليل المظلم وهدى بالنهار ، وعن زيد بن جبير قال: قال لي أبو البحتري الطائي: (اتبع هذا القرآن فإنه يهديك) والمروي عن عبدالله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ في هذا المعنى والحث عليه كثير من ذلك قوله : (إن هذا القرآن مأدبة الله في أرضه فمن دخل فيه فهو آمن) آمن من عذاب الله وعقوبته لمن خالفه.
والمؤمن الصادق هو الذي ينظر حاله مع كتاب الله تعالى من حيث الإيمان التام والتصديق الجازم به ، ومن حيث السمع والطاعة له والوقوف عند حدوده والعمل به ، وبالتمسك بالقرآن فسر قوله الله تعالى: (فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ) قال أنس بن مالك رضي الله عنه : هو القرآن وقال عبدالله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ :إن هذه القلوب أوعية، فاشغلوها بالقرآن ولا تشغلوها بغيره).
وبيّن المؤلف عن أخلاق أهل القرآن وسيماهم والواجب عليهم فقال: إن لأهل القرآن وحملته هديا وسمتا تميزوا به عن غيرهم، لما تحملوه من شرف القرآن الكريم والعناية به ، تلاوة وحفظا تعلما وتعليما ، فهما لآياته ومعرفة لأحكامه ، فهم أولى الناس بالخشية والتأثر ، ورقة القلب ودمع العين ، والخلق الفاضل والتعامل الحسن ، والتمسك بالسنة والبعد عن الدنيا وعدم التعلق بها والمنافسة من أجلها عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: إياكم والهذاذين الذين يهذون القرآن ويسرعون بقراءته) فإنما مثل ذلك كمثل الأكمة التي لا أمسكت ماء ولا أنبتت كلا وقال ابن ابي مليكة : صحبت ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ يعني في السفر فإذا نزل قام شطر الليل يرتل القرآن ، يقرأ حرفا ، ويكثر في ذلك من النشيج والنحيب.
إن حامل القرآن حقا من يصون ما تفضل الله به عليه من التوفيق لخمة كتابه ، فلا يتعلق بالدنيا ولا ينشغل بشهواتها ولذاتها عما هو مهيأ له وواجب عليه، وألا يجعلها في ناظره معيار السعادة والهناء، بل هي كما أخبر الله عز وجل الله عز وجل عنها (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِين) (يونس ـ 24) ، وقال تعالى: (وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً، الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً) (الكهف 45-46)، وأخبر عنها النبي (صلى الله عليه وسلم) فيما رواه عن سهل بن سعد الساعدي ـ رضي الله عنه ـ قال: لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء) ـ رواه الترمذي، وعن عبدالله بن الشخير ـ رضي الله عنه ـ قال: أتيت النبي (صلى الله عليه وسلم) وهو يقرأ (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُر) (التكاثر ـ 1)، قال يقول ابن آدم : مالي مالي ، وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت) ـ رواه أحمد والنسائي .. وغير ذلك من الأحاديث التي تبين حقيقة الدنيا وأحوال أهلها المتعلقين بها، وهذا ما فقهه السلف الصالح ـ رحمهم الله تعالى ـ الذين جعلوا القرآن ربيع قلوبهم ونور بصائرهم ، فعرفوا لكل شيء قدره وأعطوه حقه ، وتعاملوا معه على ضوء توجيهات القرآن الكريم وهداياته، الذي تكفل الله لمن استهدى به وسار على نهجه ألا يضل ولا يشقى في الدنيا والآخرة، يقول تبارك وتعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ، يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) (المائدة 15- 16)، وفي مقابل هذا يقول جل وعلا: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى، قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً، قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى، وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى) (طه 124- 127).
وبيّن المؤلف صور من تأثر الصحابة والتابعين والسلف الصالح فقال: من صور تأثر الصحابة رضي الله عنهم بالقرآن وعملهم بآياته في حياتهم العامة والخاصة، تزكية نفوسهم وتهذيب أخلاقهم على منهج القرآن الكريم وفي ظل توجيهاته ما كان لعثمان بن عفان ثالث الخلفاء الراشدين ذي النورين وصاحب الهجرتين ـ رضي الله عنه ـ كان من الذين (اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين) (المائدة ـ 93)، كان ممن (هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ) (الزمر ـ 9) غالب أحواله الكرم والحياء والخوف والرجاء ، حظه من النهار الجود والصيام ، ومن الليل السجود والقيام.
كان ـ رضي الله عنه ـ مكبّاً على تلاوة القرآن الكريم ، لا يفتر عنه إلا لحاجة أو عمل ، وذلك دلالة حبه له ، وطهارة قلبه عما يشغله عنه ، لما قيل له في ذلك : لو طهرت قلوبنا ما شبعنا من كتاب الله عز وجل .
وعبر هذا الكتاب صور من حياة العديد من الصحابة والتابعين والسلف الصالح وتأثرهم بالقرآن.

إلى الأعلى