الأحد 19 يناير 2020 م - ٢٣ جمادي الأولى١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / لماذا كل هذا الحزن على قابوس؟!

لماذا كل هذا الحزن على قابوس؟!

محمد عبد الصادق

عقب سماعي النبأ الحزين, اتصلت بصديقي وزميلي في العمل العماني الخمسيني الطيب, أعزيه وأعرف منه ترتيبات العمل التي تنتظرنا في الجريدة, وجدته منهارا ولا يقوى على الكلام, وما أن ذكرت كلمة “قابوس” حتى أجهش بالبكاء وتحشرجت الكلمات في حلقه وعجز عن تكملة الحديث, وما زالت العيون محتقنة والوجوه واجمة يكسوها الحزن, وما زالت حالة من الصمت والكآبة تسيطر على كل من يعيش على أرض عمان مواطنين ووافدين, حزنا على رحيل هذا الرجل الذي كان بمثابة الأب العطوف الذي يحنو بيديه البيضاء على الجميع شبابا وشيبا كهولا وأطفالا رجالا ونساء, فمعظمهم فتح عينيه على الدنيا على عطاءاته وإنجازاته ومبادئه السامية التي حرص على زرعها في نفوس الجميع.
يتحدث صديقي العماني الطيب عن دور السلطان قابوس في حياته ويقول: ولدت في العام 1970م, مع تولي جلالته مقاليد الحكم في أسرة بسيطة في إحدى الولايات البعيدة عن العاصمة, وكان والدي فلاحا فقيرا يحاول تلبية متطلبات أسرته الكبيرة الممتدة التي تشمل الأبناء والأجداد والأعمام, وعندما سمع الأب بانطلاق مسيرة النهضة التي فجرها المغفور له جلالة السلطان قابوس ودعوته العمانيين إلى تعليم أبنائهم, حتى لو تحت ظل شجرة, تغيرت أولوياته وزاد طموحه وحلم أن يلتحق أبناؤه بالتعليم ولكن أين السبيل؟! فالقرية البعيدة التي يسكن بها خالية من الخدمات, ليس بها مدرسة ولا طريق ولكنه صدق ما يقوله السلطان الشاب, وبدأ يحلم باليوم الذي يلتحق فيه أبناؤه بالمدارس والجامعات.
وبدأت الأحلام تتحقق, فمع وصول صديقي الطيب إلى سن الدراسة كانت هناك مدرسة جديدة افتتحت على مقربة من قريته, مدرسة حديثة مزودة بكافة المرافق, وتم استقدام مدرسين عمانيين ووافدين للعمل بها, وما هي إلا سنوات قليلة وتم رصف الطريق إلى قريته وعرفت الكهرباء طريقها إلى منازل القرية وتحولت حياة الناس وبدأ الحلم والطموح يكبر, وتعلق سمع صديقي الطيب بخطب السلطان قابوس بعدما دخل “الراديو” منزلهم المتواضع, وارتبط وجدانه بهذا الصوت الحنون الذي طمأنه أن هناك مستقبلا زاهرا ينتظره، وأن هناك وطنا تجري على أرضه نهضة عظيمة هدفها خدمة الإنسان العماني.
يكبر صديقي وينهي دراسته الثانوية ويذهب إلى مسقط, فيجد عاصمة عصرية مزدانة بالطرز المعمارية الهادئة وميادين وشوارع نظيفة منسقة تحفها الخضرة والزهور من الجانبين وسيارات حديثة تسير في خيلاء, وحلم الشاب اليافع باليوم الذي يمتلك منزلا وسيارة يتيه بها في هذه المدينة البيضاء.
لحسن حظه أنشأت الحكومة معهدا عاليا في مركز ولايته قرر أن يلتحق به ويكمل تعليمه العالي, وفي نفس وقت الدراسة تفتحت أمامه أبواب الرزق بعدما وصلت قاطرة التنمية إلى الأقاليم والولايات في أنحاء السلطنة وانعكس خيرها على الجميع, فتعلم السياقة ونجح في اقتناء سيارة مستعملة, وأصبح يقوم بأعمال صغيرة تساعده في تأمين احتياجاته وتخفف العبء عن كاهل أبيه الذي طالما شعر بحجم الأعباء التي يتحملها وحاول التخفيف عنه بقدر ما استطاع.
انتهى من دراسته الجامعية، وتفتحت أمامه الأبواب واسعة للعمل في الحكومة أو القطاع الخاص، فقد كانت عمان في عقد التسعينيات من القرن الماضي على موعد مع طفرة اقتصادية عظيمة؛ تضاعف خلالها الدخل القومي عشرات المرات، وتحولت مسقط وباقي المحافظات والولايات إلى ورشة عمل كبيرة لا تتوقف فيها الحركة ولا يهدأ فيها البنيان.
واستطاع صديقي تحقيق أحلامه وبنى منزلا خاصا جميلا بعدما حصل على قطعة أرض شبه مجانية من وزارة الإسكان، وبضمان وظيفته حصل على قرض من بنك الإسكان لتدبير تكاليف البناء، واستبدل سيارته القديمة بأخرى حديثة عالية من الطرز التي طالما حلم باقتنائها.
وتغيرت حياته تماما بعدما ترقى في وظيفته واستطاع زيادة دخله بمضاعفة ساعات العمل والدخول في شراكات تجارية مربحة، تزوج وأنجب أطفالا استطاع توفير مستوى معيشي ممتاز لهم، حيث أسلوب الحياة الصحي وممارسة الرياضة والترفيه وأماكن التسلية.
وأصبح بإمكانه الآن اصطحاب أسرته والسفر إلى الخارج للسياحة في أوروبا وآسيا وعرفت خزانة ملابسه أفخر أنواع الملابس والعطور الباريسية وأغطية الرأس الحريرية التي طالما حلم باقتنائها. ليشكر الله على نعمائه ويدعو بالرحمة والمغفرة لجلالة السلطان قابوس ـ طيب الله ثراه وجزاه خير الجزاء ـ بقدر ما أعطى وبذل من جهد، لتعيش عمان والعمانيون في هذا الخير العميم.

إلى الأعلى