الأربعاء 8 يوليو 2020 م - ١٦ ذي القعدة ١٤٤١ هـ
الرئيسية / المحليات / عندما يرتجل العظماء .. يتركون بصمات في التاريخ
عندما يرتجل العظماء .. يتركون بصمات في التاريخ

عندما يرتجل العظماء .. يتركون بصمات في التاريخ

د.خلفان بن محمد المبسلي:
لئن كانت الشمس تطلع كل يوم وتغرب على كوكبنا الأرض بالطريقة ذاتها فإنّ الأحداث التي تقع في الأيام تميّز يوماً عن آخر.
ولعلّ ما تميّز به هذا اليوم التاريخيّ (11 /01 /2020) هو كونه يسجّل فقدان رجل عظيم يمتلك الحكمة وسداد الرأي وبذلك يصبح الخبر مثير لانتباه الشعوب أجمع، فلا عجب أن يتحوّل السلطان رمزاً للحكمة والتضامن والسلام بين شعوب العالم، اعترافاً بجميله وتقديراً لمكانته.
فسلطاننا أحد السلاطين العظماء الذين يشار إليهم بالبنان حين ترك إرثاً عظيماً خالدا، استفاد القريب والبعيد من حكمته ومشورته وسداد رأيه، فحظي بتقدير عالميّ نتيجة قدرته على جمع الفرقاء ومصالحة المتصارعين.
فقبيل فجر السبت المنصرم انتشر خبر مفزع اختلطت فاجعته ببرودة الطقس وقوة الرياح التي تشي بحزن شديد ألمّ بعمان قاطبة فذرفت السماء دموع فراق السلطان، واستقبلت الأرض دموع السماء ملبدة غيوم من الحزن القاسي علينا، عندئذ خرجت عمان عن بكرة أبيها تودع قائدها وبانيها المغفور له جلالة السلطان قابوس بن سعيد ـ طيب الله ثراه ـ بعد أن ترك لهم إرثاً عظيماً من القيم والمبادئ والسلوك القويم والنهج الحميد الذي بات نبراسا يهتدى به، فما أصعب تلك اللحظات التي بكينا فيها فقيدا بحجم الوطن لقد كان يوماً من أصعب الأيام وأكثرها ظلاماً.
لقد ولدنا وألسنتنا تلهج باسم قابوس في المدارس وفي الشاشة الصغيرة فكان والدي رحمه الله يتابع مسيرة السلطان كثيراً ويدعو له بالتوفيق في كل لحظة من اللحظات.
وقد كان ـ رحمه الله ـ معشوق الجميع في هذا البلد الطيب الذي نهل من حكمه ودروسه عبراً وعظات، ولا غرابة أن يجهش الجميع بالبكاء ففي كل بيت نصبت خانة بداخله للعزاء حيث تجمعت أفراد الأسرة تنحب السلطان وتبكيه كيف لا وهو الذي كان كفيل اليتامى ومعين الأرامل والفقراء كيف لا نبكيك أيها السلطان وها نحن اليوم نفاخر بأمجاد الوطن بين دول العالم أجمع بعد أن صنعت لعمان سمعة نوعية في جميع المجالات يحق أن نبكيك وأنت من نشر في ربوع البلاد والعباد المدارس والجامعات فكانت نقلة صنعت لعمان اسماً خالداً على مر التاريخ.
حين فتحنا أعيننا نحن جيل السبعينيات وما بعدنا على وجه الخصوص رأينا رجلاً شهماً يبني عمان بفكر نيّر ويجمع العمانيين تحت خيمة واحدة ويمد الأيادي معاهداً الله أن يعمل معهم وأن يجعل من عمان مقصداً يحج اليه العالم كما يجعل منها شموخ مجد وسؤدد دون تمييز بين طائفة أو عرق أو مذهب أو أبيض على أسود بل كان التمييز فيمن يعمل بجهد وإخلاص وإتقان للوطن، ومنذ تلك السنين وعمان تشهد من الإنجازات العظيمة ما يجعل الشعب يحني الهامة لسلطانه الذي لم يألُ جهداً على بنائها وإعمارها وتشييدها ففي كل بقعة اليوم تتنشر الخدمات الحكومية تظلل على المواطنين وتسهل لهم وتيسر أمورهم فكم من العقبات والتحديات باتت برداً وسلاماً على المواطنين والمقيمين في هذا البلد.
إن أشد ما يؤلم في هذا المصاب بكاء الكهول الذين جاوروا السلطان وعرفوه عن قرب كريم عليهم رحيم بهم عطوف عليهم وملهما لهم في الحياة لقد كان نبأ وفاة السلطان له وقع اليم على قلوبهم فلم يتحملوا لوعة الخبر ففي كل بيت عجوز تبكيه وشيخ هرم يبكي بكاء الطفل من شدة التأثر على فقدان سلطانهم الذي عرفوه مذ خمسين عاماً وهو يفني حياته يوماً بعد يوم لخدمتهم وشحذ هممهم فكان القلب الكبير لعمان.
عندما يرحل الساسة الحكماء تبقى أفعالهم وأقوالهم دروساً وعبراً نستمدّ منها قوة اليوم وحياة الغد والمستقبل لقد رحل رجل السلام والأمان معاهدين الله أن نواصل المسير ونكمل التشييد لتبقى بلادنا عمان في أمن وأمان، رحل رجل السلام وفي عزائه يلتقى الفرقاء والمتخاصمون من الوطن العربي ودول العالم في قصره الميمون، وهي كرامات وإرهاصات أنّ الحدث لن يتكرر في التاريخ.
وداعاً قابوس السلام، فإنّ كل قائم راكع يوماً ما، وكل راكع مائل إلى السجود. إنّا إلى الله جميعاً راجعون. ارقد بسلام ورزقك الرحمان مغفرة وجناناً. اللهم آمين.

*dr.khalfanm@gmail.com

إلى الأعلى