الإثنين 10 أغسطس 2020 م - ٢٠ ذي الحجة ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / في العمق: ثبات السياسة العمانية ومصداقيتها استمرار لأصالة نهج التوازنات المتفردة

في العمق: ثبات السياسة العمانية ومصداقيتها استمرار لأصالة نهج التوازنات المتفردة

د. رجب بن علي العويسي

تعيش عُمان بعد الحادي عشر من يناير 2020 مرحلة فارقة في التاريخ، تقلدت فيه وشاح الحزن، واعتصر فيه قلوب العمانيين ألم الفراق، وسكبت أعينهم دموع الأسى، برحيل باني عمان ومشيد أركان دولتها والأب الروحي لنهضتها المباركة مولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد ـ عليه رحمة الله ومغفرته ورضوانه ـ والتي بدأت مع إشراقة يوم الثالث والعشرين من يوليو من عام 1970، واستمرت لخمسة عقود من العمل والإنتاج والعطاء، والتقدم والتطور والنهضة بكل ما حملته الكلمة من معنى وما ارتبط بها من مفاهيم الحياة وبناء الدولة العصرية ونهضة الإنسان وإعداده للمستقبل، وقد وضع عمان أمام تجربة فريدة ورؤية عصرية عميقة وتوجه استراتيجي سديد في قيادتها للتنمية والتطوير والبناء، وتكريسها لجهدها ومقدراتها لصالح الوطن والمواطن، ونظرتها الثاقبة لكافة الأحداث والمتغيرات والتطورات السياسية والتنموية والاجتماعية.
لقد انتقل الوالد القائد الأب السلطان إلى جوار ربه مع النبيين والصديقين والشهداء، تاركا وطنا عظيما وشعبا كريما ومنجزا يفخر به أبناء عمان في الحاضر والمستقبل، لن يأفل بريقه أو يخفت ضوؤه، أو يبهت لمعانه، وبنى دولة عظيمة قائمة على مبادئ الحق والعدل والمساواة، وترسيخ الشورى ونهج الديمقراطية والتنمية المستدامة والشراكة المستمرة للمواطن، وتأصيل منهج الوعي والثقافة والعلم والمعرفة لديه بما توافرت له من مؤسسات العلم والتعليم والتدريب وبناء قدرات الشباب العماني وصقل مواهبه وخبراته، وبما تحقق لعمان من أمن وأمان وسلام واستقرار، عاش الجميع تحت مظلة النهضة متعاونين متكاتفين، عاملين مجتهدين، ساعين لرفعة وطنهم وتقدمه، واتساع نهضته وتطوره في كل مجالات الحياة وميادينها، رحل سيد عمان المعظم وقد ترك العمانيين في مستوى عال من الإدراك والمسؤولية بمصيرهم وهدفهم وغاياتهم، فقد بنى دولة المؤسسات والقانون، وعزز من حضور مؤسسات الأمن بما يحمي منجزات الوطن ويحفظ قواعد العمل، ويؤسس الفرصة للمبادرة وتقديم الأفضل من أجل عمان وأبنائها الأوفياء، ولقد ضمن النظام الأساسي للدولة الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (101/96)، كل قواعد العمل وأرضيات النجاح ومدخلات التحول القادمة التي تحصل في عمان بعد رحيله، في انتقال السلطة وخلافة السلطان، وأفصح النظام الأساسي للدولة عن كل ما يتعلق بسياسة الدولة في الداخل والخارج، ونظام الحكم، وأدوات العمل، وواجبات المواطن وحقوقه، ودور قوات السلطان المسلحة وأجهزة الأمن الساهرة على حماية منجزات الوطن، وترسيخ قواعد الأمن والأمان ونشر السلام، ورسم دور القضاء والقانون في نهج العدالة والمحافظة على الحقوق، فأنتج ذلك فكرا عظيما، وعملا مؤطرا دقيقا منظما، ومنهجا كريما ساميا عادلا في الحياة، وأسلوبا فريدا في الأداء، وممارسة أصيلة على الأرض أثبتتها المواقف العمانية ظهرت نواتجها اليوم ونحن نعايش هذا الحدث الجلل والمصاب الأعظم والفقد الصعب، في سلاسة انتقال السلطة واختيار خليفة للسلطان؛ والأداء النوعي الراقي الوطني الذي قدمه مجلس الدفاع الموقر في تحقيق هذا التحول تأكيدا للنهج القابوسي في بناء اللحمة الوطنية وتحقيق أشرعة الأمن والسلام، والحفاظ على منجزات النهضة التي تحققت على مدى نصف قرن من الزمان، لتبسط خيوط الأمان والسلام أشرعتها على أرض عمان الغالية، ويبايع أبناء عمان وبناتها من شرقها إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها سلطانهم الجديد الذي أشار إليه المغفور له ـ بإذن الله تعالى ـ مولانا جلالة السلطان قابوس المعظم طيب الله ثراه، في رسالته للأسرة الحاكمة وللعمانيين أجمع، بتثبيت جلالة السلطان هيثم بن طارق بن تيمور ـ حفظه الله ورعاه ـ سلطانا لعمان.
كل ذلك وغيره لم يكن وليد الصدفة أو بقدرة قادر؛ بل جاء عبر تأطير مدروس ومخطط لهذا النهج وخطوات هذا المسار خطوة بخطوة، تجسيدا للمبادئ التي جاء بها سلطان عمان الراحل، والتي تضع عمان كما أراد جلالته ـ رحمه الله ـ متفردة في كل شيء، في موقعها الحضاري المشهود لها فيه بالقوة والثبات والمصداقية وروح التسامح والانسجام التي جمعت بين أبناء الوطن العماني الكبير بمختلف مذاهبه وأطيافه، ليكون الولاء العظيم للوطن الكبير عمان الذي وسع الجميع واتسع للكل، ولعل رسالته الأخيرة للعمانيين عامة وللأسرة المالكة الكريمة خاصة، وما سطره فيها من درر المعاني وشموخ الكلام وسمو الكلمات وأعظم العبارات وما ختمه بها من تذكير أبناء عمان بقول الله تعالى “وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ” الأنفال(46)، خير وصية لبناء الحياة: حياة الأوطان، والإنسان، والتنمية، والقيم والمبادئ، متآخين متعاونين كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، وهو النهج الذي جاء به ـ رحمه الله ـ منذ توليه مقاليد الحكم في البلاد، في تلك الفترة التي كانت تعيشها عمان وما فيها من تشتت وتمزق وانكسارات وأحزاب وولاءات شخصية، حتى حول ذلك كله لصالح الوطن، فأسس ملحمة الولاء والانتماء والعرفان في حب عمان: الدولة والإنسان، فقد حرص ـ رحمه الله وغفر له ـ على ترسيخ هذا الجانب وتثبيت دعائمه وفق نظام فريد للوحدة الوطنية عزز من وجدان الوطن في نفوس أبناء عمان وقلوبهم، فلقد كانت رابطة العقيدة والفكر والإنسانية مدخلات للوطن “عمان” الرابطة الكبرى التي احتوت الجميع، وعاش في ظلالها أبناء عمان في قوة ووحدة، وعزة وكرامة، وأصبح الولاء لله والوطن والسلطان، فلا ولاء لقبيلة ولا عائلة ولا أسرة ولا منطقة، فكل عمان أرض واحدة وشعب واحد وقيادة واحدة، فلا وجود لحزبية بغيضة أو مذهبية حاقدة، في مجتمع يؤمن بالتعددية والتسامح والمشاركة، والكل في عقيدته أن عمان وقائدها المفدى هما الولاء والانتماء.
هكذا هي عمان كما أرادها جلالته ـ رحمه الله ـ فقد ترجمت كل هذه الدلالات والمعاني إلى عمل وطني متفرد تجسدت معالمه في واقع البناء الوطني المتكامل، في إطار من الممارسة الواعية والخطط الواضحة والأهداف والاستراتيجيات المحددة والتوجهات السديدة والرؤى الحكيمة والأدوار والمسؤوليات المفهومة من الجميع، فأنتجت عملا دؤوبا وسعيا حثيثا، وفكرا إيجابيا، ومنطقا إلى الخير أقرب، وإلى العمل الجاد والإخلاص والروح المعنوية العالية أدوم، لقد أثمرت تضحية وفداء، وحبا ووفاء، وشموخا وإباء، وروحا إلى العمل المجدّ تواقة، وإلى السمو بكريم الخصال وحسن الفعال في الداخل والخارج ماضية، إنجازات لامسها كل عماني وكل من عاش على أرض عمان أو زارها، حتى وصلت لخارج عمان، ترجمانا لشعور القلب وإحساس النفس، وملامسة واقع التجربة والدخول في موقع الحدث، لقد أحبه الجميع وأشاد بنهجه السامي العالم كله في مختلف بقاعه واصقاعه، أنموذجا للسلام في عالم مضطرب، وشخصية قيادية عالمية إنسانية مؤثرة ملهمة في عالم يعيش السقطات ويتجه إلى نفوق الأخلاق؛ وهو السر الذي ارتبط بحب أبناء عمان للمغفور له مولانا السلطان قابوس ـ رحمه الله ـ حتى بكته عمان عن بكرة أبيها وضاقت على أبنائها الأرض بما رحبت من هول الفاجعة وألم الفراق وقسوته وشدته وعظمته، فـ(إنا لله وإنا إليه راجعون).
لقد رحل مولانا السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور ـ رحمه الله ـ الذي أعطى عمان جل وقته وجهده ومنحها شبابه وصحته، وقد تحقق على أرضها السلام والتنمية في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والثقافية والفكرية، واتجهت إلى فتح آفاق أوسع مع العالم عبر شراكات استراتيجية هدفت إلى توثيق صلة عمان بالعالم وتعزيز حضورها في المجتمع الدولي، حضور السلام والقوة والنضج الذي التزمته عمان، فإن المتتبع لعمليات التطوير والتحديث التي انتهجتها النهضة منذ بدايتها وسارت عليها سنة حميدة وسيرة عطرة، يجد فيها مساحة حضور قوي لنُهُج التوازن التي اعتمدتها في كل شيء، توازن قويت به مسارات التطوير، وتناغمت خلاله أولويات العمل، وتأكدت فيه قيم الانتماء للوطن والولاء للقائد الراحل ـ رحمه الله ـ وتأسست فيه فرص أكبر للإبداع والابتكار والتطوير النوعي؛ توازن اتجه بعمق نحو الغوص في فقه الإنسان العماني وشخصيته، وقراءة أبعاد الواقع الوطني والحالة العمانية وتجلياتها في مسيرة بناء الدولة العمانية الحديثة، فأدركت متطلباتها، وصاغت لحن التوازن في شمولية التنمية واتساعها لكل بقعة في أرض عمان في المدن والقرى والجبال والصحراء والمناطق القريبة والبعيدة، إذ حظيت جميعها بحقها في التنمية والتطوير؛ وهو توازن في قراءة إنسان التنمية ليندمج الجميع تحت رابطة الوطن وقيادته، فالرجل والمرأة والكبير والصغير في ميزان الوطن سواء، عليهم جميعا الإسهام في بناء الوطن وتنميته وتطويره كل حسب طاقاته؛ وهو توازن في المنهج والفكر والثقافة ولغة الخطاب وفقه السياسة، اتسمت بعمق المواطنة والشعور بقيمة الإنسان صانع التنمية وهدفها، وفي إدارة قضاياه والتعامل مع معطيات الواقع، فصنعت النهضة توازنات استراتيجية فكرية واقتصادية وثقافية وتعليمية وغيرها، عززت من مسار التلاحم الوطني والتناغم المذهبي والتواصل الاجتماعي، لتشكل جميعها وحدة الوطن وأخلاقيات المواطن.
لذلك لم تكن صناعة التوازنات في الحياة السياسية العمانية المعاصرة الداخلية والخارجية منها وليدة اللحظة ولا هو بفعل قرار آني أو ظرفي أو نتيجة التحولات الإقليمية والدولية التي شهدها العالم في فترات متعاقبة؛ بل خيار استراتيجي انبثقت من منهج الإسلام، وارتبطت في تعبيراتها ومفرداتها الثقافة العمانية والفكر العماني المعتدل والمتسامح، الذي قام على منهج التوازن في رسم ملامح التغيير، والدمج بين الخصوصية والتطوير، والأصالة والمعاصرة، وعمل المرأة وحفاظها على دورها الأسري والاجتماعي، وتجديد التاريخ وتقنين أدواته وتصحيح معالمه، والانفتاح المدروس والاستثمار المخطط له، فأنتجت هذه المفردات مساحات أكبر للتعايش بين المواطنين على اختلاف طوائفهم ومذاهبهم وانتماءاتهم القبلية ـ التي انصهرت جميعها في بوتقة الوطن، وتناغمت مع خصوصيته وهويته وتفاعلت مع تحقيق سيادته الداخلية، وهو توازن أسس لنهضة السلام ووفر مساحات أكبر للأمن والأمان والاستقرار، والشعور الجمعي بقيمة التعاون والتكاتف والتضامن بين أبناء المجتمع في التعاطي مع التحديات ومواجهة الأزمات والحفاظ على أولويات الوطن، وأنتج مشتركات أكبر بين المواطنين عززت من مساحات الشراكة والتعاون والتعددية وقبول الآخر المختلف، فصنعت في الداخل مجتمع القوة وأسست أجندة التغيير الموجه، الذي اتجه إلى تكيف الإنسان العماني وتأقلمه من المتغيرات الحاصلة في العالم مع استدامة المحافظة على هويته وخصوصيته، ورفع سقف التوقعات في التعاطي مع المستجدات المحيطة به بروح الإنسان الواعي المسؤول المدرك لدوره في هذا العالم.
لقد انعكست مسيرة التوازن التي أصلتها حكمة باني نهضة عمان الراحل في سياستها الداخلية والبناء الذاتي للسلطنة؛ على سياساتها الخارجية، فقد رافقت جهود التنمية الوطنية الداخلية؛ إدراك أهمية بناء علاقات صداقة راسخة مع مختلف القوى والأطراف الفاعلة الإقليمية والدولية، ليس من أجل استعادة الدور النشط لعُمان في محيطها فقط، بل أيضا للإسهام في كل الجهود الخيّرة لبناء عالم أفضل للبشرية يسوده السلام والاستقرار ويقوم على العدالة والإخاء والحوار الإيجابي لتحقيق التواصل مع بلدان العالم وحضاراته وثقافاته، وشكلت السياسة العمانية شواهد حية لأصالة سياسة التوازنات العمانية القائمة على تعزيز السلام العادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير، وعدم قبول ذلك من الغير، وحرية الشعوب في تقرير مصيرها، وحل النزاعات والاختلافات بالطرق السلمية وبما يحقق مبادئ السلام والحوار، واحترام خصوصيات وقيم الآخرين وثقافتهم، وتعزيز السلم والتفاهم الدوليين ونشر ثقافة الحوار والسلام والوئام بين الشعوب، واحترام رأي الآخرين وتوجهاتهم والإعلاء من شأن الدبلوماسية القائمة على احتواء الخلافات وتقليل مساحة التباعد بين الآراء لتحقيق السلم والتنمية وترسيخ الوئام الإنساني، ولعل من بين مرتكزات هذه التوازنات وضوح المبادئ التي اعتمدتها السياسة العمانية لصناعة السلام والتنمية وبناء العلاقات الدولية على أساس الحق والعدل والمساواة، ارتبطت بشكل وثيق بالتاريخ والقيم العمانية في التعامل مع مختلف القوى والأطراف الدولية، مستفيدة من معطيات الموقع الجيوسياسي والدور التاريخي لعمان في المحيط الهندي وبحر العرب، والفلسفة العمانية لعالم يسوده السلام والأمن والاستقرار والتفاهم بين دوله وشعوبه من أجل بناء حياة أفضل لأجياله، لذلك عززت علاقات الصداقة مع الأشقاء والأصدقاء في كل ما من شأنه تبادل المنافع، وتعزيز المصالح المشتركة في المجالات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية وغيرها بما ساهم في فتح آفاق أوسع أمام الاقتصاد العماني ودعم قدراته يشهد بذلك التبادل التجاري الحاصل بين السلطنة ودول العالم المتطورة اقتصاديا وفتح المجال للاستثمارات الخارجية للفاعلين الاقتصاديين الدوليين في المنطقة الاقتصادية بالدقم وغيرها.
كما أثمرت سياسة الوضوح ومصداقية المبادئ وثباتها التي انتهجتها السلطنة، في كسب السلطنة لثقة المجتمع الدولي وتعزيز مجالات التعاون واستثمار الفرص نحو شراكة أفضل، ومناصرتها للكثير من القضايا الدولية المعززة لنشر ثقافة التسامح والسلام والوئام بين الشعوب، وتأكيد ثقافة الحوار في حل المشكلات العالقة بين الدول، وتغليب منطق الحكمة والعدل والمساواة في حل المشكلات السياسية بعيدا عن استخدام منطق القوة والحرب، وفاعلية دور السلطنة على مستوى المنظمات الدولية الرسمية، والجهات المعنية بالمرأة والطفل وحقوق الإنسان أو تلك المتعلقة بالأمن والإرهاب والفساد وغيرها، والعمل جنبا إلى جنب مع الأسرة الدولية في كل القضايا التي تهم الإنسان والبيئة والتنمية والأمن والاقتصاد والسلام، متخذة من الشراكات الفاعلة واحترام العلاقات والالتزام ببنود الاتفاقيات منطلقا لتحقيق العدالة والمساواة والتفاهم والسلم الدوليين ومراعاة التنوع الثقافي وخصوصية الدول وهويتها وقيمها، وتأكيد القيم والمفاهيم الدولية المعززة لروح الانسجام والتفاعل الحضاري والتنوع الثقافي بين الشعوب، بما عزز من اهتمام العالم بما تتبناه السلطنة من توجهات أو تقره من سياسات أو تتخذه من خطوات جادة لتحقيق الدبلوماسية وتفعيل مختلف خطوط التأثير الإيجابي، بما انعكس إيجابا في زيادة التواصل وتقريب وجهات النظر وفتح مسارات أفضل للحوار والتناغم في الأولويات والاستفادة من المشتركات في العديد من الملفات السياسية وتجنيب المنطقة والعالم مزالق الحروب ومساوئ الاندفاع والدخول في حروب وعداوات خاسرة.
ولمّا كانت سياسة السلطنة معروفة للجميع في الداخل والخارج، مدركة من الصغير والكبير، نابضة في فقه الإنسان العماني والمتابعين للشأن العماني، كونها مبنية على ثوابت واضحة لا تتغير بتغير الظروف أساسها العمل على استتباب الأمن والسلام، حيث الدعوة للتسامح والمحبة والعمل المشترك مع الجميع، حتى أصبح نهجا واضحا لعمان، ومسارا أصيلا في السياسة العمانية وإطار عمل ملازما لها: وطنا وإنسانا وقيادة، فقد أنتجت هذه السياسة المتوازنة حكمة في المواقف ورصانة في قراءة الأحداث، وتقييما متوازنا للواقع الدولي عامة وأحداث المنطقة خاصة، انعكست على الآلية التي تعاملت بها عمان مع الأزمات السابقة والحالية على المستوى العربي عامة والخليجي بشكل خاص، بما يعزز من عجلة السلام ويرفع من سقف الوعي الإنساني لحماية البشرية من مخاطر الحروب وآثارها التي أرهقت الأوطان وشتتت الإنسان، وسلبت التنمية حقها، فقد التزمت السلطنة سياسة الحياد الإيجابي وكثّفت من دورها في تقريب وجهات النظر، والاعلاء من منصات الحوار وجمع الكلمة، للوصول إلى عمل مشترك يحفظ حق الجميع ويراعى خصوصيته، وفرضت مواقف جلالة السلطان الراحل عليه ـ رحمة الله ومغفرته ـ في الساحة الدولية، أخلاقية المواقف الثابت والمتوازنة ومبادئ الوضوح وندية التعامل، كما رسمت الدبلوماسية العمانية الهادئة والهادفة، محور التغيير في هذا النهج الذي أفصح عن أخلاق العمانيين، وسمات الشخصية العمانية في هدوئها ووضوحها وصراحتها والتزامها في التعامل مع الآخرين بما عزز من قواعد التوازن في طرح مواقفها والتعبير عنها بعيدا عن الازدواجية، والحرص على بذل كل ما هو ممكن لدعم أية توجهات أو مبادرات تسهم في تحقيق الأمن والاستقرار والطمأنينة.
وإذا كان السلطان قابوس قد رحل جسده من هذه الدنيا، فإن روح الإرادة والعزيمة والعزة والقوة والحافز والأمل الذي أوزعه في أبناء عمان باقٍ لم يرحل، وإذا كان سلطان عمان ـ المغفور له بإذن الله ـ قابوس بن سعيد قد مات، فإن ما تركه من إرث حضاري يعجز الدهر عن سرده وحصره واستقصائه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، باقٍ لم يمت، وإن أبناء عمان الأوفياء ومن وثق فيهم السلطان الراحل وكلفهم بحمل الأمانة وأوصاهم بعمان خيرا قادرون بعون الله على الاستمرار في رسم الآمال والأحلام وتحقيق المزيد من الطموحات لأبناء الوطن وللعالم أجمع، وإننا يدا واحدة مع سلطاننا الذي أوصى به مولانا الراحل في رسالته للشعب العماني. لقد صنعت عمان التوازنات في عالم متغير وواقع مضطرب، وأنتجت بذلك مسار القوة التي يحتاجها العالم اليوم ليعيد فيه مساره وتقييم ممارساته وتشخيص واقعه، إنه السر الذي رافق النهضة العمانية والنهج الذي عزز من نسيج التكامل والتعايش والحب على أرض عمان: السلام والوئام؛ وهو العهد الذي سيحمله أبناء عمان في مسيرة عمان القادمة؛ معاهدين الله عز وجل أن نسير على نهجه، وأن نحفظ وده، وأن نصون عهده، ونحافظ على ما أنجز وزيادة، فسلام سلاما لك سيد عمان في مقعد صدق عند مليك مقتدر؛ وحفظ الله مولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق بن تيمور آل سعيد، وأمد في عمره إنه قريب مجيب.

إلى الأعلى