الثلاثاء 23 مايو 2017 م - ٢٦ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الإسراف ومكب النفايات النفسية

الإسراف ومكب النفايات النفسية

عادل سعد

إن واحدة من الآفات التي تستوطن في حياتنا اليومية بدون أية كوابح هي النزعة الاستهلاكية وكأن هاجسًا يحركها علينا للدخول في منافسات الاقتناء والامتلاك والإسراف، وفي النهاية إنتاج أطنان من المخلفات والنفايات الاجتماعية والنفسية المتشعبة.
هكذا تظل هذه النزعة الإسرافية تتحكم في البعض منا وكأنها قدر لا يمكن الفكاك منه، بل تتحول إلى نمط سلوكي في الوقت الذي يقابله المزيد من الشكاوى عن حاجتنا لهذا المطلب أو ذاك بعيدًا عن الإدراك أن متوالية الاستهلاك تعطي مردودات عكسية على جانب خطير من الاستلاب والتورط في دوامة الإشباع الذي لا يتوقف عند حدود معينة إذا استمر بوتيرة متصاعدة، وهنا لا أكتمكم أنني وجدت في التصريحات التي أطلقها معالي محمد بن حمد الرمحي وزير النفط والغاز العُماني خلال الأيام القليلة الماضية ما أعانني على تلمس مواقع خلل إضافية في هذا الشأن مقابل ما ينبغي أن تكون عليه الأولويات في المواجهة التي تستمد حضورها من الترشيد والتقنين والاكتفاء.
لا شك أن الوفرة لا تجيز لنا الإسراف لأنها مهما كانت بثمن بخس أو مجانية وواسعة نسبيًّا فإن من العقل أن نتعامل معها بروح المسؤولية وليس بنزعة الاستمرار في استهلاكها على أساس أنها تحت اليد.
ولقد استوقفتني عبارة الوزير في تلك التصريحات عندما قال (يجب أن نبعث رسالة إلى جيوب الناس) من أجل إعادة النظر في ما نحن عليه من شواهد في الإسراف بالطاقة الكهربائية والطاقة الأحفورية، وبالتالي تأسيس جدوى حقيقية للسياسة الاقتصادية الرشيدة وليس أن نبقى تحت طائلة الاستغلال المفتوح على وزن الإيقاع الذي يحكم بعض الأسواق (يا بلاش)، تمامًا كما يفعل شخص نهم في تناول كميات كبيرة من الطعام دون أن يعرف نتائج ذلك على صحته العامة، ومن هنا تأتي أهمية إعادة النظر التدريجي بين الحين والآخر في إجراءات الدعم المقدمة على أساس سياسات إرضائية ليس إلا.
لقد أوصت الكثير من الدراسات في علم النفس الاقتصادي أن هناك حاجة دورية إلى مراجعة سلوك الإنسان الاستهلاكي من أجل إعادة ترتيب أولويات هذه السلوك بما يخدم استقراره المعاشي، ثم من قال إن اعتماد سياسة رفع الدعم بين الحين والآخر بما يخدم اقتصاد الدولة، أية دولة، هو عمل ضد الشرائح الاجتماعية الأوسع دائمًا؟
لقد تأكد بما لا يقبل الخطأ أن الاستمرار في سياسات الدعم لبضائع وحاجات معينة قد يضر بهذه الفئات لأنه يدفع إلى تضخيم دورة الاستهلاك، وبالتالي يأتي ذلك على حساب أسبقيات الاقتصاد، وكما يقول الفيلسوف الألماني أريك فروم إن هذا النوع من الدورة الاستهلاكية الحياتية اليومية يضع الفرد تحت طائلة الاستسلام لها دون أن تتوفر له السعادة القائمة على القناعة، ولذلك ليس طارئًا أن تقول العرب عنها إنها (كنز لا يفنى)، ثم إن الإسراف والاستمرار في الدعم يفتح المجال للكثير من مظاهر التهريب والفساد الاقتصادي والاتكالية على الحكومات بما يحولها إلى مجرد جمعيات خيرية لتلبية الحاجات، مع مخاطر حتمية في إيقاف دورة التفكير لدى الأفراد وعموم المجتمع باعتبار الاقتصاد الوطني مسؤولية الحكومة وفي ذات الوقت مسؤولية المواطن أيضًا.
إننا في أغلب البلدان العربية نرتكب كمواطنين ما يمكن تسميته عملية تهريب الدخول المالية على أساس أن هناك من يتكفل دائمًا بنا ويتمثل بالحكومات، وحين يحصل تقصير ما من قبلها في هذا الشأن أو ذاك، وينطلق سيل الاتهامات وتحميلها الأخطاء التي تحصل دون أن نضع في حسابنا ما هو مطلوب منا في إطار المعاونة لترتيب أولويات اقتصادات بلداننا، مع ملاحظة أن استمرار الدعم وبالهامش الذي يلبي مطالب هامشية، وليست أساسية لا بدّ أن يؤثر بالنتيجة النهائية على بنية التنمية البشرية المستدامة، وهكذا نكون منخرطين عن رضا وإمعان في إقامة مكبات للنفايات النفسية.

إلى الأعلى