الإثنين 10 أغسطس 2020 م - ٢٠ ذي الحجة ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / شراع: حكمة قابوس سر إلهي (1)

شراع: حكمة قابوس سر إلهي (1)

خميس التوبي

الأيام الثلاثة للحداد التي أعلنها ديوان البلاط السلطاني لوفاة مؤسس نهضة عمان الحديثة جلالة السلطان قابوس بن سعيد ـ رحمه الله وطيب ثراه ـ وتنكيس الأعلام في الأيام الأربعين القادمة، كانت كفيلة بعكس قيمة الرجال العظام وبمكانتهم الوثيرة في عالم أصبح لا يعترف إلا بالأقوياء، حيث تلخص تلك الأيام الثلاثة قصة حكمة وعبقرية قائد عظيم فذ كان على موعد في لحظة فارقة قلما جاد بها الزمان في تاريخ الأوطان، حكمة وعبقرية امتزجتا مع كفاح شعب ليحفرا مجرى جديدًا في نهر الحضارة الإنسانية لحاضر عُمان ومستقبلها، تعانق الإنجازات أفلاك النجوم، وتتعالى الهامات فخرًا بين الأمم والشعوب، حيث كانت نقطة الانطلاق المركز الحضاري النشط الذي شكلته عمان على امتداد التاريخ، وتفاعله مع مراكز الحضارة في العالم القديم، متسلحة بمقومات القوة الضرورية لبناء حاضر مزدهر يربط بين تراث وأصالة الماضي العريق وآفاق وطموحات المستقبل المشرق. وفي مقدمة هذه المقومات القيادة التاريخية الواعية، والشعب العماني الوفي اللذين التقيا عند الهدف الأسمى وهو بناء عمان الشامخة الماجدة المستقرة النابضة بالمحبة والتسامح والخير والسلام والإيمان والاطمئنان والوئام.
لقد تجلت حكمة قابوس سرًّا إلهيًّا خصه الله به بما أودعه فيه من قدرات وفضائل وسمات ومواهب تكشفت تجليات هذا السر طوال العقود الخمسة الماضية التي حكم فيها جلالة السلطان قابوس بن سعيد ـ رحمه الله وطيب ثراه ـ ولا تزال تتكشف بعد رحيله الموجع، كانت ركيزتها ومنطلقها السلام والتسامح والتنمية، ونبذ الصراعات والتطرف والغلو، وقبول الآخر، وتقدير الإنسان واحترام حقوقه، ومنع الظلم، ونصرة المظلوم، وإعطاء المساحة الواسعة والأولوية لفضائل الحوار والسلم والتسامح والترفع عن صغائر الأمور وسفاسفها، والتنازل والتغاضي من أجل السلم وتحقيق السلام والوئام والاستقرار ولو كان على حساب حق من حقوقك، رعايةً وتفضلًا من أجل إفشاء السلام والاستقرار وتغليب مصالح العباد، ومن أجل طهارة الأرض من الظلم والحروب والخراب والدمار والدماء التي تسفك ظلمًا وعدوانًا، ودرء الفتن عنها وقطع الطرق أمام التعصب والتطرف. والأروع في كل هذه الدعوات الصادقة والكلمات النابضة بالخيرية والإنسانية والمحبة والتراحم والتآلف والتواصل من لدن المغفور له ـ بإذن الله تعالى ـ جلالة السلطان الراحل، أنها لم تقف عند حدود منطوق القول، وحبر الكلمة المرسومة على الورق، وإنما رافق هذه الدعوات جهود مخلصة صادقة لم تتوقف طوال خمسين عامًا، حتى وهو على فراش المرض، وهذا يعكس قوة الإيمان وعمقه لدى جلالته ـ رحمه الله وطيب ثراه ـ حيث كانت الزيارات المكوكية للأطراف الدولية وللفرقاء والخصوم تتعاقب جيئةً وذهابًا على عمان أرض السلام، وكانت رحلات معالي يوسف بن علوي بن عبدالله الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية من عاصمة إلى عاصمة مبعوثًا ومُوَجَّهًا من جلالة السلطان الراحل ـ رحمه الله ـ حاملة القيم والمبادئ والأفكار وأوجه الدعم والمساندة من أجل تقريب الفرقاء وإيصالهم إلى منتصف الطريق، والالتقاء على كلمة سواء، وحول صيغة جامعة تحفظ حقوقهم، وسلامة أوطانهم واستقرارها، ومساعدتهم على عدم ترك مداخل ينفذ من خلالها أعداؤهم إليها، وفي ذلك غاية سامية وهدف عظيم بتحقيق السلم والأمن لشعوبهم وأوطانهم وتغليب المصلحة الوطنية، وخدمة الأمن والسلم الدوليين.
إن ما نشاهده اليوم من مواقف خليجية وعربية ودولية، وما نقرأه ونسمعه من تصريحات وبيانات في تأبين جلالة السلطان قابوس بن سعيد ـ رحمه الله وطيب ثراه ـ وما نراه من تنكيس للأعلام وإعلان للحداد تكريمًا وتقديرًا وتعبيرًا عن حجم الحزن والأسى والألم على فقد قامة عظيمة في الخير والسلام والأمن والاستقرار والحكمة والتسامح، لهو أبلغ دليل وأعظم برهان على ما قلناه بأن حكمة قابوس سر إلهي، كيف لا؟ وهو قائد نعاه المحبون والخصوم، واجتمعوا على أرض عمان الطاهرة التي بناها بالتنمية والسلام والأمان والاستقرار والحكمة التسامح والتراحم والتعاون والتكافل والتآلف، من أجل تقديم واجب العزاء والتعبير عن مكنون مشاعرهم تجاه جلالة القائد الفذ ـ رحمه الله ـ مؤكدين صدق مواقفهم النبيلة تجاه عمان وشعبها الوفي في ظل قيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق ـ حفظه الله ورعاه ـ الذي بدوره قطع العهد والوعد لمواصلة النهج والمسيرة لتظل عمان قلعة شامخة ماجدة تنعم بآلاء الله من النعم والاستقرار والسلام والأمن والأمان والاطمئنان.

إلى الأعلى