الإثنين 11 ديسمبر 2017 م - ٢٢ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / المشهد الثقافي في سوريا لوحة سوريالية غرائبية تحمل كل المتناقضات بامتياز

المشهد الثقافي في سوريا لوحة سوريالية غرائبية تحمل كل المتناقضات بامتياز

تتساقط القذائف ولا مكانا شاغرا لحضور فيلم سينمائي في الهواء الطلق !!
* انتعاش للمسرح والسينما وركود في النشر والكتب والفن التشكيلي
* الحالة المُعاشة تثبت هامشية المثقف العربي وضعف دوره
دمشق ـ من وحيد تاجا:
يشكل المشهد الثقافي في سوريا والحركة الثقافية بشكل خاص جزء من لوحة سوريالية غرائبية تحوي كل المتناقضات ، وتمثل بدورها الحالة العامة التي يعيشها الناس في زمن الحرب بشتى انتماءاتهم وميولهم.. ففي الوقت الذي تتساقط قذائف الهاون في وسط العاصمة دمشق وفي أكثر أحيائها ” أمانا “.. والبراميل المتفجرة في ريفها الذي لايبعد أكثر من 2 كيلومتر عن باب توما المليئة بالمطاعم الدمشقية، التي لا تكاد تجد فيها مكانا شاغرا .. ترى الناس تذهب لحضور فيلم سينمائي في الهواء الطلق في فندق الشيراتون الذي لا يخلو من بعض دخان قذائف الهاون المتساقطة على ساحة الامويين القريبة من القصر الرئاسي”،… او لمشاهدة مسرحية لـ الزيناتي قدسية في مسرح الحمراء الملاصق لـ مجلس الشعب الذي اغتيل بالأمس احد أعضائه والذي تغلق كل الشوارع المؤدية إليه أثناء انعقاد جلساته..او محاضرة للجمعية الكونية في المركز الثقافي العربي في أبو رمانة ..او حتى محاضرة للجمعية الجغرافية في مقرها بمنطقة الميسات بالقرب من مبنى الامن السياسي، وكأن ما يحصل من قتل وتدمير وتهجير وبراميل متفجرة وقذائف هاون يقع في مدينة أخرى لا تمت لهم بصلة..

ولعل الحالة التي تعيشها سوريا، بشكل خاص، وغيرها من العواصم العربية بشكل عام، أثبتت بما لا يدع مجالا للشك مدى هامشية المثقف العربي وضعف دوره قبل أي شيء اخر..فهو أكثر الناس ضياعا. وكما تقول الكاتبة سعاد جروس: ” لا أظن أن ما تعيشه له منطقتنا العربية عموما وسوريا خصوصا (أزمة) بل هو أشبه بزلزال هائل، جراء تفجر الأزمات المتراكمة دفعة واحدة ومن بينها أزمة الثقافة. لقد كشف ما يحصل عن أن الثقافة العربية والمثقفين العرب كانوا وما زالوا خارج دائرة الفعل، إذ لا تأثير يذكر لهم، فالفعل هو لمنظومات الاقتصاد والمخابرات والسياسة و الدين وما ملكت إيمانهم من وسائل الإعلام، أما المثقفين العرب فقد انكشف سترهم جراء الزلزال وتبين حجم الهوة التي تفصلهم عن واقع تربطهم به مخيلة ثبت أنها كانت ضحلة وقاصرة. وهاهم يقفون حائرين في قراءة ما يجري. ليس لأن ما يجري عصي على الاستيعاب، بل لأن الثقافة العربية خارج الفعل لعقود طويلة. لقد انكشف ان النتاج الثقافي العربي بغالبيته كان رجع صدى ثورات المجتمعات الغربية. ما يجري الآن أتى على الهشيم والأخضر واليابس .. وها نحن جميعا على قدم سواء مثقفين وغير مثقفين.. يأكلنا الانتظار”.

المسرح

يمكن القول ان النشاط المسرحي الرسمي ( المسرح القومي) لم يتوقف، ولكن هذا لا يعني انه لم يتأثر بغياب وهجرة أهم الممثلين والعاملين والتقنيين في الحقل المسرحي. كما ان المسرح الخاص غاب تماما عن الساحة. وبطبيعة الحال تتناول الأعمال المسرحية التي تعرض في هذه المرحلة بشكل عام ما يدور في سورية من وجهة نظر رسمية. ويذكر ان العروض أصبحت تقدم في ساعات مبكرة ( الرابعة بعد الظهر مثلا )، شأنها في ذلك شان جميع النشاطات الثقافية الأخرى من محاضرات وندوات .
ويؤكد الكاتب المسرحي جوان جان ان نشاط المسرح القومي في دمشق لم يتوقف وهو الجسم الرئيسي الذي يستوعب النشاط المسرحي للمسرحيين السوريين، وبالتحديد بالنسبة للمسرحيين المحترفين، حيث تم مؤخرا عرض مسرحية بعنوان “الطوفان” تأليف جوان جان وإخراج سهيل عقلة وهو ثاني تعاون لهما بعد مسرحية “نور العيون” التي قدماها قبل أربعة أعوام، وقد أشرفت مديرية المسارح والموسيقا على هذا العرض بالتعاون مع فرقة المسرح العمالي بدمشق وهو تعاون يشير إلى انفتاح مديرية المسارح في وزارة الثقافة على فرق الشباب والهواة.. وعن مضمون العمل يقول جوان ، وهو رئيس تحرير مجلة ” الحياة المسرحية ” الصادرة عن وزارة الثقافة : انه لا يبتعد عما يدور لا في سورية فحسب بل وربما في معظم البلاد العربية، إذ تتحدث المسرحية عن قرية افتراضية يتهددها طوفان جارف على وشك الوصول إليها خلال أيام قليلة، فيجتمع وجوه القرية ورموزها (المختار – مديرة المدرسة – رئيس الجمعية الفلاحية – الآغا – رئيس المخفر.. إلخ) للتباحث في شأن كيفية التصدي لهذا الخطر الداهم فتبدأ الخلافات الصغيرة بالظهور بينهم لتتوسع وتصل إلى مرحلة تبادل الاتهامات بارتكاب جرائم قتل وتنخرط ـ في نهاية المسرحية – كافة الشخصيات في مشاجرة جماعية ليصل الطوفان ويجرف الجميع في طريقه منتقلاً إلى تهديد قرية أخرى .
كما تم قبلها عرض مسرحية بعنوان “إكليل الدم” لزيناتي قدسية نصاً وإخراجاً وجسدت شخصياته مجموعة من الفنانين المسرحيين من غير الأكاديميين لكنهم موهوبون ولهم تجارب سابقة متعددة في المسرح السوري، وقد حاولت المسرحية بشكل غير مباشر محاكاة واقع الأزمة في سورية من خلال تركيزها على الخطر الداهم الذي يهدد الجميع، خطر التطرف والإرهاب والتمترس الديني والطائفي . ويضيف انه في الوقت نفسه الوقت يواصل المعهد العالي للفنون المسرحية تقديم عروض التخرج بشكل منتظم، كما أن النشاط المسرحي قائم في بعض المحافظات كاللاذقية وطرطوس والسويداء وحلب والحسكة وإن بشكل أقل على صعيد الكمّ عن مدينة دمشق وهو أمر ليس بجديد .
وفيما يتعلق بالجمهور المسرحيّ يوضح الكاتب جوان انه : لا شك أن الأزمة أثّرت سلبياً على الحضور الجماهيري للعروض المسرحية إلا أن هذا التأثير بدأ يخفّ تدريجياً بعدما أصبح هناك نوع من التأقلم مع الأوضاع الاستثنائية القائمة، والواضح أن السوريين أصبحوا مؤمنين بأن الانقطاع عن النشاط الاجتماعي والثقافي أمر غير مجدٍ ولا يفيد بشيء لذلك نراهم يعودون تدريجياً لممارسة هذا النشاط بشكل تدريجيّ .

موسيقى..

ولعل من الأمور الملفتة في هذه اللوحة السوريالية الغرائبية هو النشاط الموسيقي لاسيما على صعيد الاطفال ، حيث تقدّم أكثر من 400 طفل لفحص القبول في معهد صلحي الوادي لتعليم الموسيقى بدمشق خلال شهر أيلول ( تم اختيار 130 طفل منهم )، وكذلك الإقبال الملفت على معاهد محمود العجان وفريد الأطرش الموسيقية في مدينتَي اللاذقية والسويداء. فالناس بشكل عام، تحاول التأقلم مع الأوضاع بعد ما يقارب الأربع سنوات على بدء ” الأزمة”..

سينما .. يا سينما

وضع السينما والنشاط السينمائي من أكثر المشاهد سوريالية في اللوحة .. ففي الوقت الذي تغلق سينما الشام في قلب دمشق أبوابها منذ بداية الأزمة .. وتبني سينما سيتي جدار إسمنتي أمام واجهتها لمدة تزيد عن الثلاثة أعوام ( حيث عادت وفتحت أبوابها منذ 3 اشهر ).. نشهد افتتاح صالة صيفية ( هي الأولى في سوريا ) في فندق شيراتون في ساحة الأمويين، التي هي بالقرب من رئاسة الأركان ومبنى الإذاعة والتلفزيون ومن أهم المقرات الأمنية .. والتي شهدت وتشهد يوميا سقوط قذائف الهاون !، كما نشهد في الوقت نفسه افتتاح ثلاث صالات سينمائية في مشروع دمر .. إحداهما من الصالات الحديثة جدا ( 9 D) .. والملفت هو ان سعر بطاقة الدخول للفرد الواحد حوالي 1000 ليرة سورية ، وهو مرتفع جدا اذا عرفنا ان راتب خريج الجامعة لايتجاوز الـ 18000 ليرة ققط.
ومن وجهة النظر الرسمية فان السينما السورية بخير وعافية ..وكذلك مهورها ايضا. و يؤكد الناقد السينمائي عمار احمد حامد مدير المهرجانات السينمائية ان الصورة السينمائية في ظل الأزمة التي تمر بها سوريا مختلفة تماماً عن أي صورة ثقافية أخرى، إذ نستطيع القول إن السينما السورية ممثلة بالقطاع العام : المؤسسة العامة للسينما التابعة لوزارة الثقافة هي الأكثر حضورا ووضوحاً. حيث بادرت المؤسسة ومع نهاية عام 2011 ( أي في العام الأول من الأزمة) إلى إطلاق ” مشروع دعم سينما الشباب” الذي يتيح للمواهب الشابة التي تمتلك مواهب سينمائية ( كتابة سيناريو سينمائي، إخراج سينمائي) أن تتقدم بنصوصها السينمائية التي تريد إخراجها، وتم الاعلان عن المسابقة وتقدم إلى المؤسسة 150 نص سينمائي تم اختيار 30 نصا منها تحولت إلى أفلام قصيرة ( بحدود 15 دقيقة للفيلم الواحد)، وهكذا دواليك حتى عام 2014 حيث لازال يصور إلى الآن الأفلام اتي تمت الموافقة عليها هذا العام، كما تم الإعلان عن مسابقة أخرى للعام 2015. وتم رصد ميزانية خاصة لهذه الانتاجات السينمائية الشبابية ( حوالي أربعمائة ألف ليرة سورية لكل فيلم، ما يعادل 2500 دولار أميركي)، وفعلا هناك مواهب شابة أثبتت جدارتها وموهبتها من خلال الأفلام التي قدمتها، وفي شهر آب 2014 تم إقامة أول مهرجان لسينما الشباب أقيم في دار الأوبرا السورية وبحضور رسمي. وزعت في هذا المهرجان جوائز مالية وعينية للفائزين به.
ويضيف الناقد السينمائي عمار حامد : على الصعيد الاحترافي والإنتاجي قدمت السينما السورية ( بقطاعها الحكومي) منذ عام 2011 وحتى عام 2013 سبعة أفلام روائية طويلة ، ويتم تصوير هذا العام 2014 أربعة أفلام سينمائية روائية طويلة: لجود سعيد، وعبد اللطيف عبد الحميد، ومحمد عبد العزيز وباسل الخطيب… وقاتني ان أذكر أن هناك فيلمان لم يتم الانتهاء من عملياتهما الفنية هما لباسل الخطيب وجود سعيد، أي مع نهاية العام 2014 سيكون هناك 13 فيلما سينمائيا تم انتاجهما في ظل الأزمة التي تشهدها سوريا… وطبعا هناك أفلام صورت في ” المناطق الساخنة” متعرضا المخرج السينمائي السوري لأي نوع من أنواع المخاطر، ومع ذلك يواصلون على الاستمرار بكل جرأة.
ويؤكد انه وحتى لايكون هناك انقطاع بين المتلقي السوري وما يتم عرضه من أفلام حديثة في دول العالم، أقامت المؤسسة وبشكل دوري تظاهرات سينمائية تعرض فيها أهم الأفلام الحديثة التي تعرض دول العالم ، ونجحت التجربة.. ولم يعد هناك مكان لواقف في أماكن عروض هذه الأفلام، وهذا ما شجع القطاع الخاص على أن يعيد فتح صالاته السينمائية التي أغلقها مع بداية الأزمة، فعادت سينما سيتي إلى الأضواء مجددا وراحت تعرض الأفلام الحديثة، وعادت سينما الهواء الطلق في فندق الشيراتون مجدداً، وتم افتتاح ثلاث صالات سينمائية في مجمع الــ UP TOWN الذي تم افتتاحه مؤخراً…. إضافة إلى ذلك هناك أفلام تسجيلية تم تصويرها أو سيتم تصويرها، كفيلم ” الباشا” للمخرج غسان شميط الذي يتحدث فيه عن سلطان باشا الأطرش، وهناك أيضا فيلما تسجيليا آخر حول الفنان فريد الأطرش للمخرج عوض القدرو.
كما نذكر أيضاً في هذا المقام: مهرجانات سينمائية أخرى أقيمت في طرطوس وحلب هذا العام: كمهرجان خطوات السينمائي للأفلام القصيرة ( يقام كل عام مرة منذ ثلاث سنوات)، ومهرجان لسينما الشباب في حلب….ويشير عمار حامد انه رغم كل ما يعصف بسوريا من رياح وعواصف إلا أنها لازالت تقدم أفلاما سينمائية هامة، حتى أنها شاركت بها في مهرجانات سينمائية عالمية، كمهرجان مالمو السينمائي ( في السويد)، ومهرجان الأٌقصر بمصر، ومهرجان الداخلة في المغرب، ومهرجان موسكو، ومهرجان وهران في الجزائر، حيث حصل فيلم ” مريم” لمخرجه باسل الخطيب على العديد من الجوائز.

النشر والكتاب

لعل القطاع الأكثر تأثرا بالأزمة هو قطاع النشر والكتاب.. فهو قطاع يعتمد اعتمادا شبه كلي على دور النشر الخاصة، وتوقفت معارض الكتب، لا سيما معرض دمشق الدولي للسنة الثالثة على التوالي . وكما يقول صهيب الشريف مسؤول الإعلام في دار الفكر بدمشق: تأثرت حركة النشر جدا بالأزمة لان معظم المطابع موجودة في الريف الدمشقي بمعنى في المناطق الساخنة، وهناك صعوبة كبيرة ومخاطرة في الوصول إلى أماكن هذه المطابع. وبالتالي أدى هذا إلى ترك معظم العاملين العمل لعدم قدرتهم على الوصول أو لتواجدهم أصلا في المناطق الساخنة .. وهذا أدى بدوره إلى نقص شديد في الخبرات الفنية ولم يعد العمل يجري بنفس الوتيرة السابقة .. مما أدى إلى لجوء معظم دور النشر السورية الى الطباعة في بيروت رغم أن الكلفة هناك مرتفعة جدا عنها في سورية .. وهو ما انعكس بدوره على سعر الكتاب. أضف إلى هذا فان التضخم الاقتصادي أدى إلى ارتفاع سعر الكتاب أربعة أضعاف سعره قبل الأزمة وبالتالي أصبح شراء الكتب ضعيف جدا لان الفئة القارئة بشكل عام هي الفئة المتوسطة والفقيرة . من ناحية أخرى، يضيف الشريف، أن هجرة المؤلفين والكتاب والمدققين اللغويين والصحفيين أدى إلى تراجع عملية نشر الكتب والتأليف فضلا عن تراجع الكتابة عن المؤلفات والدعاية والترويج لها.. وبسبب العزلة المفروضة على سوريا لم يعد ممكنا إدخال الكتب الجديدة، والمترجم منها بشكل خاص، وبالتالي أصبح الوصول إلى الكتاب المطلوب صعب جدا .

الفن التشكيلي

ايضا من القطاعات التي تأثرت كثيرا بالأزمة هو قطاع الفن التشكيلي . حيث أغلقت صالات العرض الخاصة تماما منذ بداية الأزمة .. ولكن هذا لم يمنع من افتتاح صالة جديدة مؤخرا في دمشق القديمة. وتوقف النشاط فقط على صالة الشعب العائدة لوزارة الثقافة والتي أقامت بعض المعارض الفنية التشكيلية… وبحسب الفنان التشكيلي عدنان حميدة فان نشاط معظم الفنانين التشكيليين انتقل الى بيروت او دول الخليج ..كما ان بيع الأعمال الفنية عاد مؤخرا للتحرك بعد توقف تام مدة عامين ونصف العام تقريبا .. ويضيف الفنان ان بيع اللوحات الان يتم عبر الانترنت حيث يعرض الفنانين لوحاتهم على صفحة التواصل الاجتماعي ( الفيسبوك ). وينوه ان جميع الأعمال التي تباع هي لـ لبنان او الكويت او بعض الدول الغربية اما في داخل سوريا فتسويق الأعمال شبه نادر. .
الا ان هذا الوضع لم يمنع الفنان أنس نصار من افتتاح صالته الجديدة نصار آرت الاسبوع الماضي في قلب دمشق القديمة . وهو يرى إن افتتاح مثل هذه الصالة في الظروف التي نعيشها يعتبر تحديا يوجه من خلاله رسالة لأصحاب الصالات الخاصة الذين أغلقوا صالاتهم وهجروا وطنهم وتخلوا عن الأجيال الجديدة من الفنانين الذين تزخر بهم سورية مشيرا إلى أن هناك من اتهمه بالجنون في محاولة لإحباطه وافشال مشروعه إلا أنه بقي رغم الصعوبات واثقا ومؤمنا بأن في سورية شعبا حيا يرفض أن يموت وشعبا يستحق أن يستمتع بكل ماهو ثقافي وجميل.

إلى الأعلى