الأربعاء 18 يناير 2017 م - ١٩ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / مع فلسطين في ثلاث..

مع فلسطين في ثلاث..

علي عقلة عرسان

ثلاثة حوادث مهمة تفاعلت خلال الأسبوع الماضي على مستوى دولي وإقليمي ومحلي تتصل بقضية فلسطين، وبالقدس والأقصى خاصة المستهدفين بالاستيطان والتهويد بقوة خلال هذه الأيام، مما يشكل حدثًا متصلًا بهما بصورة مستمرة.. وتلك الحوادث هي: عرض موضوع فلسطين على مجلس الأمن الدولي لتبني قرار يحدد مهلة لانهاء الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين المحتلة في حزيران/يونيو ١٩٦٧ أقصاها عام ٢٠١٦، وهو اجتماع عجّل بانعقاده قرار كيان الإرهاب الصهيوني بناء مئات الوحدات السكنية في جنوب القدس وشمالها “في جبل أو غنيم وشلومو”.. وما تعرض ويتعرض له المسجد الأقصى من انتهاك على يدي اليهود.. وعمليتا الدهس المتبادل، دهس طفلة عربية ثم بعد ذلك طفلة يهودية، وما تبع ذلك من حوادث منها استشهاد عبدالرحمن الشلدوي في عملية الدهس، ومعتز حجازي الذي اتهم بمحاولة اغتيال الحاخام الإرهابي يهودا غليك.
من المعروف أن مجلس الأمن الدولي الذي اجتمع يوم الخميس ٢٩/١٠/٢٠١٤ لمناقشة الموضوع الفلسطيني لم يتوصل إلى قرار على الرغم من اتفاق المتحدثين على شجب العمل الإسرائيلي المستفز.. ويعود ذلك للدور الذي قامت به الولايات المتحدة الأميركية راعي كيان الإرهاب الصهيوني وحاميه.. ولكن التوجه الدولي العام الذي سُجل في الأمم المتحدة، حيث تم الاعترف بدولة فلسطين عام ٢٠١٢ واكتسبت صفة مراقب، أسس لمرحلة جديدة في النضال الفلسطيني الإيجابي على طريق الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني بدولة معترف بها، ولو على جزء من تراب الوطن الفلسطيني التاريخي المغتصَب المحتل.. ولن تتأخر دول العالم عن الاعتراف بدولة فلسطين دولة بعد دولة، لا سيما في أوروبا بعد تصويت برلمانات مهمة فيها إلى جانب الاعتراف. ولا بد هنا من تسجيل الشكر والتقدير لدولة السويد التي اعترفت بدولة فلسطين وكانت أول دولة من دول الاتحاد الأوروبي تفعل ذلك، في سابقة سيكون لها لواحق كما أمِلت وزيرة الخارجية في السويد. وأجد من المفيد أن أشير هنا إلى بعض ما كتبته الرزيرة مارغوت فالستروم في مقال نشرته صحيفة داغينز نيهيتر، لأهمية الخطوة والتوثيق لها، فمما قالته: “.. إن الحكومة تتخذ اليوم قرار الاعتراف بدولة فلسطين. إنها خطوة مهمة تؤكد حق الفلسطينيين في تقرير المصير”، وإن “الحكومة تعتبر أن معايير القانون الدولي لاعتراف بدولة فلسطين قد استوفيت” أي أرض، ولو بدون ترسيم حدود، وشعب وحكومة” و”اعتراف اليوم إسهام في مستقبل أفضل لمنطقة اتسمت طويلا جدًّا بتجمد المفاوضات والدمار وخيبة الأمل.”.. وقالت فالستروم “أكد أعضاء الاتحاد الأوروبي في عام 2009 استعدادهم للاعتراف بدولة فلسطين الوقت.. نحن الآن مستعدون لأخذ زمام المبادرة. نأمل أن ينير ذلك الطريق للآخرين”.. “سيقول البعض إن هذا القرار جاء مبكر جدا لكن يؤسفني أن أقول إنه جاء متأخرا جدًّا”.. هذا بعض ما قالته وزيرة خارجية السويد.. وبكل وقاحة يتحدث الإرهابي العنصري أفيجدور ليبرمان عن أن اعتراف السويد بالدولة الفلسطينية سيؤثر على مسيرة السلام؟! وكأن هناك مسيرة سلام إسرائيلية فعلًا مع الفلسطينيين؟!
إن الوقاحة الصهيونية التي فاقت حدود التصور تجعل من كل من يوافق على الكذب الصهيوني متواطئًا ضد عملية السلام ذاتها ومتواطئًا بالضرورة مع العنصرية والإرهاب والاستيطان والتهويد الذي يقوم به كيان الإرهاب الصهيوني الذي يعطل عمليًّا أي تقدم يحصل باتجاه مفاوضات جادة للتوصل إلى سلام في إطار حل الدولتين الذي هو منتهى الإجحاف بحق الفلسطينيين. الصهيوني يقضم الأرض ويعلن عن أن القدس عاصمة أبدية له، ويعتدي على الأقصى، ويهود باستمرار ويعتدي بانتظام، ثم يتحدث عن مسيرة سلام؟!.. وهو يستغل السلطة الفلسطينية أبشع استغلال منذ أوسلو وحتى الآن في مواضيع وقضايا ضد الشعب الفلسطيني ومن ذلك موضوع التنسيق الأمني، حيث يجعل من الشرطة الفلسطينية قوة ملاحقة للفلسطينيين وللمقاومة التي تتصدى للاحتلال أو ترفض التنازل والاستسلام .. وعندما يفكر مسؤول فلسطيني، ابتداء من رئيس السلطة وانتهاء بآخر مسؤول فيها، بالاحتجاج على انتهاك صهيوني فاضح في أي مجال من مجالات الأمن والاستيطان والعدوان والقتل، أو حين يعبر عن الانزعاج، أو يقرر ألا يعادي الفلسطيني المقاوِم وألا يقاتله ويقاطعه بناء على طلب واشتراط إسرائيليين، تقول عنه إسرائيل إنه معادٍ لها ومعادٍ للسامية، وليس شريكًا في المسيرة السلمية، أو إنه غير ذي شأن ولا قيمة للتعامل معها من أجل الوصول إلى حل الدولتين؟! إنه من غير الممكن تصور الفجور الإسرائيلي في كل قضية وفي هذا المجال بالذات، ومن غير المقبول الإذعان للتعالي العنصري الصهيوني المقيت، ولا يمكن التغاضي عن ذلك السلوك المنحط المستمر منذ عقود من الزمن، ومن غير المحتمل استمرار الغرب باتباع سياسة الكيل بمكيالين، وملاحقة الفلسطينيين بالتهم ومنها الإرهاب إن هم دافعوا عن أنفسهم أو طالبوا بحقوقهم، بينما يتم التغاضي عن جرائم إسرائيل وعن برنامج الإبادة الذي تقوم به ضد الشعب الفلسطيني منذ عشرات السنين، ويتم تمويل عدوانها واستيطانها والدفاع عن باطلها؟! من هنا تأتي أهمية خطوة السويد ومبدئية موقفها في خضم النفاق الغربي والغطرسة الصهيونية النافذة في الأوساط الأوروبية على الخصوص.
إنها لشجاعة كبيرة فعلًا أن تقوم السويد بالاعتراف بالدولة الفلسطينية، إذ تتقدم وسطًا غربيًّا كان وما زال أسير الغطرسة الصهيونية، ومنحازًا للاحتلال الصهيوني وإرهابه وممارساته النازية، وشريكًا بدرجات متفاوتة في كل ما يحصل في المنطقة من اضطراب وفوضى ودمار وتآمر بسبب الاحتلال والاستيطان والعدوان الذي يطول الشعب الفلسطيني أولًا ويشمل بلدانًا عربية وإسلامية أخرى، ونتيجة لعدم حل قضية عادلة هي قضية فلسطين رغم مرور عقود من الزمن عليها، والسكوت عن احتلال كيان الإرهاب الصهيوني لأراض عربية منها الجولان السوري المحتل. وتستحق وزيرة خارجية السويد مارغوت فالستروم التقدير بشكل خاص لأنها قالت في مقالها الذي أشرنا إليه سابقًا، قالت بشجاعة ومسؤولية مبدئية وأخلاقية شيئا مهمًّا أهمله العرب عامة والفلسطينيون خاصة بعد أن كان مستقرًّا في الوجدان الثوري في العالم، وهو حق تقرير المصير بمفهومه القانوني وبأبعاده الاستقلالية ومعانيه الإنسانية التي واكبت حركات التحرر من الاستعمار في العالم وشملت الثورة الفلسطينية منذ ولادتها في ستينات القرن العشرين، حيث استقر ذلك مطلب حق تقرير المصير في قرارات وأدبيات الأمم المتحدة، كحق مقدس للشعوب ومنها الشعب الفلسطيني، وهو حق يمتد ليشمل التحرير الكامل والاستقلال التام وتقرير المصير بحرية فوق التراب الفلسطيني المحرر.
أما الموضوعان الآخران المتفاعلان على مستوى إقليمي ومحلي فهما على التوالي موضوع اقتحام الأقصى المتكرر واستهدافه بالتقسيم والتهويد، وما نتج عن ذلك وينتج عنه، وموضوع الدهس والقتل وما يتبعهما من عدوان واعتقال وإرهاب صهيوني، فهما متلازمان لأن كلًا منهما متصل بما تتعرض لها القدس من استيطان وتهويد وانتهاك للمقدسات الإسلامية والمسيحية فيها، وما يتعرض له الشعب الفلسطيني فيها ومن كل الشرائح الاجتماعية المتواصلة معها مكانيًّا واجتماعيًّا وروحيًّا.. إن القدس مفتاح سلم ومفتاح حرب، وهذا ما يتجاهله الصهاينة من جهة وما يحاولون استغلال الأوضاع العربية والإسلامية الراهنة لتحقيق مشاريعهم التي تستهدف القدس منذ احتلال الجزء الشرقي منها في حرب يونيو/حزيران ١٩٦٧ من جهة أخرى.. وسواء أكنا نتحدث عن نتنياهو أو عن بيجن وشامير وشارون وكل أولئك المجرمين الصهاينة الذين خططوا ويخططون: لإفراغ القدس من سكانها الأصليين، وتهويدها، وإقامة شبكة مستوطنات من حولها تجعلها استراتيجيًّا بأيديهم لتبقى كما يقولون “عاصمة أبدية موحدة” لهم، وعملهم الدؤوب لتدمير المسجد الأقصى لبناء ما يسمونه الهيكل في مكانه؟! فإننا عمليًّا نتحدث عن صراع وجود بؤرته القدس.. ولا يوجد فلسطيني شريف أو عربي منتم بجدارة لأمته وملتصق بتربته الثقافية وبتراب وطنه، أو مسلم مؤمن ثابت على عقيدة ومبدأ وخلق .. لا يوجد من أولئك من يمكن أن يفرط بالقدس أو يتخلى عن الدفاع عنها.. ونحن هنا لا نتكلم عن حكام يبيعون كل شيء في سبيل بقائهم وإنما عن شعب يرهن بقاءه وحريته بتحرير مقدساته والدفاع عنها.. وهذا ما يجعل القدس مفتاح حرب وسلام، وما يقدِّمه الصهيوني غبيًّا وعدوًا للسلام والحقيقة والعدل والحرية حين يتجاهل ذلك ويحاول أن يستغل ظروفًا هي عابرة في تاريخ الأمم العريقة التي أثبتت وجودها الحضاري بكل الأبعاد والمفاهيم على مدى تاريخ طويل، وليست مجرد شراذم كالصهاينة هم حثالات شعوب وعصابات إرهاب ساعدتها دول وظروف على الاحتلال والعدوان والفجور. إن رباط الفلسطينيين والفلسطينيات في القدس ليس من دون معنى، وهو مفتاح فهم وإدراك لمن يريد أن يفهم مكانة القدس وكونها مفتاح الحرب والسلم عند الفلسطينيين والعرب، المسلمين والمسيحيين المرتبطين بالأرض والقيم، وهذا موضوع تحدٍّ مفهومي ومنطقي وتاريخي وعقلاني سواء أكان ذلك للصهاينة المحتلين أو لمن يدعمهم من الغربيين وحتى من بعض العرب المنبتِّين عن أمتهم وعقيدتهم وتاريخهم.. وحين نستذكر قوافل الشهداء من أجل فلسطين ودرتها القدس على مدى قرون من الزمن، ندرك معنى أن تستمر التضحيات وتستمر عمليات الاستشهاد والإقبال على الشهادة من أجل القدس، عاصمة فلسطين العربية على مدى لم يعرفه ولن يعرفه شذاذ الآفاق من الصهاينة العنصريين.
لقد استشهد مؤخرًا عبدالرحمن الشلودي بسبب حادث دهس سبقه دهس مستوطن صهيوني لطفلة عربية ولم يُسأل، وبعد ذلك استشهد الأسير الفلسطيني السابق معتز حجازي برصاص جنود الاحتلال الذين اغتالوه في بيته واعتقلوا أباه وأخاه، لاتهامه باغتيال الحاخام يهودا غليك، وقد أصيب غليك بطلقات نارية وأٌدخل المستشفى وهو بحالة خطرة، وغليك من أشد الصهاينة تطرفًا، ومن أكثرهم عدوانية على سكان الخليل بشكل خاص، ويقود الدعوة لما يعتبره “الحق اليهودي في إقامة الصلاة بالأقصى وزيارة جبل المكبر “الهيكل؟!”، وينظم مسيرات بشكل دائم هو وموشيه فايغلين ويهود آخرون من قطعان المتطرفين لاقتحام المسجد الأقصى، مطالبين بالاستيلاء عليه أو بتقسيمه مكانيًّا وزمنيًّا بين المسلمين واليهود، كمرحلة انتقالية. ومن الطبيعي والواجب والحق الإنساني والشرعي والتشريعي أن يدافع المرء عن مقدساته دفاعه عن نفسه وبيته، فهي المقدس والروحي والوطني والقيمة والرمز، وبهذا المفهوم وهذا المعنى والمدلول يتصدى الفلسطينون لمحاولات اقتحام الأقصى من قبل اليهود الذين يدنسون المسجد وعلى رأسهم وزراء ومسؤولون عنصريون صهاينة ملوثة قاماتهم وقلوبهم وأرواحهم بدم الفلسطينيين.. وفي هذا الإطار تتحمل مرابطات فلسطينيات في الأقصى عبئًا كبيرًا في مواجهة المعتدين على حرمة المكان، ويتعرضن لأذى كبير من جنود الاحتلال.. وهن يستحقن التحية والتقدير والتشجيع، وأول ما يجب أن يقرأ في موقفهن مدى تعلق الشعب الفلسطيني نساء ورجالًا كبارًا وصغارًا بوطنهم فلسطين وبعاصمته القدس.. وأول من يتوجب عليه أن يقرأ الموقف والمشهد على هذا النحو الصهيوني العنصري المحتل والولايات المتحدة الأميركية التي تحمي كيان الإرهاب الصهيوني وتدعمه وكل من يتبعها في ذلك، وعرب ومسلمون غابوا في التبعية والخوف والحرص على كراسيهم فغاب عنهم الواجب والحق والعدل وأشياء أخرى كثيرة غير ذلك.
ومن أسف أن يتطاول الظلم على العدل، والإجرام على البراءة، وأن يكون العالم اليوم، شأنه شأن العالم بالأمس مسكونًا بنوع من العدوان والغطرسة والفجور حيث يُرفَع المجرم درجات فوق البراءة والأبرياء والمظلومين والمسحوقين.. ويبدو للأسف أنه كلما أجرم القاتل والمعتدي وفجَرَ أكثر وأكثر طغى وانتفخ وارتفع أكثر وأكثر، هذا هو شأن سياسيين ومجرمين ونصابين كبارًا وشأن تجار مبادئ وكذَبَة وزناة.. ومن هذا هو شأنه لا يقيم عدلًا بل يدمر أسس العدل، ومن ثم لا يقيم حكمًا يدوم أو دولة تتقدم، لأن العدل فعلًا هو أساس الملك/الحكم ما يقيم الدول اجتماعيًّا وأخلاقيًّا، وما يرفع الأشخاص مكانة ويجعلهم قدوة ويخلد لهم ذكرًا.. ولا يمكن لهذا النوع من البشر أن يحقق سلمًا ويحفظ أمنًا ويؤسس لاستقرار.. وعند التدقيق الموضوعي في حوادث وشؤون دول وأشخاص نجد للأسف أن من كان ذلك شأنهم ممن أسلفنا ذكرَهم يقتدي بهم ويتشوَّق إلى مكانهم ويتبعهم كثيرون، فيكون شأن التابع كشأن المتبوع مع اختلاف في الدرجة والقدرة والرتبة والحيازة المادية وعمى القلب وموت الضمير والقدرة على تصدير الكذب وممارسة ما ينشر الرعب، ويسير جمع أولئك على الطريق ذاتها ويستعملون الأدوات ذاتها ويتطلعون إلى بلوغ أهداف من فصيلة واحدة.. فيتكاثف الظلام وتكثر الفتن وتسيل الدماء.

إلى الأعلى