الجمعة 28 يوليو 2017 م - ٤ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / تعبيرية فضاء الصورة الفوتوغرافية .. “أنت وأنا : عمانيات” لفخرية اليحيائية ـ نموذجا ـ

تعبيرية فضاء الصورة الفوتوغرافية .. “أنت وأنا : عمانيات” لفخرية اليحيائية ـ نموذجا ـ

عند النظر في تجربة الفنانة التشكيلية فخرية اليحيائية الأخيرة “أنت وأنا : عمانيات” ومحاولة قراءتها نتساءل :هل أن بروز الهوية العمانية يكمن في تلك الهيئات النسائية المختلفة التي تشكل فضاءها الفوتوغرافي؟ أو مثلا يمكن أن نتساءل أيضا: هل أن بروز التراث يكمن في تجربة فنية معاصرة بوصفها ممارسة تشكيلية تتجلى عبر الألوان والحركة والسطوح والفراغ والخطوط، أم من خلال تلك المرأة العمانية التي تملأ فضاءها الفوتوغرافي؟
يؤكد الأستاذ إسماعيل عبد الله على أن هوية الكائن إنما تحيل على ماهيته، على تميزه عن الآخر ويجعل قوامه مختلفا. فالهوية نظريا حاضرة وغائبة ويتطلبها سياق معين وتتراجع إن اختلف السياق. وعلاقة الهوية بالسياق تبني علاقة أخرى بين الهوية والوعي الذاتي. فالكائن لا يتلمس هويته إلا إذا واجه كائنا آخر له هوية مختلفة.ألا تبعث هذه الأعمال الفنية إلى النظر في مضامينها. إذ عرف إسماعيل عبد الله الهوية على أنها: “ترجع إلى مصدر طبيعة إنسانية ذات احتمالات وإمكانيات عامة ووضع اجتماعي تاريخي يحدد ما يتحقق من هذه الاحتمالات والإمكانات والاتجاه الذي تتخذه” ( 1 )
وقد تكشف خيارات الفنانة التشكيلية على مستوى البناء والمفردات التي اتخذتها لأعمالها وأكسبتها بذلك طابعا تجريبيا هاما لممارستها خاصة ونحن نستعرض قولها: “أنت وأنا: عُمانيات مشروع فني تربط فيه الفنانة التراث والهوية العُمانية بقالب فني معاصر، من خلال تسجيل لحظات تفاعلية حركية، وبإيقاعات متباينة من حيث اللون والموضع.” ونحاول التذكير بأن طبيعة الممارسة والاختيارات التشكيلية والجمالية للفنان لا تكون مرتبطة أساسا بالأجزاء والأشكال وحتى الأشياء بقدر ما تكون مرتبطة بالفكرة ومضمون العمل الذي يبرز من خلاله الهاجس التشكيلي في توزيع العناصر وتنظيم الأشياء وفق مجموعة من المبادئ والقواعد تحكمها العلاقات التشكيلية لا غير. ونحن نرى المرأة العمانية في فضاء الصورة الفوتوغرافية لفخرية اليحيائية عنصرا تشكيليا متميزا بل مفردة تشكيلية مستقلة بذاتها قد أعطتها الفنانة من روحها وفكرها وإحساسها. هذه المفردة التشكيلية هي أشبه باللغة، تحمل دلالات هويتها وتقوم بوظائف إنسانية في نفس ذلك الفضاء التشكيلي الذي شيدته برؤيتها الخاصة. ومن ميزاتها أيضا أنها اجتماعية وتقنية، إنها لغة أصيلة تمثل الذات وهكذا كانت الممارسة الفنية هي تجربة حضارة الإنسان الذي أنشأ هذه الأعمال والآثار الفنية وتطورها بحسب فكره و تعبيره وذائقته.
في هذه المجموعة من الأعمال الفوتوغرافية التي تعتبرها الفنانة لوحات لفضاء تشكيلي مفاهيمي ضمن بدايات تعتمد فكرة التنصيبة (Installation) كتقنية تشكيلية قامت الفنانة من خلالها بنقل حركة وحراك المرأة العمانية تشكيليا للتعبير عنها بذاتية متميزة مبنية على دفء وحرارة شديدة في انتمائها إلى تعبيرية تشخيصية. وإذا أمعن المشاهد النظر إلى هذه الأعمال سيكتشف حضور غنائية الجسم الذي أصبح مرسوما ومترابطا ببراعة مع فضاءه في اللوحة وفي كل مرة تتغير المقترحات اللونية التي تهيكل مختلف الأشكال، انه من كل ذلك ستأخذنا الذاكرة إلى إيقاعات جمالية بين الأنا الخاصة بالفنانة والانا الأخرى التي تنتمي إلى نفس هذا المجتمع. انه مجتمع امرأة مشرقية بمخيال جمالي جديد في تداخل بين الفراغ والممتلئ والحركة والثبات في هالة روحانية في صيرورة لعناصر تشكيلية ثرية في مختلف الاتجاهات حاملة معها الثقافة العمانية، لكن في صيغة وتأليف هما أصيلين و مثيرين وذلك باجتياحهما الفراغ ولعل فعلها التشكيلي هذا إنما يذكرنا بما كتبه نيتشه في “جيانولوجيا الفن” حين أكد على أن “أصول الفن” تتأسس على مراوحة، في نفس الوقت، بين ثلاثة أساسيات وهي دراسة وظيفته المعيشية ووظيفته التغييرية ودراسة نفسية الفنان المرتبطة أساسا بهويته ومجتمعه الذي يعيش فيه من قريب أو من بعيد.
وكلما دققت النظر في مختلف أعمال هذه المجموعة الفنية ستلاحظ جدلية بين البعد الروحاني الذي يرجعنا إلى ذات تراثها متميز وتؤكد تواصلها مع الحاضر واتصالها به والبعد التعبيري الذي يتمثل في صورة عمانية تتماهى في تجليات فكرية معاصرة لأنهما لا ينتجان عن محاولات بسيطة ومسطحة، بل رؤى عميقة في معانيها التي تساءل غايات جوهرية الأبعاد والتي تشكل محوراً هاماً في وعي الفنانة التشكيلية فخرية اليحيائية التي يُبرز عملها الفني استعداده لتجاوز المفهوم اللحظي المرتبط بالأحداث الآنية والزائلة إلى الديمومة منه، ولا يتأسس كل ذلك إلا من خلال رؤية ذاتية للموضوع نفسه: بكل بساطة فان هذه التجربة التشكيلية قد ولدت رابطا مفاهيميا لآلية الروحاني والتعبيري في علاقة حميمية، وكذلك الفضاء الذي ولجته مختلف العناصر التشكيلية معها آخذة بعين الاعتبار الفكرة التي اهتمت بها حتى تصبح حدثاً فنياً أو ظاهرة موسومة بالتواصل والاستمرار.
عند العودة إلى بعض الأعمال مثل (عالية، نقاء، نصرة) تتراءى للمشاهد خصوصية تشكيلية ذات قيمة هامة قد أكدتها فخرية اليحيائية بفرضها لأسلوب يعكس تأثره بالمستقبلية حيث اهتمت بتزاوج جسد المرأة الذي هو في حركة دائمة مع مجموعة هامة للحاف الذي يذكرنا في كل مرة بنفس المرجعية ألا وهي الهوية العمانية. اجتماع المرأة واللحاف يبرز في كل مرة صورة متغيرة وتكون حاملة للون جديد كغلاف لمكونات العمل في حين يصبح الأسود مؤسسا للحركة في هيكلة هذا الفضاء. أما العنصر الكرافيكي فقد كان حضوره وفق اختلاف اللحاف يثري نسيج المفردات التشكيلية بتسارعها وتباطئها في دعوة للعين إلى التنقل بين أرجاء الفضاء التشكيلي من كل الجهات والاتجاهات : فجميع الألوان قد تخللت فضاء الصورة الفوتوغرافية.
إلى جانب الألوان فان عنصر الضوء كان هاما في هذه اللوحات فمن خلاله قد تحولت أفضية اللوحة إلى مساحات مشبعة بواقعية المشهد التشكيلي الذي أصبح في سجال عميق مع صيغ لونية وجمالية ثرية بذاكرة الفنانة الثقافية والتاريخية والحضارية والمعمارية للمجتمع العماني. إن في كل ذلك قد عملت الفنانة على إبراز كيفية تواصلها مع تنوع الألوان التي اعتمدتها خاصة الألوان الحارة التي أضفت في صورها نوعا من الإضاءة ذي أريحية. وهنا نأتي إلى الحديث عن حدود الأشكال والمساحات التي ساهمت في إبراز مجموعة هامة من الخطوط وتمسي بذلك للخطوط وظائف أخرى تنظم حركة العين عند تأمل المتلقي للموضوع. فالفضاء بدوره له إمكانية توجيهنا إلى حالة انفعالية ايجابية تساعد على قراءة العمل وتأويل بقية مكوناته للتواصل مع أنا الفنانة.
“أنت وانأ : عمانيات” أو فلنقل الفنانة وتعبيرية فضاء الصورة الفوتوغرافية. هي تجربة تشكيلية هامة في رؤيتها وثرية في مضمونها ومعاصرة في جنسها التشكيلي قد ساهمت الفنانة التشكيلية فخرية اليحيائية فيها بنقل عالمها الذاتي بإيجاز وإيحاء واختصار الذي هو نابع من محيطها الشخصي وبيئتها العمانية. هي محاولة أصيلة قامت فيه أيضا بتسجيل راوح بين التفصيل الواضح والجلي من جهة وبين التخفي والتستر من جهة أخرى من خلال مختلف المكونات التشكيلية البصرية. هي عبارة عن لعبة تشكيلية بارعة تستند على جدلية التخفي والبروز أو بعبارة أكثر دقة هي تلك المفارقة العميقة بين ما يدور في مخيلة وفكر الفنان من جهة وبين الواقع المتمثل أمامنا في فضاء العمل الفني. أما في هذه التجربة الفنية الهامة فأظن أن الفنانة قد اهتدت بتميز جمالي خالص في أن تحول إلى ما يدور في أنسجة خيالها وفكرها من صور إلى واقع تشكيلي وملموس قد ترجم عن صدق واضح ونضج تشكيلي قد عانقا تعبيرا مرهفا وجميلا قد مهد لنا طريق النفاذ إلى جوهر العمل وخلفياته.

هامش :
1 ) إسماعيل عبد الله،”انكسار الأمل وايتار الرفض تفاوت الرؤى،صنيعة ذاتية، أم بحث في الهوية ؟”، الفنون الإسلامية بين هوية التراثي و مجتمع العولمة، أبحاث ندوة علمية دولية مارس 2008، الدوحة، منشورات المجلس الوطني للثقافة و الفنون و التراث و مركز الفنون البصرية، ص.90

د.وسام عبد المولى ناقد تشكيلي
وأستاذ مساعد بقسم التربية الفنية بجامعة السلطان قابوس

إلى الأعلى