السبت 21 يناير 2017 م - ٢٢ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / تقطعات بين الشِّعر والخاطرة

تقطعات بين الشِّعر والخاطرة

لقد نحت الكتابة الشبابية في السلطنة عدة منحنيات فتشابك معها الفنون، وتقاطعت من خلال إبداعاتها الأجناس الأدبية، فظهرت أصوات تحتاج إلى من يأخذ بيدها للرقي وصولا إلى التفرد والإتقان والإبداع لأن ما يمثله هذا الحراك الفني والأدبي الذي يعكس مفردات الطبيعة والوطن والحياة التي تتجه في بلادنا عُمان نحو النضج إنما هي ظاهرة مرت بها كل الشعوب المتقدمة.
كتاب “تقطعات منسية على دكة الاحتياط” للكاتبة هاجر المحفوظي، الصادر عن بيت الغشام للنشر والترجمة 2013م يعكس نوعا ما بعض هذا الحراك الأدبي الشبابي الناهض بمقومات كبيرة من التشجيع والأدوات الكتابية كمواد خام أساسية لهذه الصناعة الثقافية والفكرية الجميلة، ويضم الكتاب 68 صفحة تروم الكاتبة من خلاله الوصول إلى كمية من الأفكار التي تشغل حياة الإنسان بآلامها وآمالها وتطلعاتها في عوالم الحب والوطن والعالم، وقد كتبت حروفها الأولى في المجموعة كمقدمة قبل الافتتاح لتعبر عن دوافع الكتابة وكيف بدأت في حياتها كل الأشياء حيث جاءت كلماتها:” خطي السيئ.. لا يعني بأني لا أستطيع الكتابة/ من هنا.. بدأت جميع الأشياء..”.
وقد استفتحت الكاتبة مجموعتها بنص ما قبل النهاية وهو عبارة عن مجموعة إهداء:إلى كل الأشياء الجميلة إلى تلك الأريكة، وذاك الجسد الممتد عليها.. وتلك الروح الغائبة..”، في حين أنهت مجموعتها بإهداء لوالديها: رجلي الوحيد.. أبي..! وجنتي “أمي”..!/ إلى قلوب شتى..حملت في داخلها الكثير من التفاصيل، وحملتني من بينها!/ بحجم السماء..! أحبكم”.
الوطن له خصوصية متفردة في قلب كل إنسان مها هاجر يظل الحنين نحوه ويبقى القلب مشغولا عامرا بالحب والوفاء والإخلاص قالت الكاتبة:

وطن!
يستعمرك فرحاً في الأعماق..
ويسكنك!
يستوطنك..
يحملك للآفاق..
ويُسقطُ الحزن عنك!..

قالت العرب: “ومن الحُبِّ ما قتل” وشاعرتنا تطرق بكلماتها هذا الكائن الموجود في الخافق لتعبر عن الفطرة في كل الخلق ليس الإنسان وحده معني بالحُبِّ بل كل مفردات الطبيعة مشغولة به، ولهذا تبقى كلمة الإنسان من خلال اللغة هي المعبِّرة دلالة بينما المفردات الأخرى قد يغلب التعبير السلوكي عنه، وعليه فاللغة تحمل جمالا يعشقه القارئ والمتلقي في أي زمان ومكان قالت الكاتبة:

هنيئا لك..
حين يصبح اسمك اسمه.. وطنك وطنه.. قلبه قلبك!!
قلمه لا يعرف أن يكتب حرفا دون أن يخط الحرف وصف عينيك!
وعينيك ترى الكثير من حوله!
من حولك!
والكثير يجري أمام عينيه..!
لكنه يبقى روحك التي تحملها
تلك التي لا تبصر سواه!

إعادة تدوير الأشياء في الطبيعة تختلف تماما عن المشاعر الإنسانية، فقد يكون الإنسان مهندسا في إعادة تدوير الأشياء لكنه في المشاعر يبقى لا يعرف شيئا وفي الواقع أن الإنسان لديه مخزون وافر من المعلومات والمشاعر مستودعها العقل والقلب، ولهذا يمكن للعقل أن يقبل إعادة التدوير ولكن القلب من الصعب أن يعيد تدوير المشاعر ولهذا كانت الكاتبة مدركة تماما هذه العملية في دكة الاحتياط:

بقايا..
دائما ما نلقطها من الأرض ونرفعها إلى السماء،
نحفظها لأننا نؤمن تماما بأننا سنستفيد منها يوما ما..
وكلما وددنا التخلص منها، رميها، والإلقاء بها بعيدا، كلما تمسكنا بها أكثر فأكثر!
نفعل ذلك غير موقنين بأننا نكدسها في داخلنا!
وأنها المشاعر.. دائما لا تشبه الأشياء!

الحقيقة عندما نقرأ مجموعة الكاتبة هاجر المحفوظينشعر أنني أمام كلمات يغلب عليها ثيمة الهجرة والسفر والترحال، فتارة الهجرة عن الوطن وتارة أخرى إلى مدن يكتسحها البياض مثل في أحلام باريسية وتارة أخرى هجرة القلوب وتارة أخرى الهجرة مع النفس والذات، فكل هذه التقطعات المنسية على دكة الاحتياط تنتظر الرحلة حتى تسافر وتلتحق بالركب، السفر والترحال ليس بالضرورة أن يكون تنقلا حقيقيا إنما قد يكون خياليا وهذه الرحلة أعمق وصفا ورؤية لأحداث دائما ما تكون هي الأجمل!.
ولهذا فالإنسان الشغوف بالسفر عميق في التفكير، وتكون نهضة الفكرة لديه جميلة جدا ولا يمكن وصفها، بل تراه مع كل حركة وهو يستعد للسفر فكرة جميلة يحاول أن يجد تفسيرا لها، هكذا دائما هي المشاعر قالت الكاتبة:

قبل الشعور، قبلنا..
تحمل الكثير من الذكريات، في كل طية من الثياب..
وكل ثنية من ثنايا كل شيءٍ وُضع بداخلنا!
وكلما كانت الأشياء بها.. مصفوفة..
كذلك كانت مشاعر أصحابها.!
حقائب السفر..
هي حتماً.. تسافر!

إننا نجد من خلال قراءتنا لهذه النصوص مجموعة من الخطوط المتقطعة والمنسية على دكة الاحتياط ، وقد حاولت الكاتبة أن تنسج ذلك فنيا في مجموعتها وذلك من خلال بعثرة النصوص داخلها وكذلك بعثرة بعض الكلمات فمثلا نجد كلمة تقطعات ( ت ق ط ع ا ت ) موجودة في المجموعة بشكلها العادي والمتقطع وجاءت منسية تعبر عن الجروح والآلام، ودكة الاحتياط عن المشاعر والأشياء، وتكررت الرحلة كذلك مما يدل على الترحال الدائم ( هجرة، رحلة) حتى الحروف رحلت بتلك التقطعات، وفي أعماق النفس رحلة مختلفة تماما عن الرحلة في ظاهرها( ألف..لام..ميم) ورصدت الكاتبة متناقضات كثيرة نظرا لوجود كل هذه التقطعات في المجموعة التي تعكس الحياة بكل أشكالها (بكاء،فرح،راحة، إحباط، وطن، غربة) ونختم هذه القراءة بتقطعات جميلة للكاتبة:

لكن أضلاع صدرك تبق على أنفاسك!
تتنفس..
تتنفس..
تتنفس..
تحاول أن يحتضِرَ تفكيرك.. لكن عمرك يحتضر..!
وأنت حائر ما بين قلبك وعقلك!
لا تستطيع شيئا.. لا تستطيع!
تسأل من ينتصر؟!
وأنت تدمع عيناك حتى تشهق شهقتك الأخيرة!

ناصر الحسني

إلى الأعلى