السبت 25 مارس 2017 م - ٢٦ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / دولة عريقات!

دولة عريقات!

عبداللطيف مهنا كاتب فلسطيني

أخيرًا، وبما أن الصهاينة يوالون سياسة سد كافة المنافذ التسووية في وجه الأوسلويين الفلسطينييين، وظلوا لعقدين أجدبين ونيِّف يصدون متوالي تهافتهم لطرق أبواب متاهاتها الأميركية دون جدوى، بدا وكأنما قد طفح الكيل لدى كبير مفاوضيهم الدكتور صائب عريقات لدرجة بات يجزم فيها بأن “وقت المراوغات قد انتهى”! وعليه، فهو لم يجد بدًّا من قولها هذه المرة وأمره إلى الله، بأنه “لا يوجد خيار سوى التحرُّك من جانب واحد لإقامة دولة فلسطين”… وقبل أن يقل لنا كيف سيقيمها؟ حدد لقيامها المفترض، وبشكل إنذاري واضح، موعدًا أقصاه نوفمبر2017. أما بالنسبة لكيف؟ فقال إنه “سيُعرض على مجلس الأمن الشهر المقبل قرار باعتبار ذلك موعدًا نهائيًّا لإقامة الدولتين، طبقًا لحدود 67″…
ما من شك في أن كبير المفاوضين في المفاوضات، التي بات معلنها، أو ما فوق طاولتها وليس تحتها، من الماضي وغدا الآتي منه في علم الغيب، يدرك ما لا يخفى على أحد في عالمنا، وهو أن الفيتو الأميركي في حالة استنفار تاريخي ودائم بانتظار أي قرار في مجلس الأمن قد يصب في صالح القضية الفلسطينية، أو يضر بالمصلحة الصهيونية. ولعله قد سمع مثل سواه أيضًا أن 70% من جمهور الكيان الغاصب يعارضون مبدأ “حل الدولتين”، الذي تلوكه بلا ملل أطراف راهن الأحبولة التسووية التصفوية… إذن، علام يستند عريقات حينما يحدد موعدًا نهائيًّا لقيام دولته الافتراضية هذه، أو ما هي الأوراق التي لديه يا ترى؟!
ليس أمامنا للإجابة هنا من سبيل إلا العودة فحسب لمبدأ الرجل الشهير المعروف بـ”المفاوضات حياة”، بمعنى أنه أما وأن مفاوضات ما فوق الطاولة قد ذهبت أدراج رياح التصلب الصهيوني وانحياز الراعي الأميركي، وأن حصاد ما تحتها وما إلى جانبها، وهنا يخطئ من يظن بأنها قد توقفت في يوم من الأيام منذ أن بدأت الكارثة الأوسلوية، ظل صفرًا، فما من مندوحة لكبير المفاوضين من مواصلتها أقله إعلاميًّا، وهي على أية حال حالة درج اعتمادها لدى الطرفين الأوسلوي والصهيوني على السواء… ومن هنا يسهل علينا فهم تهديده الذي أطلقه في جلسته التفاوضية التي أدارها مع الصحافة الغربية من مكتبه في أريحا مؤخرًا، والذي ينذر فيه بالانضمام إلى “500 منظمة ومعاهدة وميثاق وبروتوكول دولي تحت مسمى دولة فلسطين ليكون الاستقلال في حكم الواقع”… هذا جيد، لكنه يستدعي أسئلةً سرعان ما يتبادر وجوب طرحها إلى الذهن من مثل: وإذا كان لديك إمكانية الإقدام على مثل هذا، وهي فعلًا متوفرة بحكم الاعتراف الرمزي بدولة فلسطين من قبل الأمم المتحدة، والذي يعززه الاعتراف السويدي وتوالي الإعلانات عن نية الاعترافات المزمعة من قبل عدة دول في هذه الأيام، فما الذي يمنعك عن مثل هذا الانضمام؟! أو علام التلكوء في الإقدام عليه؟! بل وما المبرر في أنه لم يتم حتى الآن؟! أم أن كل ما في الأمر أننا إزاء مجرد إشهار لسابق تهديد وعودة إلى مكرور تلويح يستهدف استدراجًا بائسًا لتفاوض عَزَّ لا أكثر؟؟!!
من غرائب الراهن الفلسطيني الرسمي أن نتنياهو يحض رام الله ليل نهار، قولًا وعملًا، للجوء الفوري للأمم المتحدة، والانضمام دون تريث للخمسمئة هيئة أممية من تلك التي ذكرها عريقات في تهديده، بيد أنها تتلكأ وتتلكأ، أو تتحدث وتتوعَّد ولا تتحرك… لن نتحدث هنا عن غزة التي تقبع تحت دمارها ولم تضمَّد جراحها ولا جفت دماء شهدائها بعد، ولا عن فظاعات جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها الصهاينة إبان آخر حروبهم العدوانية عليها والتي أصمت آذانا وفقأت عيون عالم تفرَّج عليها لأكثر من خمسين يومًا، كما لا حاجة لأن نُذكِّر بأنها ما زالت رهن الحصار الإبادي الصهيوني العربي المضروب عليها منذ سبعة أعوام، أو التي لا تدخل إليها الآن، وفي ظل لعنة معبر رفح المستدامة، أبسط حاجات مواصلة الحياة إلا ما يسمح به خرم الإبرة الصهيونية… بل تكفينا الإشارة إلى ما يجري الآن على بعد أمتار من “المقاطعة” وتحت سمعها وبصرها في الضفة، وأخيره وليس آخره:
الصفقة التهويدية التي عقدها نتنياهو مع نفتالي بينيت وغلاة المستعمرين، والتي قضت بالموافقة على بناء 1016 وحدة تهويدية جديدة في القدس، والتخطيط لبناء الفين أخرى في مستعمرات الضفة، إلى جانب إنشاء قرى طلابية خاصة، وتوسيع للمستعمرات الهامشية، وشق 12 طريقًا التفافيًّا إضافيًّا خاصًّا بالمستعمرين ومنع أصحاب الأرض المصادرة لشقها من استخدامها، بل ومنع العمال الفلسطينيين المسموح لهم بالعمل داخل ما يسمى الخط الأخضر من استخدام الحافلات التي تقل هؤلاء المستعمرين، ودون أن ننسى الإغارات المبرمجة على باحات الحرم القدسي وآخرها اقتحامه من قبل رئيس بلدية القدس المحتلة وإغلاقه لاحقًا ثم التراجع عنه، أو ما يأتي في سياق سياسة التمهيد لتقسيمه زمنيًّا ومكانيًّا، وتصاعد حدة الدعوات لهدمه وبناء الهيكل المزعوم مكانه، وتشديد القبضة على الحرم الخليلي، إلى جانب إعلان وزير إسكانهم عن نيته السكن في حي سلوان المستهدف بالتهويد وتفريغه من أهله، واشتداد سعار التصعيد في منسوب اعتداءات قطعان المستعمرين على المواطنين مؤخرًا، وعمليات إعدام المحررين في بيوتهم… وكل ما يبرره نتنياهو بقوله في الكنيست: “كل حكومات إسرائيل فعلت ذلك” من قبل… من الآن، وليس بعد ثلاثة أعوام، ما الذي بقي لعريقات لكي يقيم دولته عليه؟؟!!

إلى الأعلى