الأربعاء 18 يناير 2017 م - ١٩ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / نهاية العَدَاوَة

نهاية العَدَاوَة

حَرَّرَت العمة جين رسالة إلينا، قبل أسبوع واحدٍ من بدء أعياد الميلاد، تدعونا فيها أنا وألبرتا وإليزابيث لتناول غداء عيد الميلاد في مونكسهد. بكل غبطة وسرور قبلنا الدعوة. كانت العمة جين والعم نورمان أُناساً مرحين. وكنا نعلم أننا سوف نقضي وقتاً ممتعاً جداً في منزلهم. فضلاً عن رغبتنا في رؤية مونكسهد، حيثما تَرَعْرَعَ أبونا في طُفُولَته، وحيث مَقَر المنزل القديم لأسرة يونج الذي وُلد وتربى فيه والمُسْتقر الذي لايزال عمي ويليام يُقيم فيه. لم يُحدثنا والدنا كثيرا عن هذا المكان إلا أننا نعلم أنه يحبه حباً جماً وكم تمنينا أن نُلقي نظرة على الأقل على ماكانت ألبرتا تُحب أن تسميه “مَقَام أجدادنا.”
وبما أن مونسكهد لاتبعد عنا سوى ستين ميلاً، وأن عمنا ويليام يعيش هناك كما ذُكر آنفا، لربما سُؤلنا بمقتضى الحال ما الذي يحول دون زيارتنا لهذه المدينة وللمنزل القديم كلما تمنينا. نُجيب على الفور: العَدَاوَة بين الأسرة.
كان أبونا وعمنا ويليام على صلة سيئة ببعضهما أو بالأحرى بلا صلة على الإطلاق، وكانا على هذه الحال منذ أن بدأنا نتذكر. فبعد وفاة جدنا يونج حدثت مشاجرة مُريعة على الممتلكات التي خلّفها وراءه. كان أبونا دائما يقول أن اللائمة تقع على عاتقه بمقدار ماتقع على عاتق عمنا ويليام، إلا أن عمتنا-لأمنا إيميلي أخبرتنا أن عمنا ويليام هو الأكثر ملوماً لأنه تصرف بطريقة مُخزية تجاه والدنا. فضلا عن قولها بأن والدنا قد ذهب إليه معتذرا عما بدر منه بعد أن هدأت الأمور، طالباً منه أن يعودا صديقين وفيين كما كانا، إلا أن ويليام وبكل بساطة أدار له ظَهْره ودخل إلى منزله دون أن ينبس بكلمة، ولكن، كما قالت عمتنا-لأمنا، بأن شخصيته تعكس تماما كل طبع من طبائع أُسرة يونج. وكانت عمتنا-لأمنا لاتحب أي من أسرة يونج عدا أبينا وعمنا نورمان.
ولهذا السبب لم نذهب ولامرة إلى مونكسهد. فلم نر في حياتنا العم ويليام وكنا دائما عندما نتذكره نظن قطعاً أنه كالغول قبحاً وشراسة وعتوّاّ. فعندما كنا أطفالاً، كانت مربيتنا العجوز، مارجريت هانا، تخيفنا لكي يستقيم سلوكنا بقولها المشؤوم، “إن لم تكونوا صالحين، سيمسك بكم عمكم ويليام.” وماذا هو فاعل إن “أمسك” بنا، لم تُحدد، ربما تبرر أن المَكْنُون دوما أكثر قُبحاً من الظاهر. كان رأيي الخاص في تلك الأيام أنه سوف يغلينا في الزيت ويلتقط عظامنا.
كان العم نورمان والعمة جين يعيشان في الجهة الغربية منذ سنين، لكنهما قبل ثلاثة أشهر من عيد الميلاد انتقلا إلى الجهة الشرقية بعد أن اشتريا منزلا في مونكسهد واستقرا فيه. وقد جاءا يوماً لزيارتنا فقام الوالد والوالدة والأولاد بزيارتهم أيضاً، لكننا نحن البنات الثلاث لم تسنح لنا الفرصة بذلك، ولذلك كنا متحمسين بمسرةٍ لفكرة قضاء عيد الميلاد هناك.
كانت غَدَاة عيد الميلاد صافية كلؤلؤة بيضاء ونقية كالألماس. وكان علينا أن نستقل قطار الساعة السابعة، بما أنه لايوجد قطار غيره قبل الحادية عشر، وقد وصلنا مونكسهد الثامنة والنصف. وعندما خرجنا من القطار، سَأَلَنا مدير المحطة إنْ كنا نحن الثلاث من أُسرة يونج. أقرت ألبرتا بذلك، فقال “حسناً، إليكنّ هذه الرسالة.”
أخذنا الرسالة ودخلنا غرفة الانتظار تعترينا توجّسات عديدة. ماذا حدث؟ هل أُصيب العم نورمان والعمة جين بالحمى القِرْمِزيّة وتم وضعهما في المَحْجَرِ الصِحِّيّ، أم أن لصوصا أغاروا على غُرفة المؤونة واستولوا على مؤونة عيد الميلاد؟ فَضَّت إليزابيث الرسالة وقرأتها بصوت جَهِير. إنها من العمة جين وهي على النحو التالي:
فتياتي العزيزات، أقدم لكنَّ إعتذاري في تخييب أملكن، نظرا للظروف الخارجة عن إرادتنا حيث أننا تلقينا نبأً من ستريثام يُفيد بأن شقيقتي تعرضت لحادث سير خطير وهي في حالة حرجة للغاية. فأنا وعمكن سنغادر فوراً إلى ستريثام على قطار الساعة الثامنة. أنا أعلم أنكن انطلقتن قبل هذا الوقت، ولذلك لاجدوى من إرسال برقية. إتجهن مباشرة إلى المنزل ولاتعتبرن أنفسكن ضيوفاً. ستجدن المفتاح تحت عتبة باب المطبخ، وسيكون الطعام في غُرفة المؤونة جاهزاً للطهي. وفي الرف الثالث ستجدن فطيرتيّ اللحم المفروم، أما حلوى البرقوق فلا تحتاج إلا إلى التسخين فقط. ستجدن على طاولة غرفة الطعام تذكارات صغيرة لعيد الميلاد لكل واحدة منكن. أتمنى أن تقضين وقتا ممتعاً قدر المستطاع وسوف نأتي لزيارتكن ثانية فور عودتنا.
مُحبتكم المخلصة، عمتكن جين.
إلى حدٍ ما تبادلنا نظرات تشوبها الكآبة الشديدة. ولكن، كما أشارت ألبرتا، يمكننا الإستفادة قدر الإمكان من هذه الدعوة، بما أنها لاتوجد وسيلة للعودة إلى منزلنا قبل قطار الساعة الخامسة. مشينا بتثاقل إلى مدير المحطة وسألناه بفتور إن كان باستطاعته أن يدلنا على منزل نورمان يونج.
كان مدير المحطة بالأحرى رجلٌ ضَيِّق الصدر، وكان منهمكاً للغاية بقلم الرصاص والمفكرة يدوّن البضائع؛ لكنه أعارنا إنتباها كافياً ليشير بقلمه الرصاص ويقول متلعثما، “عائلة يونج؟ انظرن إلى ذلك البيت الأحمر على التلة؟ هو ذاك.”
كان البيت الأحمر لايبعد سوى ربع ميل تقريباً عن المحطة وقد رأيناه بوضوح. وعليه، يممنا تجاهه. وتبين لنا من زاوية قريبة أنه منزلٌ كبيرٌ، مرتَّبٌ، ذو أرضية جميله، تحفه أشجار قديمة خَلاَّبة.
وجدنا المفتاح تحت عتبة المطبخ، فولجنا إلى الداخل. كان الموقدُ مُطفأً، وأما باقي الأشياء فكانت موحشة إلى حد ما، عكس ماكنا نتوقع أن نجد. كما أنني أعترف أن أول شيء فعلناه هو أننا مشينا إلى غرفة الطعام، باحثين عن هدايانا.
كانت هناك ثلاثة طرود، إثنين منها صغيران جداً والآخر نوعاً ما أكبر منهما، موضوعة على الطاولة، لكننا عندما بحثنا عن أسماءنا لم نجدها.
فقالت إليزابيث “من الواضح أن العمة جين، بسبب عجالتها وإنفعالها، نسيت أن تُثبّت عليها العلامات. دعونا نفتحها. لربما استطعنا أن نُخمّن من المحتويات التي بداخلها لأي منا تعود.”
أعترف أننا تفاجأنا عندما فتحنا هذه الطرود. “كنا نعلم بأن هدايا العمة جين ستكون جميلة، لكننا لم نكن نتوقع أن نجد هدايا كالتي بين أيدينا. كان هنالك وشاحٌ فاخرٌ من الفرو يُوضعُ حول العُنقِ وساعةٌ ذهبيةٌ صغيرةٌ ثمينةٌ وقلادةٌ دُرّيةٌ وسوارٌ من الذهبِ المرصعِ بالأحجارِ الكريمةِ.”
فقالت ألبرتا “لاشك أن هذا الوشاح يليق بك يا إليزابيث لأننا أنا وماري لدى كل منا واحد، والعمة جين تعرف ذلك، أما الساعة فمن نصيبك أنتِ يا ماري بما أن لديَّ واحدة، والسوار بحكم الأمر الواقع فبلا شك أنه من نصيبي. حسناً، جميع هذه الهدايا جذابة للغاية.” لبست إليزابيث القلادة وانتصبت أمام مرآة الخزانة الخاصة بأدوات المائدة في غرفة الطعام تتباهى. كانت المرآة مُتْرَعَة بالتراب لذا كان عليها أن تمسحها بمنديلها قبل أن ترى نفسها بوضوح. كان كل شيء في الغرفة معفراً بالتراب على حَدّ سواء. أما بالنسبة لستائر الدانتيل، فتبدو وكأنها لم تُغسل منذ سنين، وواحدة منها يخترقها ثقب طويل. لم أستطع مقاومة شعور خفي بالدهشة، فبالنسبة للعمة جين فإن لها سمعة كُبرى في أنها إمرأة مثالية في الإعتناء بمنزلها. لم أتفوه بكلمة، كما أن باقي الفتيات لزمن الصمت مثلي. كانت والدتنا تغرس فينا دوما أن المُجاهرة بمثالب بيت مضيفنا يُعتبر قمة السلوك الرديء.
فقالت ألبرتا وهي تطقطق السوار في معصمها ومعجبة بالصوت الذي يُحدثه “حسناً، فلنُفكر في أمر الغداء.”
ذهبنا جميعا إلى المطبخ، حيث تقدمت إليزابيث لإيقاد النار كونه واحدا من اختصاصاتها، بينما أنا وألبرتا آثرنا أن نستكشف غرفة المؤونة. وقد وجدنا أن مؤونة العشاء مُجهزة مثلما أوضحتها لنا العمة جين في رسالتها. وجدنا الديك الرومي محشواً، وكمية وفيرة من الخضار. أما فطائر اللحم المفروم ففي مكانها، ولكنها كانت الشيء الوحيد تقريبا الذي يمكن وصفه بدقة، فالفوضى التي تعم غرفة المؤونة كانت كافية بأن تجعل الشخص المحب للنظام يعيش كوابيساً لشهر كامل. وبدأت ألبرتا بالقول “لم أر في حياتي ..” ثم توقفت فجأة، فمن الواضح أنها تذكرت تعاليم أُمها.
فقلت “أين حلوى البرقوق؟” لتحويل مَجْرَى الحديث لمجرى آخر.
ليس لها وجود في أي مكان، وفرغنا إلى أنها لابد أن تكون في السِرْداب. لكننا وجدنا أن باب السِرْداب مُحكم الإقفال.
فقالت إليزابيث “لا تقلقن، فأنتن تعلمن أنْ لا أحد منا يُحب حلوى البرقوق، فنحن نأكلها لأنها حلوى تقليدية فحسب. ففطائر اللحم المفروم تناسبنا أكثر.”
استعجلنا إدخال الديك الرومي في الفرن، وبعد قليل أصبح كل شيءٍ على مايُرام. كنا سعداء كثيرا بتحضير ذلك الغداء، وتصرفنا وكأننا في منزلنا، كما أمرتنا عمتنا جين. أوقدنا النار في غرفة الطعام وقمنا بتنظيف كل شيء تقع عليه أعيننا. لم نتمكن من العثور على أي شيء إطلاقا يشبه المِنْفَضَة، لذلك استخدمنا مناديلنا. وعندما أنهينا العمل، بدت الغرفة وكأنها شيئا جديدا، فالأثاث كان بحق جميلا للغاية، ولكن مناديلنا..حسناً!
ثم جهزنا الطاولة بجميع الأطباق الأنيقة التي وجدناها. لم نجد سوى مفرش طويل واحد داخل جارور الخزانة الخاصة بأدوات المائدة في غرفة الطعام، وكانت به ثلاثة ثقوب، لكننا قمنا بتغطيتها بالأطباق، بعدها وضعنا أصيص شجرة صغير في منتصف الطاولة كشيء نُزيّن به المائدة. تمام الساعة الواحدة أصبح الغداء جاهزا وقد هممنا بأكله. لقد بدت الطاولة جميلة للغاية ونحن حولها جالسون.
وبينما كانت ألبرتا على وشك غرز الشوكة في الديك الرومي والبدء بالتقطيع، حيث أن ذلك أيضا من اختصاصاتها، إذا بباب المطبخ يُفتح ويدخل منه شخص ما. وقبل إستعدادنا للتحرك، إذا برجلٍ ضخمٍ، وسيمٍ، مُلتحٍ، مُرْتدٍ معطف فروٍ يظهرُ عند مدخلِ غُرفةِ الطعامِ.
لم أكن خائفةً حيث يبدو من محياه أنه رجلٌ مُهذبٌ، كما ظننت، وأتوقع أنه صديقٌ مُقربٌ من عمي نورمان. فقمتُ وقوفاً وقلت “طاب يومك.”
لا يمكنكم أن تتخيلوا تعبيرا عن الدهشة كالذي بدا على وجه ذلك الرجل المسكين. حيث قلّب مقلتيه بيني وبين ألبرتا ومن ألبرتا إلى إليزابيث وإليّ مرة أخرى كما لو أنه شك فيما رأت عيناه. وقد شرحت له بوضوح، مشفقة عليه بأن “السيد والسيدة نورمان ليسوا بالمنزل، وأنهما قد غادرا إلى ستريثام صباح هذا اليوم لأن شقيقة يونج مريضة للغاية.”
فقال الرجل الضخم بِغلظة “ماذا يعني كل هذا؟ هذا ليس بيت نورمان يونج… إنه بيتي. أنا ويليام يونج. من أنتن؟ وماذا تفعلن في بيتي؟”
تقهقرت إلى الكرسي، معقودة اللسان. كان الباعث الأول الذي راودني هو أن أقوم برفع يدي واُغطي بها الساعة الذهبية. كما أن ألبرتا أسقطت سكين التقطيع وكانت محاولة يائسة منها لخلع السوار الذهبي تحت الطاولة. ففي لمحة أدركنا خطأنا وشناعته. بالنسبة لي، فقد شعرت بالخوف؛ فالتحذيرات القديمة التي كانت مارجريت هانا تمليها علينا قد تركت أثرا لايمكن محوه. وقد تصرفت إليزابيث وفقاً لمتطلبات الأحداث. فارتفاعها إلى مستوى الأحداث يُعد شيئا آخر من خصالها. فضلاً عن أن وخز الضمير بأنها ترتدي هدية ليست مقصودة لها لا يُثبطها. فقالت إليزابيث للعم ويليام شيئا يبعث على الإعتزاز ويليق بالمقام حتى في قمة هلعنا “أخشى أننا أخطأنا، ونعتذر بشدة عما فعلناه. فقد تلقينا دعوة من السيد والسيدة نورمان لقضاء عيد الميلاد معهما. وعندما نزلنا من القطار، سُلمنا رسالة من عمتنا تُفيد بأنهما قد غادرا، ولكن علينا الذهاب إلى البيت وأن نتصرف وكأننا لسنا غرباء. وقد أشار مُدير المحطة إلى هذا البيت، ولذلك جئنا هنا. لم نحظ بزيارة قط إلى مونكسهد، فهذه أول زيارة لنا ولذلك لانعلم الفرق. من فضلك سامحنا.”
كنت حينها قد خلعتُ الساعة ووضعتها على الطاولة، دون أن يراني أحد، حسب علمي. أما ألبرتا فلم يكن لديها مفتاح السوار، ولم تتمكن من إخراجه، وجَلَسَت هناك، تعلو على وجهها حُمرة الخجل. أما بالنسبة للعم ويليام، فقد تلألأت في عينيه صورة إيجابية. فلم يبدو على محياه أدنى عِداء.
فقال “حسناً، إنه خطأ يحالفه حُسن الطالع بالنسبة لي، فقد عدت إلى المنزل متوقعا أن أجد بيتا بارداً وغداءً غير مطهي، لكنني لحسن الحظ وجدت غداءً جاهزا. إنني ممتن لكنَّ جميعاً.”
فقامت ألبرتا وذهبت إلى رف الموقد، وتناولت مفتاح السوار من هناك وفَتَحَته. ثم اتجهت إلى العم ويليام وقالت بيأس “أخبرتنا السيدة يونج في رسالتها أننا سوف نجد هدايا أعياد الميلاد خاصتنا على الطاولة، ولذلك أخذناها مُسلِّمين بأن هذه الأشياء تعود إلينا، والآن هَلاّ تكرمت وأخبرتنا عن مَقر سُكنى السيد نورمان، لن نتطفل على بيتك ثانية، هيا بنا يافتيات.”
قمنا أنا وإليزابيث وكلنا حسرة. بالطبع لم يكن أمامنا خيار آخر، لكننا كنا نتضور جوعاً، ولم نشعر بالحماس في فكرة الذهاب إلى بيت خالٍ آخر وطهي غداء جديد.
فقال العم ويليام “انتظرن قليلاً، بما أنكن قمتن بعناء طهي الغداء، فمن غير الإنصاف أن لاتبقين لتساعدنني في تناوله. يبدو أن كثرة الحوادث أصبحت مألوفة هذه الأيام. فابن قَيِّمة المنزل كُسرت ساقه في ويستون، ولذلك قُمت بإيصالها هناك غَدَاة هذا اليوم. هيا، عرِّفنني بأنفسكنَّ. لمن أُدين لهذه المفاجأة السارة؟”
فقلت نحن إليزابيث، ألبرتا، وماري يونج من قرية جرين.” ثم دققت النظر لأتأكد إن ظهرت عليه علامات العِداء.
لكن العم ويليام بالكاد بدت على وجهه آيات الدهشة في الوهلة الأولى، والبلاهة في الوهلة الثانية، أما في الوهلة الثالثة؛ فقد عاد إلى حالته الطبيعية.
“بنات روبرت؟! هكذا قال ويليام
لكأنما الشيء الطبيعي في هذا العالم أن تكن بنات روبرت في بيته.
“إذا أنتن بنات أخي؟ أنا سعيد جداً لأتعرف عليكن. اجلسن وسوف نتناول الغداء ريثما أقوم بخلع معطفي. أود أن أرى إن كنتن تُجِدْنَ الطهي مثلما كانت أُمّكُن منذ زمن طويل.”
جلسنا جميعا كما جلس أيضا عمنا ويليام. وقد وجدت ألبرتا أن الفرصة سانحة لإظهار براعتها في تقطيع الطعام إلى شرائح، فالبنسبة للعم ويليام لم يقم به إطلاقا، حيث أنه عيّنَ قَيِّمةً للمنزل لتقوم بذلك. في البداية شعرنا بقليل من التكلُّفِ والحرج؛ مالبث أن تبدد، بعدما وجدنا أن عمنا ويليام ودودا وظريفا ومسلٍ. بعد قليل، ويالدهشتنا، فقد وجدنا أنفسنا مستمتعين. كما أن العم ويليام شعر بالمتعة أيضا. وعندما أنهينا تناول الغداء، أسند ظهره ونظر إلينا. وقال فجأة “أظن أنكن تربيتن على كرهي وكره كافة أعمالي.”
فقلتُ صراحةً “ليس بسبب والديّ، حيث أنهما لم يذكراك بسوء قَط. إن من علَّمنا ذلك هي مارجريت هانا. فقد ربتنا بطريقة تجعلنا نخاف منك.”
فضحك العم ويليام وقال “مارجريت هانا.. كانت عدوتي الوفية. على العموم، لقد تَصرفتُ كأحمقٍ أو أسوأ من ذلك. وقد ندمت على ذلك التصرف منذ ذلك الوقت. كنت على خطأ. ولم أشأ إبلاغ والدكن بذلك، ولكن لا أمانع أن أقولها لَكُنّ، ويمكن أن تخبرنه إن أردتن.”
فقالت ألبرتا “سيكون مسروراً لسماع أنك لم تعد غاضباً منه. كان يَتُوق دوماً أن يعود ثانية صديقاً وفياً لك عمنا ويليام. لكنه يظن أنك لاتزال تُكنُّ له أحقادا دفينة.
فرد العم ويليام “لا لا لا، إطلاقا مجرد عجرفة عنيدة. والآن، أيتها الفتيات، بما أنكن حللتن في ضيافتي، سأسعى جاهدا لتقضين وقتا ممتعا، سنستقل العربة المزدوجة وسنقوم بجولة مرحة ظهر هذا اليوم. وبالنسبة لهذه الحُلي الموضوعة هناك، إنها لكنّ. لقد أحضرتها لبعض الصديقات هنا، لكنني سأُقدم لهن أشياء أخرى. أريد أن تكون هذه الهدايا لكنّ. تلك الساعة تبدو لائقة على سُترتك، يا ماري، وأما السوار فإنه جميلٌ جداً على معصم ألبرتا. هلموا عانقوا عمكم العجوز المعتوه.” وقد تلقى العم ويليام العناق بحماسة؛ ثم قمنا بغسل وتنظيف الأطباق وخرجنا للنزهة. عدنا في الوقت المناسب لنلحق بقطار المساء لنعود إلى منزلنا. وقد شَيَّعَنا العم ويليام في المحطة، على وعد بأن نقوم بزيارته ونمكث معه أسبوعاً كاملا بعد إياب قَيِّمة المنزل.”
فقال “سيتوجب على واحدة منكن أن تأتي وتعيش معي، في أقرب وقت. أخبروا والدكن أن يُجهز واحدة من بناته يُسلمني إياها كعربون عن صَفْحِه. سآتي لزيارتكم عما قريب لأناقشه في الأمر.”
وبعد إيابنا إلى المنزل روينا لهم قصتنا، قال والدنا بصوت خافت جداً “شكرا يا إلهي.” كانت دموع الفرح تترقرق في مقلتيه. ولم ينتظر قدوم العم ويليام لزيارته بل بادر بنفسه وذهب في اليوم التالي إلى مونكسهد.
في الربيع ستذهب ألبرتا للعيش مع عمها ويليام. والآن تقوم بتجهيز المَنَافِض. ففي عيد الميلاد القادم سيلتئم شمل الأسرة الكبرى في مونكسهد.
” أرأيتم كيف أن الأخطاء ليست دوما سيئة.”

تأليف: لوسي مود مونتجمري

إلى الأعلى