الثلاثاء 17 يناير 2017 م - ١٨ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ

غياب

لمعَ بريقُ دمع الرجلِ الخمسينيِّ في عينيه على أضواءِ الكشافات التي نصبت في ساحةِ القريةِ لعرسٍ جماعي، وكأنها سحبٌ بيضاءُ، غطت شمساً بزغت للتو. حارَ فكري لدرجةِ أني شعرتُ بعصافيرَ تحلق فوقَ رأسي المغطى بعمامةِ مرتبةٍ، وفي قرارةِ نفسي أقول: هل فعلً سؤالي عن أحدِ أبنائهِ كلُ هذا؟! لم ألبث أن أهيمَ في بحر تفكيري إلى أنْ جاءَ الجوابُ سريعاً كالصاعقةِ.
- مَنْ تقصدُ من أبنائي؟
-لا أتذكرُ اسمه فقط درستهُ منذ فترةٍ من الزمنِ في الصفِ الثالثِ أو الثاني في المرحلةِ الابتدائيةِ.
-أتقصدُ حمد؟
-نعم الآن تذكرتهُ، إنه حمد.
- عطاك اللهُ عمرَه، تُوفِيَ قبل سنةٍ من الآن.
وهنا شخصتُ عيناي، وتمنيتُ أن تنشقَ الأرضَ، وتبتلعني دفعةً واحدةً.
- عظمً اللهُ أجرًك، صدقني لم أكنْ أعلمُ.
- أجرُنا وأجرُك، ورحمً اللهُ المسلمين جميعا.
هنا وقفتُ عن الكلامِ لبرهةٍ، لتُعاودً أذني سماعً الصوتِ المبحوحِ، نظرً إلى أسفلِ رجلهِ حيثُ الحصيرُ البني الصلبُ، والذي فعلً بأرجلِنا ما فعل – مع أني لم أشعرُ بأي شيءٍ من هذا إلا عندما وقفتُ -، ثم رفعَ رأسِه الى الأعلى قليلاً، وطفقَ يذكرُ قصةً وفاةِ ابنهِ حمد.
كان حمدُ من أولادي الأذكياءِ الناجحين في دراستِهم، كان ككلِ أخوتهِ وأخواتهِ المتفوقين، وكنتُ كلَ سنتين أذهبُ إلى الجامعةِ لأنهيَ اجراءات تسجيلِ احدِهم.
كنتُ ومازلتُ أوفر لهم كلً شيءٍ؛ لكي يكونوا فاعلين في المجتمعِ، كنتُ أشتري لهم ما يريدونه، أُحببُ لهم القراءةَ، أشتري لهم المجلاتِ الخفيفةِ التي تساعدهم على القراءةِ، كنتُ أتواصلُ مع إدارةِ المدرسةٍ دائماً، أتواصلُ معِ المعلمين متى ما رأيتُ أحدَ أبنائي عنده موهبةٌ، لكي أنمَيها، أذكرُ ذلك اليومَ جيداً عندما جلستُ مع أستاذ يحيى معلمً اللغةِ العربيةِ، كان حديثُنا عنْ موهبةً حمد في الخطِ العربيِّ، كنتُ أقول للأستاذِ: أعتنِ بحمدٍ، فإن له موهبةٌ في الخطِ. قال لي: أتعلم أن الفن له دورٌ في تنميةِ القيادةِ؟ ابنك له مستقبلٌ كبيرٌ، وسيفتخرُ به وطنه، نعم الشبابُ ثروةُ الوطنِ، هم عمادً الأمةِ. جاوبتهُ.
وفي إحدى ليالي بدايةِ الشهرِ الحالكةِ السوادِ وضعتُ رأسيَ المثقل بهمومٍ تراكمت عليّ، في عادتي النومُ مبكراَ عدا هذهِ الليلةَ؛ فعينايَ كانت تراقبُ سقفَ الغرفةِ القديمِ المتهالكِ، لم أكنْ أعلمُ أنْ ابني حمد قد عملَ نسخةً أخرى لمفتاحِ سيارتي، لم يخطر ببالي أنَّ حمد ذي الأربعةِ عشرَ ربيعاً سيقود سيارتي بدون استئذان مني، أو سيتصرفُ هذا التصرفَ اللامسؤولَ، عقاربُ الساعةِ الكسولةِ لا تتحركُ فأنا أراقُبها كل ثانيةٍ، الساعةُ الواحدةُ وخمسٌ وثلاثون دقيقةٍ، ياااااه كأنَّه أسبوعٌ متوقفٌ في مكانهِ. كنتُ أتمتم: ألا أيُّها الليلُ الطويلُ ألا انجلِ .. أغمضتُ عينيَّ للحظات، ثم فتحتُها فجأةً على صوتِ صياحِ هاتفي الخلوي كأنه يقولُ: هلمَ إليّ. ولكنَّ هذه الرنة ليستُ ككلِ الرناتِ السابقةِ، رنةٌ جعلتْ قلبيَ يُرجفُ خائفاً، لا أدري هذا الشعورً الذي اعتراني فجأةً مع أني لا أدري مَنْ المتصلُ؟! ولكن كأنَّ أحداً يخبرني أنَّ ابني قد حصلَ له مكروه وفارقَ الحياةَ. هو أحساسُ الأبوةِ إذاً، صادقٌ لا يَخيبُ أبداً، حَملتْ يدي المرتجفة هاتفي، فعلت الحاسةُ السادسةُ بي ما فعلتْ، ثم أجبتُ.
-السلام عليكم، نعم مَنْ المتصلُ؟
-معكَ مركزُ الشرطةِ، أنتَ أبو حمد؟
هنا زادَتْ دقاتُ قلبي كأنَّها رعودٌ في وادٍ ممطر قَدْ حطَّه السيلُ من عالٍ.
- نعم أنا هو.
- تعالَ إلى مستشفى النجاحِ في الحالِ، ابنُكَ تعرضَ لحادثِ سيرٍ.
زادَ يقينيَ المرُ بأنّ ابني قَدْ رحلَ عن هذه الدنيا، أيقظتُ زوجتي وأبنائِيَ، وبعدَ ساعةٍ تعالتْ أصواتُ نساءِ القريةِ كأنَّها صافراتُ انذارٍ لغارةٍ جويةٍ قادمةٍ.
بَكَيُتُ كالنساءِ، نعم كما تبكي النساءُ، غيرَ آبهٍ بما يقالُ: “الرجالُ لا يبكونَ”، وصمتَ عني القولُ، ولكنَّ مشاعَره الدفينةَ قد سطرتْ قصصُ ألفِ ليلةٍ وليلةٍ في سويعةٍ أو أقلُ. أخذتُ نفساً عميقاً .. ولم أشعرُ إلا بصحونٍ تلقى هنا وهناك، انسحبتُ بكلِ هدوءٍ وودعتُ أصحابَ العرسِ على أنِّي انهيتُ عشائيَ، وأنا قَدْ انهيتُ قصةَ ألمٍ حدثتْ وتحدثُ كلَ يومٍ.

يونس بن جميل النعماني

إلى الأعلى