الثلاثاء 24 يناير 2017 م - ٢٥ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / مواضع تكريم المرأة في الفكر الإسلامي

مواضع تكريم المرأة في الفكر الإسلامي

تكريم المرأة أمًّا

كرم الإسلام الأم أيما تكريم ، وأعطاها حقوقها كاملة قال – تعالى -: “واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ” سورة النساء / 36 ، وقال – عز من قائل -: “وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا “.
وفي الحديث الشريف عندما سئل الرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم -: “من أحق الناس بحسن صحابتي ؟ قال : أمك. قال : ثم من ؟ قال : أمك. قال: ثم من ؟ قال : أبوك “. متفق عليه.
حقوق الأم في الإسلام:
ومن تلك الحقوق والواجبات التي سنها الإسلام للأم كذلك حُبُّها وتوقيرها في النفس والقلب ، ومنها حسن الرعاية وصدق القيام على شؤونها إنِ احتاجت ، وهو دين في عنق أولادها القادرين قال – تعالى -: “ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها ” سورة الأحقاف / 15 ، “ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه وهنا على وهن…” سورة لقمان/14 ، “ووصينا الإنسان بوالديه حسنا ” سورة العنكبوت / 8.
ومنها عدم إيذائها وإسماعها ما تكره من القول أو الفعل ، لقوله – تعالى -: “ولا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما ” الإسراء / 23 ، ومنها الإنفاق عليها فهي مكفولة غنيةً كانت أو فقيرةُ ، فإذا لم يكن لها زوج ، أو كان زوجها فقيرا معسرا كان الإنفاق واجبا على أبنائها المقتدرين.
ومنها طاعتها والائتمار بأمرها ، أما إنْ أمرت بشر كشرك ونحوه “فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ” ، قال الله – تعالى-:”وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا ” سورة لقمان/15 .
حتى بعد موتها يُسَنُّ قضاء ما عليها من كفارات ، والتصدق عنها ، والحج أو الاعتمار عنها بعد أن يؤدي الإنسان فريضة الحج أولا ، فعن ابن عباس – رضي الله عنهما -” أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي – صلى الله عليه وسلم -، فقالت : إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت ، أفأحج عنها ؟ قال : نعم ، حجي عنها ، أرأيت لو كان على أمكِ دين أكنت قاضيته ؟ اقضوا الله فالله أحق بالوفاء ” رواه البخاري.
وكذلك يسن لها بعد موتها بِرُّهَا بصلة من كانت تصله ، وتحترمه ، وتقدره كصديقاتها وأقاربها ، ففي رواية مسلم عن عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال : “إن من أبر البر صلة الرجل أهل ود أبيه بعد أن يولي “.
ووردت قصص كثيرة تبين مكانة الأم في الإسلام ، وتبرز كيف كرم الإسلام المرأة أما ، من تلك القصص التي نلتمس منها العبرة والعظة ما يأتي: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ فقال : يا أمير المؤمنين ، أمي عجوز كبيرة ، أنا مطيتها أجعلها على ظهري ، وأُنحي عليها بيدي ، وألي منها مثل ما كانت تلي مني ، أوَ أديت شكرها ؟ قال : لا. قال : لم يا أمير المؤمنين ؟ قال : إنك تفعل ذلك بها وأنت تدعو الله – عز وجل – أن يُميتها ، وكانت تفعل ذلك بك وهي تدعو – الله عز وجل- أن يطيل عمرك.
ومن عجائب القصص في هذا الصدد : قصة جريج العابد مع أمه ، التي أخبر بها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ناصحًا لأمته ، ومحذرا من تجاهل أمر الوالدين والتشاغل عنهما ، ومبينًا خطورة دعوة الوالد على ولده ، فعن حميد بن هلال عن أبي رافع عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أنه قال : ” كان جريج يتعبد في صومعة ، فجاءت أمه ، قال حميد: فوصف لنا أبو رافع صفة أبي هريرة لصفة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمَّه حين دعته ، كيف جعلت كفها فوق حاجبها ، ثم رفعت رأسها إليه تدعوه ، فقالت : يا جريج ، أنا أمك كلمني . فصادفته يصلي ، فقال : اللهم أمي وصلاتي. فاختار صلاته. فرجعت ثم عادت في الثانية فقالت : يا جريج ، أنا أمك فكلمني. قال : اللهم أمي وصلاتي ، فاختار صلاته. فقالت : اللهم إن هذا جريج ، وهو ابني وإني كلمته ، فأبى أن يكلمني ، اللهم فلا تُمِتْهُ حتى تريَه المومسات . قال : ولو دعت عليه أن يفتن لفتن. قال : وكان راعي ضأن يأوي إلى ديره. قال فخرجت امرأة من القرية ، فوقع عليها الراعي ، فحملت فولدت غلامًا ، فقيل لها : ما هذا ؟ قالت : من صاحب هذا الدَّير. قال فجاؤوا بفؤوسهم ومساحيهم فنادوه ، فصادفوه يصلي ، فلم يكلمهم. قال : فأخذوا يهدمون ديره ، فلما رأى ذلك نزل إليهم ، فقالوا له : سل هذه ، قال : فتبسم ، ثم مسح رأس الصبي ، فقال : من أبوك ؟ قال : أبي راعي الضأن. فلما سمعوا ذلك منه قالوا : نبني ما هدمنا من ديرك بالذهب والفضة. قال : لا ، ولكن أعيدوه ترابًا كما كان ، ثم علاه “.
فانظر كيف استجاب الله دعوة أمه عليه ، مع أن الذي منعه من إجابتها ليس اللهو واللعب ، وليس النوم والكسل كما قد يحدث لأحدنا ، أو الاشتغال بأمور الدنيا ، فنقول : يستحق، أو قصد معاندتها وتجاهلها ، وإنما الذي منعه إنما كان اشتغاله بعبادة عظيمة كره أن يقطعها ، ثم انظر كذلك قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ” ولو دعت عليه أن يُفْتَنَ لفُتِنَ ” ، أي : أنها مع غضبها عليه عذرته ورفقتْ به ، فقصَرت الدعاءَ عليه بمجرد رؤية وجوه تلك النساء المومسات ، ولو دعت عليه بفعل الفاحشة لابتُلي بها، والعياذ بالله.
وقد قال الفقهاء : إن الحديث دل كذلك على أن من شرع في صلاة نافلة ثم دعاه أحد والديه ، وهو يعلم أنه يتأذَّى بانتظاره ، أو يغضب عليه لتأخره عن إجابته ، فإنه يقطع صلاته ، ولا حرج عليه في ذلك ؛ لأن إجابة الوالد واجبة.
وقِيلَ إنَّ عُمَرَ بنَ الخَطابِ – رَضِيَ اللهُ عَنْهُ – تَمَنَّى لَوْ كَانَتْ لَهُ أُمٌّ لِيَبَرَّهَا ، وَلا نَنْسَى كذلك أُوَيْسَ القَرْنِيَّ الذِّي ذَكَرَهُ الرَّسُولُ الكَريمُ – صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – دُونَ أَنْ يَراهُ وَأَخْبَرَ الصَّحَابَةَ – رِضْوانُ اللهِ عليهِمْ – عَن بِرِّهِ لِوالِدَتِهِ ، وهذا زَيْنُ العَابِدينَ مِنْ سَادَةِ التَّابِعينَ الذِّي لَمْ يَكُنْ يَأْكُلُ مِنْ صَحْنٍ تَأْكُلُ مِنْهُ أُمُّهُ مَخافَةَ أَنْ تَمْتَدَّ يَدُهُ إِلى ما سَبَقَتْ إِلَيْهِ عَيْنُهَا ، فَيَكُونُ قَدْ عَقَّهَا ، وَكَانَ حَيْوَةُ بنُ شُرَيْح – وَهُوَ مِنْ كِبَارِ العُلَماءِ – يَجْلِسُ فِي حَلَقَتِهِ يُعَلِّمُ النَّاسَ ، فَتَقُولُ لَهُ أُمُّهُ : قُمْ يا حَيْوَةُ! فَأَلْقِ الشَّعيرَ لِلدَّجَاجِ ، فَيَقُومُ فَيُطْعِمُهُمْ ثُمَّ يَرْجِعُ.
وكلنا يعرف حديث الثلاثة الذين آواهم المبيت في غار، وكان البر بالأم أحد أسباب نجاتهم ، نقرأ معا ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ – رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- عَنِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَال : “خَرَجَ ثَلاثَةٌ يَمْشُونَ فَأَصَابَهُمُ الْمَطَرُ فَدَخَلُوا فِي غَارٍ فِي جَبَلٍ فَانْحَطَتْ عَلَيْهِمْ صَخْرَةٌ ، قَالَ : فَقالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ادْعُوا اللهَ بِأَفْضَلِ عَمَلٍ عَمِلْتُمُوهُ فَقالَ أَحَدُهُمُ اللّهُمَّ إِنِّي كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرانِ فَكُنْتُ أَخْرُجُ فَأَرْعَى ثُمَّ أَجِيءُ فَأَحْلِبُ فَأَجِيءُ بِالحِلابِ فَآتِي بِهِ أَبَوَيَّ فَيَشْرَبَانِ ثُمَّ أَسْقِي الصِّبْيَةَ وَأَهْلِي وَامْرَأَتِي ، فَاحْتَبَسْتُ لَيْلَةً فَجِئْتُ فَإِذَا هُمَا نَائِمَانِ قَالَ فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَهُمَا وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغُونَ (أي يَبْكُونَ بَصَوْتٍ عَالٍ) عِنْدَ رِجْلِي فَلَمْ يَزَلْ ذلِكَ دَأْبِي وَدَأْبُهُمَا حَتى طَلَعَ الفَجْرُ. اللهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا فُرْجَةً نَرَى مِنْها السَّماءَ ، قَالَ فَفَرَجَ عَنْهُمْ …” . رَواهُ البُخارِيُّ وَمُسْلِمُ ، وهذه كلها روايات وقصص تؤكد منزلة المرأة أمًّا ، وشأنها في الإسلام ، ومكانتها في دين الله – جل وعلا – ، فالحمد لله على نعمة الإسلام وكفى بها نعمة !

مها محمد البشير حسين نافع

إلى الأعلى